الغد-سماح بيبرس
تتجه أوضاع اللاجئين السوريين في الأردن، نحو مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدا، في ظل تراجع متواصل في التمويل الإنساني وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تثقل كاهل الأسر اللاجئة بعد أكثر من عقد على الأزمة السورية.
فمع تقلص المساعدات الدولية، وارتفاع كلف الحياة وتراجع فرص العمل، باتت آلاف الأسر تعيش على حافة العجز الكامل عن تأمين احتياجاتها الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للمتطلبات المتزايدة للاجئين، أمام الإمكانات المحدودة للمساعدات، وذلك نتيجة تحوّل أولويات المجتمع الدولي نحو أزمات وصراعات عالمية أخرى.
ولم تعد أزمة اللاجئين في الأردن، تُختزل فقط بمسألة الحماية أو توفير الاحتياجات الطارئة، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة استنزاف اقتصادي طويلة الأمد، تتقاطع فيها تحديات الفقر والديون والتعليم والعمل والصحة، مع تراجع شبكات الدعم الإنساني.
وفي ظل هذا الواقع، بات قرار العودة لدى اللاجئين السوريين إلى بلادهم، يُطرح بصورة متزايدة وسط كثير من الأسر اللاجئة، ليس نتيجة تحسن شامل في ظروف سورية، بل بفعل التدهور المتواصل في ظروف العيش داخل بلد اللجوء، وغياب أي أفق اقتصادي أو استقرار معيشـي مستدام.
تمويل برامج إغاثية
وبحسب وزير تطوير القطاع العام الأسبق د. ماهر المدادحة ـ لم يعد ملف اللاجئين يحظى بالاهتمام الدولي الذي كان عليه في السنوات الأولى للأزمة السورية، مشيراً إلى أن هذا الملف تراجع بوضوح على سلم أولويات المجتمع الدولي، في ظل التحولات السياسية والصراعات العالمية المتسارعة، لا سيما الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات المتصاعدة المرتبطة بإيران، إضافة لانشغال الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية بملفات أمنية وعسكرية واقتصادية أكثر إلحاحاً بالنسبة لها.
وأوضح المدادحة، أن الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية المعنية بشؤون اللاجئين، كانت تعتمد بصورة رئيسة في تمويل برامجها الإغاثية والإنسانية، على الداعمين الأميركي والأوروبي. لكن هذا التمويل شهد تراجعاً متواصلاً في السنوات الأخيرة، نتيجة تغير أولويات الدول المانحة، وتوجيه جزء كبير من مواردها نحو أزمات وصراعات أخرى حول العالم.
وأضاف أن هذا التراجع، لم يعد يقتصر على تخفيض بعض البرامج، بل بات ينعكس بصورة مباشرة على حجم المساعدات والخدمات الأساسية المقدمة للاجئين، سواء في مجالات الدعم النقدي أو الغذائي أو الصحي أو التعليمي.
وأشار المدادحة، إلى أن انعكاسات هذا التراجع، تظهر بوضوح على أوضاع اللاجئين السوريين في الأردن، الذين يواجهون اليوم ضغوطاً معيشية واقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتقلص فرص العمل والدعم الإنساني.
ولفت إلى أن الأردن، برغم استمراره في تحمل أعباء استضافة اللاجئين منذ سنوات طويلة، يواجه بدوره تحديات اقتصادية وضغوطاً مالية، تحدّ من قدرته على الاستمرار بتقديم مستويات الدعم ذاتها، خصوصاً في ظل محدودية الموارد وارتفاع كلف الخدمات والبنية التحتية.
وبيّن المدادحة، أن تراجع التمويل الإنساني انعكس على نحو مباشر على حياة اللاجئين اليومية، بحيث بات كثيرا منهم غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، أو الاستمرار في تحمل كلف السكن والتعليم والرعاية الصحية، ما جعل قرار العودة إلى سورية أكثر إلحاحاً بالنسبة لشريحة واسعة منهم، حتى وإن كانت ظروف العودة ما تزال غير مستقرة على نحو كامل.
وأضاف أن كثيراً من الأسر، أصبحت تشعر بأنها "مجبَرة" على التفكير بالعودة، تحت ضغط الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية، وليس بالضرورة نتيجة تحسن شامل في الأوضاع داخل سورية.
أعباء اقتصادية وأمنية
من جهته، أشار الخبير زيان زوانة، إلى أن التمويل الدولي المخصص لدعم اللاجئين يشهد تراجعاً تدريجياً منذ سنوات، إلا أن التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة عمّقت هذا التراجع بشكل أكبر، موضحاً بأن الحرب في أوكرانيا وما رافقها من أعباء اقتصادية وأمنية على الدول الأوروبية، إلى جانب التوترات المتصلة بإيران، ألقت بظلالها الثقيلة على أولويات التمويل لدى الولايات المتحدة وأوروبا، باعتبارهما من أبرز الجهات المانحة والداعمة لبرامج اللاجئين حول العالم.
وأوضح زوانة، بأن هذا التحول في أولويات المانحين، انعكس بصورة مباشرة على حجم المساعدات الموجهة للاجئين السوريين في الأردن ودول الجوار، ما أدى إلى تقليص برامج الدعم الإنساني وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين، خصوصاً في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل.
ودعا زوانة، إلى ضرورة تكثيف جهود الأردن والمجتمع الدولي، لوضع استراتيجيات أكثر استدامة للتعامل مع ملف اللجوء في ظل هذه الظروف المتغيرة، مشدداً على أهمية البحث عن حلول طويلة الأمد، تقلل من أثر تراجع التمويل على اللاجئين والدول المستضيفة في آن واحد.
وأكد أن تقليص الدعم الإنساني، وخصوصاً الموجه إلى اللاجئين السوريين، بات يشكل عاملاً إضافياً يدفعهم نحو اتخاذ قرار العودة إلى بلادهم، بخاصة مع التدهور المتواصل في أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية داخل دول اللجوء.
ولفت زوانة، إلى أن كثيراً من الأسر باتت تنظر إلى العودة، برغم تعقيداتها، باعتبارها خياراً أقل صعوبة من الاستمرار في مواجهة الفقر والديون وانعدام الاستقرار الاقتصادي.
ارتفاع كلف المعيشة
يأتي هذا في وقت كان فيه التقييم السنوي لبرنامج المساعدات النقدية للاحتياجات الأساسية التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن لعام 2025، قد كشف عن صورة إنسانية واقتصادية شديدة الهشاشة يعيشها اللاجئون، في ظل تقلص التمويل واستمرار ارتفاع كلف المعيشة، برغم استمرار البرنامج بتقديم دعم مالي بلغ 37.6 مليون دولار العام الماضي.
وأظهر التقييم أن المساعدات النقدية، على أهميتها، لم تعد كافية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، إذ أفاد 98 % من المستفيدين منهم، بعدم قدرتهم على تغطية احتياجاتهم الأساسية على نحو كامل، بينما أكد 6 % فقط أنهم قادرون على تلبية أكثر من نصف تلك الاحتياجات، في مؤشر يعكس اتساع فجوة العجز المعيشي لدى الأسر اللاجئة في الأردن.
وأبرزت النتائج أن الأمن الغذائي، ما يزال في صدارة التحديات، مع اعتماد واسع على الديون واستراتيجيات التكيف القاسية. فنحو 80 % من اللاجئين أبلغوا عن تراكم ديون جديدة عليهم في الشهر الذي سبق عملية المسح، أكان بسبب تأمين الغذاء أو تامين الاحتياجات الأساسية الأخرى، فيما اضطر أكثر من 70% من اللاجئين السوريين في المجتمعات المضيفة و80 % من سكان المخيمات، إلى شراء الطعام بالدين.
كما كشف التقييم، عن تنامي الضغوط المالية المرتبطة بالصحة والتعليم، إذ أشار 45% من المستفيدين إلى صعوبات في تغطية تكاليف العلاج والأدوية، بينما أفاد قرابة ربع الأسر بعدم القدرة على دفع النفقات التعليمية، ما انعكس مباشرة على الأطفال، مع تسجيل 29 % من الأسر سحب طفل واحد على الأقل من المدرسة، وارتفاع النسبة إلى 40 % بين الأسر السورية في المجتمعات المضيفة.
وأشار التقييم، إلى أن تراجع القدرة الاقتصادية للاجئين، دفع كثيراً من الأسر إلى تبني آليات بقاء أكثر خطورة، بينها عمالة الأطفال والعمل في وظائف مرتفعة المخاطر. فقد ارتفعت نسبة الأسر التي أبلغت عن وجود عمالة أطفال دون سن الـ16 عاماً من %4 إلى 7 %، مقارنة بالتقييمات السابقة، فيما وصلت النسبة إلى 13 % بين الأسر السورية في المجتمعات المضيفة.
كذلك، أفاد 9 % من الأسر السورية و11 % من أسر اللاجئين من جنسيات أخرى، بقبولهم أعمالاً عالية الخطورة لتأمين الدخل. وبرغم أن 96 % من الأسر تمتلك مصادر دخل إضافية، إلا أن هذه المداخيل، تبدو غير مستقرة وغير كافية، خصوصاً مع استمرار اعتماد أكثر من ثلاثة أرباع الأسر على الاقتراض كوسيلة أساسية للتكيف مع الضائقة الاقتصادية.
وفي مقابل هذا التدهور المعيشي، أظهر التقييم أن المساعدات النقدية ما تزال تمثل شرياناً أساسياً لبقاء اللاجئين، حيث أكد 9 من كل 10 مستفيدين، أن الدعم النقدي ساهم إيجابياً بتحسين رفاههم وتخفيف الضغوط المالية.
كما أبدى 97 % من المستفيدين رضاهم عن آلية تقديم المساعدات، برغم استمرار بعض المشكلات التقنية المرتبطة بالسحب عبر أجهزة الصراف، وتقنية التعرف على قزحية العين. لكن التقرير يخلص في الوقت ذاته إلى أن قيمة المساعدات الحالية التي تتراوح في المجتمعات المضيفة بين 80 و155 ديناراً بحسب حجم الأسرة، لم تعد قادرة وحدها على مواجهة التدهور الاقتصادي المتزايد، ما يضع اللاجئين أمام معادلة صعبة بين محدودية الدعم واتساع الاحتياجات الأساسية يوماً بعد يوم.