عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Oct-2026

الحرب الأبدية الجديدة: لماذا تواصل أميركا وإيران القتال بلا انتصار

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
علي واعظ* – (فورين أفيرز) 29/9/2026
قد لا تنتهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قريبًا، لأن أياً من الطرفين لا يستطيع تحقيق أهدافه القصوى، ولا يرى في التراجع خيارًا آمنًا. تستطيع واشنطن مواصلة الضغط وتوجيه المزيد من الضربات. وتملك طهران وسائل لإيلام القوات وإلحاق الضرر بمصالح أميركا وحلفائها. وهكذا يستمر القتال بينما تتزايد كلفة الحرب من دون ما يوحي باقتراب النصر.
 
 
متى تنتهي الحرب في إيران؟ يقول مسؤولون أميركيون أن الإجابة هي: قريبًا. وقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيلول (سبتمبر): "أعتقد أن الحرب ستنتهي فورًا بعد انتخابات [نوفمبر]. لا يستطيعون الصمود أكثر من ذلك". ويتفق القادة الإيرانيون على أن نهاية الحرب أصبحت قريبة. في آب (أغسطس)، أعلن أحمد وحيدي، القائد العام لـ"الحرس الثوري الإسلامي": "لقد جعلنا أكثر الجيوش تسليحًا في تاريخ العالم يركع على ركبتيه". ويرى كثير من المحللين خارج البلدين أن الصراع سيستمر فترة أطول، وأنه سينتهي المفاوضات بدل أن ينتهي بفائز واضح. لكن ثمة في المقابل شعورًا عامًا بأن القتال سيُحسم قريبًا، بطريقة أو بأخرى.
وهذا التفكير يمكن تفهمه. كل الحروب تنتهي في نهاية المطاف. وبعد أشهر من ارتفاع أسعار الطاقة، يتوق العالم بصورة خاصة إلى توقف هذه الحرب. لكنّ الحقيقة المقلقة هي أن الصراع ما يزال بعيدًا جدًا عن نهايته. ما يزال طرفا الحرب الرئيسيان عاجزين عن تحقيق الأهداف التي يريدانها، ومع ذلك يشعر كل منهما بأنه يحقق قدرًا كافيًا من المكاسب يجعل مواصلة القتال، بمزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية، تستحق العناء. الولايات المتحدة لا تستطيع إسقاط النظام الإيراني، أو حمله على التخلي عن برنامجه الصاروخي، أو إجباره على إنهاء برنامجه النووي، أو دفعه إلى التوقف عن دعم شركائه الإقليميين. لكن واشنطن تستطيع مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وخنق اقتصادها. وإيران لا تستطيع طرد القوة العظمى الوحيدة في العالم من الشرق الأوسط. لكنها تستطيع مواصلة إلحاق الأضرار بالقواعد الإقليمية الأميركية، وقصف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وتعطيل التجارة الدولية.
ولعل الأهم من ذلك أن كلا الدولتين تملك الموارد اللازمة للقتال إلى أجل غير مسمى، وكلاهما يعتقد أنه لا خيار أمامه سوى استخدامها. ويعتقد كل طرف أنه إذا خفف من وتيرة القتال، فسوف يواصل الطرف الآخر الضغط عليه إلى أن يُذلّه أو يحقق أهدافه الرئيسية. ويُجري الطرفان محادثات دورية، لكنّ هناك غيابًا متبادلًا للثقة بينهما. بل إن كل طرف يشتبه في أن عدوه سيستغل أي وقف لإطلاق النار لمجرد إعادة تنظيم صفوفه وإعادة تزويد قواته بالإمدادات، ثم يعاود الهجوم. وتخشى الحكومة الإيرانية أن يؤدي التخلي عن أوراق الضغط التي تملكها، سواء في ما يتعلق بمضيق هرمز أو ترسانتها الصاروخية أو برنامجها النووي، إلى تركها مكشوفة أمام الضغوط في وقت لاحق. وتخشى واشنطن، من جهتها، أن يؤدي تخفيف العقوبات على نطاق واسع إلى تزويد طهران بالموارد والوقت اللذين تحتاج إليهما لإعادة بناء قدراتها. وفي الأثناء، تخشى إسرائيل أن يؤدي ضبط النفس الذي تلتزم به اليوم إلى نشوء إيران أقوى غدًا. وتبدو الخطوات اللازمة للخروج من الحرب خطرة على وجه التحديد لأنها تتطلب من كل طرف أن يجعل نفسه أكثر عرضة للخطر مؤقتًا.
وإذن، ستستمر الحرب على ما هي عليه. لن يكون هناك حل شامل، ولن يكون هناك اتفاق سلام دائم. ولكن لأن الوضع الراهن قابل للإدامة بالنسبة لكلا الطرفين، ولأن الطرفين يفتقران إلى القدرة على قلب الموازين وامتلاك اليد العليا بوضوح، لن يكون هناك تصعيد درامي. لن تُهزم طهران وواشنطن. ومع ذلك لن ينتصر أحد.
لا مخرج
بالنسبة للولايات المتحدة، لم يكن يُفترض في الحرب أن تسير على هذا النحو. عندما انضمت واشنطن إلى إسرائيل في توجيه ضربات إلى الجمهورية الإسلامية في 28 شباط (فبراير)، كانت تعتقد أنها ستحقق النصر سريعًا. كان البلدان قد دمرا أو دفنا بعد كل شيء معظم المنشآت النووية الإيرانية، وفجّرا العديد من مواقعها الصاروخية في حزيران (يونيو) 2025. وكانت إسرائيل قد قتلت عشرات العلماء الإيرانيين البارزين وأكثر من عشرين قائدًا عسكريًا، وألحقت دمارًا هائلًا بـ"حزب الله" في لبنان. وكان الرئيس السوري بشار الأسد، الحليف الإيراني منذ فترة طويلة، قد فقد السلطة، كما كانت احتجاجات واسعة قد هزت الحكومة الإيرانية نفسها قبل وقت قصير. وكان الجيش الأميركي والجيش الإسرائيلي يتمتعان بما بدا أنه وصول لا يُنازَع إلى المجال الجوي الإيراني. وبعبارة أخرى، بدا النظام على شفا الانهيار.
في الأيام الأولى للصراع، قتلت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعددًا كبيرًا من كبار القادة العسكريين في البلاد. لكن التنبؤات بانهيار الجمهورية الإسلامية كانت بعيدة عن الصواب. سرعان ما تمكن النظام من تعويض المسؤولين الذين فقدهم، وشرع في توجيه الضربات المضادة إلى أعدائه، فدمّر طائرات أميركية ومنصات إطلاق صواريخ وأنظمة رادار في قواعد موزعة في أنحاء الخليج العربي. وسيطرت إيران على مضيق هرمز، وضيّقت حركة التجارة عبر الممر المائي. كما هاجمت القوات الإيرانية بنى تحتية مدنية في أنحاء منطقة الخليج لتجعل شركاء واشنطن الإقليميين يدفعون ثمن إتاحة الهجوم الأميركي-الإسرائيلي.
وقلّل المسؤولون الأميركيون من شأن هذه الانتكاسات، مؤكدين أن النظام الإيراني لا تفصله عن تقديم التنازلات سوى ضربة أخرى أو حزمة عقوبات جديدة. لكنّ من المستبعد جدًا أن تتمكن إسرائيل وواشنطن من إجبار طهران على تقديم تنازل ذي شأن. وقد حاولتا مرارًا تدمير مسؤولي النظام وبرامجه العسكرية بالقصف، وفي كل مرة كانت طهران تعيد بناء ما دُمّر بسرعة. ومن الصعب تصور أن تتمكن الضربات الجوية المقبلة من تحقيق ما عجزت الضربات السابقة عن تحقيقه.
بطبيعة الحال، أضافت الولايات المتحدة بُعدًا جديدًا إلى هجومها حين ضاعفت العقوبات بالتوازي مع حصارها للساحل الجنوبي الإيراني وشنها غارات جوية دورية. وقد نجحت هذه الإجراءات في زيادة تقييد وصول إيران إلى الأسواق العالمية -بما في ذلك قدرتها على استيراد سلع مختلفة وتصدير سلع أساسية مثل النفط. لكن هذا أيضًا من غير المرجح أن يقنع النظام بتغيير موقفه. ثمة طرق النقل البرية وبحر قزوين التي تحول دون أي محاولة لعزل إيران بشكل مُحكم، حتى لو كانت قدرة هذه الممرات لا تكفي لتعويض إغلاق طرق الملاحة البحرية وتراجع الروابط الجوية. وقد قدمت الصين وروسيا لإيران مجموعة متنوعة من السلع، فضلًا عن معلومات استخبارية عسكرية قيّمة. ولا شك في أن الأثر الاقتصادي للإجراءات الأميركية حقيقي، لكن الحكومة ستنقل عبء الضرر إلى شعبها من خلال خفض الدعم بدلًا من تقليص الإنفاق على الأجهزة العسكرية والأمنية التي تحتاج إليها للدفاع في مواجهة الخصوم الخارجيين والمعارضة الداخلية. وقد أصبح الناس يواجهون مباشرة عملة منهارة وتضخمًا جامحًا، ومن المؤكد أن وصف الوضع الراهن بأنه قابل للاستمرار سيبدو للإيرانيين العاديين أقرب إلى الفحش. لكنّ ما قد يكون غير مُستدام بالنسبة للمجتمع الإيراني يمكن أن يكون قابلًا للإدامة تمامًا بالنسبة للدولة. لا تحتاج الجمهورية الإسلامية إلى حماية إيران بأكملها من التدهور الاقتصادي؛ وإنما تحتاج فقط إلى حماية المؤسسات والقوى الاجتماعية والسياسية التي لا غنى عنها لبقائها هي.
ربما يأمل المسؤولون الأميركيون أن يؤدي ازدياد فقر السكان في إيران إلى تغيير موقف طهران. لكن القادة الإيرانيين يعتقدون أنهم يواجهون تحديًا وجوديًا. وفي مثل هذه الظروف، من غير المرجح أن يعتبر القادة أي مستوى من المعاناة الاقتصادية نقطةً حاسمة تدفعهم إلى التراجع. وفوق ذلك، كان النظام قد صمد أمام وضع أسوأ من الوضع الراهن من دون أن يرف له جفن، ولسنوات أطول. فمن 1980 إلى 1988، خاض البلد حربًا مع العراق أودت بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين، وتركت الدولة أمام أضرار بلغت قيمتها مئات المليارات من الدولارات. ولكن، حتى ذلك لم يكن كافيًا لحمل طهران على الاستسلام. بل إن إيران، حتى بعد أن طردت القوات العراقية من أراضيها، غزت خصمها وأمضت ست سنوات في محاولة إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين، على الرغم من استمرار المعاناة في الداخل. ولم يتوقف الصراع إلا بعد أن حققت القوات العراقية تقدمًا ميدانيًا، وتزايَد انخراط الولايات المتحدة في الخليج، وترسَّخ تصور بأن ميزان القوى الإقليمي كان يتحول بصورة حادة ضد طهران.
بطبيعة الحال، لم تستخدم الولايات المتحدة جميع أوراقها بعد. فهي تستطيع نشر قوات برية على الأرض. لكن مثل هذه العمليات ستؤدي على الأرجح إلى سقوط عدد أكبر بكثير من الضحايا الأميركيين، كما ستدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى بكثير. ولهذه الأسباب، تبقى هذه خطوة غير قابلة للتنفيذ سياسيًا. ويمكن لواشنطن أن تشن غارات جوية على أهداف رئيسية من البنية التحتية فتُلحق بالبلد أضرارًا جسيمة تمتد آثارها لأجيال بشبكة الطاقة الإيرانية، وأنظمة النقل والاتصالات، وغيرها من المنشآت. لكن طهران سترد بالمثل ضد شركاء أميركا في الخليج، في ما سيرفع تكاليف الطاقة أيضًا.
احتفل النظام الإيراني بقدرته على الصمود في مواجهة الهجمات الأميركية. لكن آفاقه لهزيمة الولايات المتحدة تبدو قاتمة بالقدر نفسه. لا تستطيع إيران بسهولة زيادة مستوى الضغط لأن ضائقتها الاقتصادية تضيق هامش المغامرة الاستراتيجية. وقد تعتقد قيادتها أنها قادرة على الصمود في مواجهة مشقات مطوَّلة، لكن خوض مواجهة كبرى أخرى مع الولايات المتحدة ينطوي على خطر إلحاق أضرار أعمق بإيران في ظل عقد اجتماعي متصدع أساسًا. والأهم من ذلك أن المسؤولين الإيرانيين لا يملكون أسبابًا كثيرة للاعتقاد بأن التصعيد الكبير سيجبر واشنطن على التراجع، بل إنه قد يؤدي بالسهولة نفسها إلى استدعاء رد أميركي أشد تدميرًا من رئيس أميركي متهور. ولذلك يغلب أن تفضل طهران -في الوقت الراهن- فرض تكاليف محسوبة على الولايات المتحدة، والحفاظ على أوراق الضغط التي تملكها، واختبار مدى صلابة الموقف الأميركي من دون تجاوز عتبة تجلب عليها هجمات مكثفة.
وحتى لو صعّدت طهران بصورة كبيرة، من غير المرجح أن تنتصر الجمهورية الإسلامية. تستطيع إيران إضعاف الوجود الأميركي في المنطقة، وقد أرغمت الولايات المتحدة حقًا على إنفاق مبالغ هائلة —تجاوزت 40 مليار دولار وما تزال في ازدياد— على الصراع. لكن الميزانية الأميركية الإجمالية تُقاس بتريليونات الدولارات، ولدى واشنطن مخزون كبير من القنابل الأقل تطورًا التي يمكنها استخدامها لمواصلة القتال مع تناقص مخزونها من الأسلحة المتقدمة. وقد تكبدت خسائر في صفوف قواتها، لكنها لا تمثل سوى جزء ضئيل جدًا مما خسرته في أفغانستان والعراق. كما تستطيع إبقاء الخسائر البشرية منخفضة نسبيًا لأنها قادرة على القتال من مسافة بعيدة بإطلاق الصواريخ من خارج الأراضي الإيرانية.
مضيق التوازن
للوهلة الأولى، قد يبدو عجز طهران وواشنطن عن تحقيق نصر حاسم بشارة بالسلام. عندما تدرك الدول أن تحقيق النصر متعذر، فإنها تلجأ أحيانًا إلى تسوية. لكنّ لدى إيران والولايات المتحدة كليهما أهداف ثانوية، وتعتقد كل منهما أن مواصلة القتال ستساعدها على تحقيقها. وترى واشنطن، على سبيل المثال، أن توجيه ضربات متقطعة سيضمن ألا تتمكن طهران أبدًا من إعادة بناء قدراتها العسكرية بالكامل أو تطوير أسلحة نووية. وهي تريد ضرب إيران كلما تجاوز النظام عتبة معينة، مثل إعادة بناء منظومة أسلحة تثير قلقًا خاصًا أو استئناف تخصيب اليورانيوم. وبذلك، تعتقد الولايات المتحدة أنها تستطيع إبقاء إيران ضعيفة من دون تحمل المخاطر السياسية والعسكرية المترتبة على محاولة تغيير نظامها.
ومن جهتها، تعتقد إيران أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة الردع الذي فقدته. وهي تحشد شركاءها الإقليميين، مثل الميليشيات العراقية والحوثيين في اليمن، لإبقاء خصومها تحت نيران جبهات متعددة. كما أصبح النظام أكثر استعدادًا لتوجيه الضربة الأولى. في تموز (يوليو)، على سبيل المثال، شن هجومًا صاروخيًا على قاعدة في الأردن تستضيف أفرادًا من الجيش الأميركي، على الرغم من عدم وجود ضربة أميركية سبقت الهجوم مباشرة. وبطبيعة الحال، سعت إيران إلى بسط هيمنتها على مضيق هرمز. وكان المسؤولون الإيرانيون يعتبرون إغلاق الممر المائي في السابق إجراءً لا يتم اللجوء إليه إلا كخيار أخير، وفي ظروف بالغة التطرف. ولذلك انتظروا حتى اندلاع حرب شاملة. لكنّ طهران أثبتت، خلال يوم واحد، قدرتها على السيطرة على المضيق من خلال استهداف السفن بالطائرات المسيّرة والصواريخ، الأمر الذي منحها ورقة ضغط جديدة.
ويبدو أن إيران تعتقد أيضًا أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة -وربما توسيع- النفوذ الذي كان قد تراجع قبل الحرب عندما أخفقت مرارًا في ردع خصومها وفقَد شركاؤها الإقليميون نفوذهم. وهذا ما يفسر ردّها، عندما ضربتها إسرائيل والولايات المتحدة في شباط (فبراير)، بتوسيع ساحة المعركة فورًا لتشمل الشرق الأوسط بأكمله، بما في ذلك دول الخليج التي كانت قد أمضت السنوات الأخيرة في إعادة بناء علاقاتها مع طهران. وفي المجمل هاجمت إيران أكثر من اثنتي عشرة دولة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وهي تريد إقناع هذه الدول بالابتعاد عن واشنطن من خلال إثبات أن الشراكة مع الولايات المتحدة تضعها تحت الخطر.
ربما تكون تقديرات واشنطن وطهران صحيحة وقد تكون خاطئة. ولكن حتى إذا لم يكن أي من الطرفين سيجني شيئًا من مواصلة القتال، وحتى إذا أدرك كلاهما ذلك، فإنهما سيواجهان صعوبة في التوصل إلى تسوية. من جهتهم يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن نظراءهم الأميركيين عازمون على تدمير الجمهورية الإسلامية، ولذلك لا يرون أنهم يستطيعون وقف القتال حتى لو أرادوا ذلك. ومن جهة أخرى، لا ينتاب واشنطن الخوف نفسه، لكنها ترى مع ذلك أنها لا تستطيع تحمل كلفة التراجع. في نظر المسؤولين الأميركيين، إذا قدمت الولايات المتحدة لإيران ما تريده أكثر ما يكون -رفعًا واسعًا للعقوبات والاعتراف بنفوذ النظام على مضيق هرمز- فإنها ستكون قد عززت خصمها وكافأت الإكراه العسكري.
من الناحية النظرية، يمكن لإيران والولايات المتحدة معالجة هذه المخاوف من خلال الدبلوماسية. لكنهما تفتقران، على المستوى، إلى الثقة ببعضهما بما يكفي لتقديم تنازلات متبادلة يمكن أن تصمد. ولنتأمل، على سبيل المثال، ما حدث لـ"مذكرة التفاهم" التي وقعها الطرفان في حزيران (يونيو) على أمل وقف الحرب. كان من المفترض أن تعالج المذكرة أولويات البلدين، من خلال إعادة فتح مضيق هرمز وإطلاق مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، في مقابل رفع واسع للعقوبات ووقف الهجمات على إيران وشركائها. ولكن سرعان ما اتضح أن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين لم يكونوا متفقين على التفاصيل. وجادلت واشنطن بأن الاتفاق يعني أن السفن يمكنها أن تعبر المضيق مجددًا بالطريقة التي تختارها، بينما جادلت طهران بأن من حقها الاستمرار في تحديد طريقة العبور وفرض رسوم عليه. ولذلك أطلقت النار على سفن كانت تعبر الممر المائي بمحاذاة الساحل العُماني بدلًا من الساحل الإيراني، مما أثار غضب المسؤولين الأميركيين. وفي المقابل، اتهمت إيران واشنطن بانتهاك الاتفاق لأنها لم تفرج فورًا عن الأصول الإيرانية المجمدة، ولأنها لم تمنع إسرائيل من ضرب "حزب الله". وخلص كل من الطرفين إلى أن الآخر يتصرف بسوء نية، مما أعاد إشعال الصراع.
ولا يعني هذا الفشل أن طهران وواشنطن لن تتفاوضا. من المرجح أن تحافظا على حوار بينهما، وقد توقفان الصراع مؤقتًا من حين إلى آخر لإعادة تجميع صفوفهما. لكن الدبلوماسية والحرب يمكن أن تتزامنا. في خمسينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، انخرطت كوريا الشمالية والولايات المتحدة في مفاوضات دبلوماسية لسنوات قبل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. وما دامت طهران وواشنطن قادرتين على إلحاق الأذى كل منهما بالأخرى، ومصممتين على ذلك، فلن تنتهي الحرب مهما طال الحوار بينهما.
مراقبة الحي
ربما تكون الحرب على إيران قد استقرت على حالة من الجمود. لكن الصراع يعيد تشكيل الجمهورية الإسلامية والمنطقة المحيطة بها على السواء. كانت إيران، تقليديًا، أوتوقراطية معقدة يقوم نظامها السياسي على مزيج من السلطة الدينية، والمؤسسات المنتخبة، والأجهزة الأمنية والعسكرية النافذة، وشبكات المحسوبية المتنافسة، ومجتمع نابض بالحيوية. لكن وفاة خامنئي أزالت الشخصية المحورية للنظام وأخلّت بالتوازن القائم، في حين تعمل الحرب بصورة منهجية على ترجيح كفة أجزاء الدولة المسؤولة عن البقاء على حساب كل ما عداها. ولن يؤدي استمرار الصراع إلى أجل غير مسمى إلا إلى مزيد من صعود الإيرانيين الذين يرتدون الزي العسكري على حساب الإيرانيين الذين يرتدون البزات المدنية -وربما حتى على حساب الإيرانيين الذين يرتدون الزي الديني. وستواصل المؤسسات التشاركية في الجمهورية الإسلامية، التي كانت قد ذبلت أصلًا، تراجعها، بينما ستزداد قوة النخب العسكرية والأمنية، محجوبةً بعباءة دينية آخذة في التلاشي.
ولا يعني ذلك أن الأجزاء غير المسلحة من بنية السلطة التقليدية في البلاد ستفقد القدرة على ممارسة النفوذ. ربما يواصل السياسيون المدنيون النقاش حول ما إذا كان ينبغي لإيران السعي إلى التفاوض، وحول مقدار الألم الاقتصادي الذي يستطيع البلد تحمله. لكن أفكارهم ستكون خاضعة بالكامل لإرادة النخبة المسلحة التي تعطي الأولوية لاستعادة الردع والحفاظ على قدر كافٍ من القدرة الهجومية لإلحاق الأذى بخصوم إيران. ولن تلغي البلاد مؤسساتها المدنية، لكنّ مجالات متزايدة من الحياة ستُعرَّف بوصفها قضايا أمنية -من الاتصالات والاستثمار الأجنبي والجامعات ووسائل الإعلام إلى السياسة الاقتصادية- بحيث ستقع بذلك تحت قيادة المؤسسة الأمنية. وستستمر الروح الدينية للنظام، لكنّ المطاف قد ينتهي المطاف بالمؤسسة الدينية التي عملت ذات يوم على تنمية المؤسسة العسكرية وتطويرها لتدعيم حكمها إلى الخضوع لها.
في الأثناء، تعيد دول الخليج العربية صياغة عقائدها الأمنية. وقد يلقى بعض ما تفكر فيه استحسانًا في إيران: بعد عقود من محاولة إبقاء واشنطن منخرطة في المنطقة خوفًا من أن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة إلى تركها عرضة للخطر، خلصت دول الخليج إلى أن علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة تجعلها أهدافًا للهجمات. لكنَّ من غير المرجح أن تُخرج دول الخليج واشنطن من المنطقة. فعلى الرغم من أوجه قصورها، تظل الولايات المتحدة الدولة الخارجية الوحيدة التي توفر لها قدرًا من الدعم العسكري. كما أن انعدام ثقتها بإيران ازداد منذ اندلاع الحرب. بل إن بعض دول الخليج ردت عسكريًا على الجمهورية الإسلامية.
عوضًا عن ذلك، يُرجح أن تتبنى هذه الدول سياسة موازنة للمخاطر. وستعمل على إقامة روابط دبلوماسية واقتصادية أقوى مع إيران أملًا في إقناعها بالتوقف عن مهاجمتها. لكنها ستحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع واشنطن. وستبدأ، بالتوازي، في محاولة تطوير دفاعات صاروخية محلية أكثر قوة، وتعزيز حماية بنيتها التحتية، وإنشاء مسارات بديلة لتصدير الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية أكبر من النفط والغاز والأسلحة. وقد تحاول المنطقة أيضًا استخدام علاقاتها بكل من إيران والولايات المتحدة للتوسط في حل الصراع.
معركة تلو أخرى
الحروب تفاعلات فوضوية بطبيعتها، ومن الممكن أن يؤدي هجوم أو حدث مستقبلي إلى الإخلال بالتوازن القائم. ومع ازدياد اعتياد البلدين على الوضع الراهن، قد يفرط كل منهما في الثقة بقدراته الدفاعية، ويقرر التصعيد. على سبيل المثال، قد تجد واشنطن نفسها أمام إغراء محاولة إخضاع النظام عن طريق شن هجوم عسكري أشد فتكًا، ما قد يدفع إيران إلى إحداث اضطراب أكبر في الأسواق وإلحاق أضرار أشد بدول الخليج. وإذا أدى صاروخ إيراني إلى مقتل أعداد كبيرة من الأميركيين، أو تسبب هجوم إيراني في تعطيل بنية تحتية خليجية حيوية، فقد تختار الولايات المتحدة أخيرًا استخدام قوات برية أو تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية، مما يضع النظام في خطر حقيقي. وقد تكون طهران مخطئة أيضًا في اعتقادها أنها تستطيع مواصلة إلحاق معاناة هائلة بشعبها من دون عواقب. قد تؤدي موجات النقص المتتالية في السلع إلى تجدد الاضطرابات الجماهيرية وانشقاق شخصيات من النخبة، بما يجعل من الأصعب على النظام مواصلة القتال ضد الولايات المتحدة مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمساكه بالسلطة. وقد يتحول تدهور يبدو قابلًا للإدارة إلى شيء أكثر خطورة بكثير: تراجع في القدرة على الحكم، وليس مجرد تراجع في القدرة على القتال.
لكن الحرب تبدو في الوقت الراهن قابلة للإدامة. لم تحقق واشنطن أيًا من أهدافها المعلنة، وأنفقت كميات كبيرة من الذخائر باهظة الكلفة. ومع ذلك، ما تزال الولايات المتحدة قادرة على مواصلة القتال وهي ترى أن كلفة الاستسلام تفوق كلفة الاستمرار. ويواجه المجتمع الإيراني سنوات من الإفقار وانعدام الأمن. ومع ذلك، تبقى الجمهورية الإسلامية مستقرة ولا ترى أنها قادرة على تحمل تقديم تنازلات ذات شأن.
هذه هي مفارقة هذا الصراع. وقد خرج الطرفان منه أضعف مما كانا عليه. ولا يستطيع أي منهما تحقيق النصر. لكنهما مع ذلك يواصلان القتال، لأن البدائل المتاحة أمامهما تبدو غير مقبولة على الإطلاق.
*علي واعظ Ali Vaez: باحث إيراني-أميركي متخصص في شؤون إيران والشرق الأوسط والسياسات النووية، وهو نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية. يحمل درجة الدكتوراه في الطب الحيوي والفيزياء النووية من جامعة جنيف. سبق أن عمل في الأمم المتحدة واتحاد العلماء الأميركيين، كما درّس في جامعة جورجتاون. وهو مؤلف مشارك لكتاب "كيف تعمل العقوبات: إيران وأثر الحرب الاقتصادية" How Sanctions Work: Iran and the Impact of Economic Warfare.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The New Forever War: Why America and Iran Fight on Without Victory