عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Aug-2025

أزمة التدين 2: التدين العنيف صورة وهمية لتغيير الواقع*د. محمد العايدي

 الغد

إن التدين العنيف ليس مجرد انفعال زائد وغاضب أمام المظالم، بل هو منظومة فكرية مغلقة صاغتها بعض التيارات الدينية، واشتغلت على ترسيخها في عقول اتباعها عبر الانتقاء الحاد من النصوص، والتأويل القسري للوقائع التاريخية، وتغييب مساحات واسعة من الرحمة والرفق والتسامح التي شكلت البنية الأخلاقية للرسالة الإسلامية، هذا التدين يقدم الحرب بوصفها الطريق الطبيعي للنهضة، ويصور المواجهة المسلحة على أنها الخيار الأول والأوحد لتغيير الواقع، وكأن الحوار وبناء المؤسسات والعمل التربوي والصبر وتزكية النفوس ليست من أدوات الإصلاح، ولا من أولويات الدين.
 
 
لقد ركزت هذه الجماعات والحركات الدينية على إعادة إنتاج صورة مقاتلة للدين، فاختارت أكثر لحظاته اشتعالاً وأبقت عليها في الذاكرة الجمعية، بينما غيبت خمسة عشر عاماً من السيرة النبوية في مكة والمدينة، سلمية خالصة رغم ما واجهته من اضطهاد شديد، كما أغفلت أن الحروب التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كانت جميعها حروباً مفروضة لم يبادر إليها، وأنه حين امتلك القوة الكاملة لدخول مكة منتصراً فضل أن يحول الملحمة إلى مرحمة، فعفا عن خصومه وحقن دماءهم حتى من غير المسلمين مع قدرته على الانتقام، هذه اللحظة التاريخية وحدها كافية لإسقاط فكرة أن الدين لا ينهض إلا على أنقاض الحروب والمعارك.
 
ولا يمكن أن نغفل الحقيقة الجوهرية التي يكشفها تحليل الخطاب القرآني بموضوعية، إذ أن نحو ما يقارب 90 % من مفردات القرآن الكريم تتجه نحو الرحمة والمغفرة والسلام والأمن، وهو خطاب جمالي قائم على التلطف والتهذيب وبناء الإنسان وإصلاح العلاقات، بينما لا يتجاوز حضور مفردات الحرب والقتال والردع 10 % فقط، وهي مشروطة بظروف رد الظلم والعدوان، ولا ننسى أن أول آية افتتح بها الكتاب الكريم هي البسملة التي بدأت بالرحمة لا بغيرها، لتعلن أن هذا الكتاب كتاب رحمة، وأن الرحمة عنوانه ولبه، وأن المعاني المضادة لا تشكل الأصل، بل هي استثناء فرضته الظروف، ولا ينبغي أن تكون قاعدة في فهم الدين وإبراز غاياته.
كيف مع هذا الوضوح في الخطاب القرآني الرحيم نقلب التدين ونختزله في 10 % من نصوصه ليكون راية سوداء ترفرف فوق خرائب المدن؟ أليس هذا انحرافاً منهجياً كبيراً عن نقل رسالة الدين الحقة، وعن مقاصده السامية؟ وتحويل الدين من كونه رسالة عالمية إلى خطاب حزبي مغلق يخرج المخالفين من دائرة الحق، وكأن الحق حكر على جماعة بعينها، مع أن العاقل المنصف يدرك أن الحق في تجلياته الكاملة لا يمكن أن يختزل في فهم جماعة أو فرقة خاصة، أو يحصر في إطار زماني أو مكاني محدد، فرسالة الإسلام جاءت لتسمع البشرية جمعاء، وتفتح أبواب الهداية لكل من أرادها، دون الانضواء تحت راية أو حزب أو جماعة معينة.
وما يزيد خطورة هذا النمط من التدين أنه يغرس في نفوس أتباعها شعوراً دائما بالاستنفار ضد كل من يختلف معهم، لا يستطعيون معه بناء علاقات طبيعية إنسانية مع المخالفين، معتبرين أن السلم ضعف، والتعايش تنازل عن الدين، والحرية خروج عن الحق، فتتآكل بذلك القيم القرآنية التي قدمت السلم على الحرب ما لم يفرضه الواقع، وجعلت درء الفتنة أولى من خوض المواجهة، وأعطت حرية الاعتقاد لكل الناس من غير إكراه لهم.
ولذا فإن تحرير الدين من هذه الصبغة العنيفة التي علقت به في أذهان كثيرين هو ضرورة فكرية وأخلاقية، لأن الإصرار على تقديمه بهذا الشكل لا يدمر صورته فقط في نظر الآخرين، بل يقتله في نفوس أتباعه من المؤمنين، ويحول الإيمان من مصدر للسكينة والطمأنينة إلى حالة قلق وصراع دائم، ويختزل رسالة الإسلام التي جاءت رحمة للعالمين إلى أداة تقسيم وتمزيق للبشر.
ختاما.. إن مواجهة التدين العنيف لا تكون فقط بمجرد الدعوة إلى الخطاب المعتدل، بل بتفكيك البنية الفكرية التي أنتجته، وإعادة قراءة النصوص في سياقها القرآني والنبوي الصحيح، وإبراز أن القوة في الإسلام لم تكن مرادفة للطيش، وأن السلم ليس خيار الضعفاء، بل خيار الأقوياء الذين يملكون القدرة على الحرب، ولكنهم يختارون منهج الرحمة والسلام حين يكون أرحب بالإنسانية، وأصدق في التعبير عن روح رسالة الإسلام.