عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Oct-2026

"الاختلاف الديني ليس مبررا للإهانة"*موفق ملكاوي

 الغد

تكتب الزميلة شيرين قسوس عن التعليقات المسيئة وخطاب الكراهية والشماتة، التي «تدفقت» على مقطع فيديو يصور قسا توفي إثر سقوط صليب ضخم فوق رأسه، خلال قداس في إحدى كنائس الإكوادور. لم أعلم بالحادث إلا من خلال مقالها، فبحثت في الأمر، لاكتشف أن المأساة لم تكن في الموت وحده، وإنما امتدت للطريقة التي استقبل بها بعضهم الحدث، فجعلوه مادة للسخرية والتشفي، بينما ذهب بعضهم لتأويله باعتباره عقابا إلهيا على معتقد الرجل ودينه.
 
 
من الصعب فهم كيف يمكن لمشهد إنسان يموت وهو يمارس طقوسه الدينية، أن يثير الضحك والشماتة، وأن نجد من يعتقد أن اختلافه مع الضحية في العقيدة يمنحه حق إهانتها، ويحرمها مما تستحقه من احترام في حياتها وموتها.
الرجل كان يصلي وفق ما يؤمن به، وقد نذر حياته لخدمة كنيسته ورعاياها، ولم يكن في تلك اللحظة يخوض حربا مع أحد، أو يطالب الآخرين بالتخلي عن معتقداتهم. كان يمارس حقا إنسانيا أصيلا في الإيمان والعبادة، قبل أن تنتهي حياته بشكل مأساوي. ومع ذلك، فبعض المعلقين رأوا أنهم أعلى منه شأنا، وأكثر استحقاقا للحياة والرحمة، لمجرد أنهم يعتنقون دينا مختلفا.
أضم صوتي إلى صوت الزميلة قسوس، وأؤكد بدوري أن «الاختلاف الديني ليس مبررا للإهانة»، فالقضية ليست مفاضلة بين العقائد، إذ يستطيع كل إنسان أن يتمسك بإيمانه والاعتقاد الصارم بصحته، وأن يختلف جذريا مع معتقدات الآخرين، شريطة أن لا يفقد قدرته على احترامهم. الاختلاف في الإيمان لا يستلزم اختلافا في استحقاق الكرامة، ولا ينبغي أن يحول الموت إلى مناسبة لتصفية الحسابات العقائدية.
خلال سنوات طويلة وجهنا لومنا ونقدنا للعالم على افتقاره للتعاطف مع قضايانا، واستنكرنا ازدواجية المعايير حين يتعلق الأمر بضحايانا، وطالبنا الآخرين بأن يروا في موتانا بشرا لهم أسماء وعائلات وأحلام وحياة تستحق الحزن. هذه مطالب عادلة ومشروعة، خصوصا حين نشاهد كيف تتفاوت قيمة الحياة الإنسانية في الخطاب السياسي والإعلامي العالمي.
لكن ما الذي سيقوله العالم حين يرى سخريتنا من موت رجل دين مسالم، لم يكن بيننا وبينه سوى اختلاف المعتقد. بأي منطق نطالب العالم بالتخلي عن الانتقائية في التعاطف، بينما نمارسها نحن حين يكون الضحية مختلفا عنا!
ندرك أن سلوك المعلقين لا يمثل مجتمعا بأكمله أو تختصر أخلاق الناس ومواقفهم، لكن الخطورة تكمن في سهولة تحول القسوة إلى خطاب مألوف، والاستعداد للتعامل مع الإهانة بوصفها تعبيرا عن الغيرة الدينية، دون اعتبار لأي حس إنساني.
إن الشماتة المتخفية وراء اليقين الديني، تمنح صاحبها شعورا زائفا بالفضيلة، فيغيب عنه أنه في اللحظة التي يحتفل فيها بموت إنسان مختلف عنه، يكشف عن خلل في فهمه لمعنى الرحمة، قبل أن يكشف عن موقفه من دين الآخر.
نعلم أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في جعل هذا السلوك منتشرا وجليا، فقد أصبحت المآسي، كما الأحداث اليومية، مادة للتعليق السريع، وأحيانا للتنافس على العبارة الأكثر استفزازا. وفي زحام الصور والمقاطع والتعليقات، يتراجع حضور الإنسان الحقيقي خلف الشاشة، ويتحول إلى رمز يختزل فيه المعلق كل خلافاته وأحكامه، وربما أمراضه.
نحتاج إلى استعادة المسافة الضرورية بين ما نعتقده عن أفكار الآخرين، وما ندين لهم به من احترام بوصفهم بشرا. فمن حقنا أن نختلف مع الأفكار، وأن نرفض ما لا نؤمن به، لكن ليس من حقنا أن نحول هذا الرفض إلى إهانة لأصحابها، وأن نعتبر مصائبهم دليلا على تفوقنا الأخلاقي، فالتعاطف الحقيقي يختبر بصدق حين لا تجمعنا بالضحية صلة دين أو لغة.
نريد من العالم أن يكون أكثر إنصافا لقضايانا، وأن يتوقف عن تصنيف الضحايا وفق هوياتهم. هذا مطلب عادل، لكنه يفقد أخلاقياته حين لا نكون مستعدين لتطبيق المعيار نفسه على أنفسنا، فالإنسانية ليست حكرا علينا، والرحمة التي ننتظرها من العالم ينبغي أن لا تتوقف عند حدود معتقداتنا.