الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت كاغان* – (ذا أتلانتيك) 23/8/2026
قامت إستراتيجية العقوبات التي خدمت، على مدى عقود، في عزل إيران على التعاون الدولي. وستجد الدول التي تعتمد على الوصول إلى المضيق -اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال- نفسها مضطرة إلى الاختيار بين ضمان الوصول إلى مصدر موثوق للطاقة والمشاركة في العقوبات التي تدعمها الولايات المتحدة.
على مدى سنوات طويلة، واجهت إيران ميزان قوى مختل في الشرق الأوسط يميل دائمًا ضدها. كانت المنطقة خاضعة لهيمنة قوة عظمى أميركية معادية، وإسرائيل مسلحة نوويًا ومتفوقة عليها عسكريًا -إلى جانب قوى إقليمية مؤثرة -مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة- مرتبطة استراتيجيًا واقتصاديًا بالولايات المتحدة.
واليوم، تجد إيران نفسها في ظروف مختلفة تمامًا. فقد خاضت مواجهة مباشرة مع القوة العظمى ومع إسرائيل، وتحملت وابلًا من ضرباتهما بأحدث ما لديهما من أسلحة، وخرجت من كل ذلك وقد تجاوزت المحنة إلى حد يفوق مجرد البقاء. ونتيجة لذلك، أعادت إيران، بمساعدة أميركية، تشكيل هيكل القوة في الشرق الأوسط والخليج الفارسي بصورة كاملة. وستكون إيران هي القوة المهيمنة في المنطقة من الآن فصاعدًا، وليس الولايات المتحدة ولا إسرائيل. وقد بدأت الدول المجاورة مسبقًا في تكييف سياساتها مع هذا الواقع الجديد، وستفعل القوى الأبعد الشيء نفسه. على مدى سنوات كان العالم يتعامل مع إيران مكبَّلة اليدين. والآن سيكتشف العالم كيف تبدو إيران وقد أُطلقت من عقالها.
إيران لا تحتاج إلى اتفاق
مع الولايات المتحدة
ثبت خطأ الافتراض الشائع بأن إيران الضعيفة والفقيرة ستضطر في نهاية المطاف إلى تقديم نوع من التوافق مع القوة الأميركية، وفتح مضيق هرمز، ثم الشروع في معالجة اقتصادها الذي أصيب بأضرار بالغة. وفي الحقيقة، نادرًا ما بدت الجمهورية الإسلامية أضعف أو أكثر انكشافًا أمام الخطر مما بدت عليه خلال العامين الماضيين.
في شباط (فبراير) الماضي، جدد الرئيس ترامب حملته لممارسة "الضغط الأقصى" من خلال العقوبات الدولية التي ألحقت أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الإيراني الضعيف مسبقًا، وحرمت الدولة من مليارات الدولارات من الإيرادات. ثم شنت إسرائيل والولايات المتحدة في حزيران (يونيو) حرب الاثني عشر يومًا لتدمير المنشآت النووية الإيرانية. وألحقت الحرب أضرارًا كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، وكشفت في الوقت نفسه مدى انكشاف البلد أمام الضربات الإسرائيلية والأميركية.
ثم، في شباط (فبراير)، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الأخيرة التي بدأت بقتل المرشد الأعلى للنظام والغالبية العظمى من كبار مسؤوليه، وأعقبن ذلك أكثر من خمسة أسابيع من الهجمات المتواصلة على القدرات العسكرية الإيرانية.
مع ذلك كله، صمد النظام في طهران ولم يقدم أي تنازلات. وعلى العكس من ذلك، كشفت إيران كعب أخيل الأميركي: هشاشة جيران إيران. وحدث تحول كبير في منتصف آذار (مارس)، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز جنوب فارس الإيراني، لتردّ إيران باستهداف مجمع "رأس لفان" القطري -أكبر منشأة في العالم للغاز الطبيعي المسال. وقد أظهر الهجوم أنه على الرغم من عجز إيران الواضح عن هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تظل قادرة على إلحاق أضرار بالبنية التحتية النفطية والغازية في الخليج، تكفي لإغراق العالم في أزمة اقتصادية طويلة الأمد. وقد أدركت دول الخليج ذلك فورًا -وكذلك فعل ترامب الذي أوقف الهجمات على أهداف الطاقة الإيرانية، وأمر إسرائيل المترددة بأن تفعل الشيء نفسه، ثم سرعان ما أوقف الحملة الأوسع من دون أن يتمكن من انتزاع حتى تنازل إيراني واحد. ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من كثرة التهديدات، لم يأمر ترامب حتى مرة واحدة بشن هجوم آخر على البنية التحتية الإيرانية للطاقة.
كان هذا وحده كافيًا لتغيير ميزان النفوذ بين إيران والولايات المتحدة. وكان ترامب قد هدد مرارًا، منذ نيسان (أبريل) وحتى الشهر الماضي، بشن هجوم ضخم آخر على إيران. وفي كل مرة كانت إيران تهدد بالرد، وتحذر دول الجوار من العواقب، ولا يلبث ترامب حتى يتراجع. وبعد ثالث -أو رابع- خدعة، أصبح لدى طهران ما يدعوها إلى استنتاج أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لمجاراة إيران في سلم التصعيد حتى نهايته. وقد أوضح ترامب ذلك بنفسه عندما أشار في منتصف حزيران (يونيو) إلى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى "كارثة اقتصادية"، وربما حتى إلى "كساد"، مضيفًا أنه لا يريد أن يصبح الرئيس هربرت هوفر.(1) ومنذ ذلك الحين، يحاول ترامب، وقد بدا عليه قدر ملحوظ من اليأس، وضع حد للصراع.
عكست "مذكرة التفاهم" التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في حزيران (يونيو) هذه الحقيقة. وعلى الرغم من أنها صيغت بحيث تحفظ ماء وجه الولايات المتحدة إلى أقصى حد ممكن، فإن المذكرة كانت انتصارًا إيرانيًا واضحًا. فقد نصت على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي التي تتولى، دون سواها من الدول، "وضع الترتيبات" اللازمة لضمان "المرور الآمن للسفن التجارية" عبر مضيق هرمز. ومن خلال حوار تجريه مع سلطنة عُمان، ومن دون وسطاء أو مشاركين آخرين، ستحدد إيران آلية إدارة المضيق "بما يتوافق مع القانون الدولي الساري والحقوق السيادية للدول المشاطئة".
لم تدعُ "مذكرة التفاهم" إلى العودة إلى الوضع القائم الذي كان سائدًا قبل الحرب، كما أنها لم تمنح الولايات المتحدة أي دور في تحديد كيفية إدارة المضيق مستقبلًا. وبدلًا من ذلك، نصّت على أن تكون إيران هي الجهة الوحيدة التي تتولى -إلى جانب سلطنة عُمان الضعيفة مقارنة- لعب هذا الدور. بل إنها سمحت لإيران بفرض رسوم على الدول مقابل المرور الآمن بعد انقضاء 60 يومًا. وهكذا، جاءت "مذكرة التفاهم" لتكرّس الهزيمة التي مُنيت بها الولايات المتحدة في آذار (مارس)، عندما أدرك ترامب، على ما يبدو، إما أنه غير قادر على مواصلة استهداف منشآت الطاقة في المنطقة، أو غير مستعد لتحمل المخاطر التي ينطوي عليها ذلك.
بالنظر إلى الأحداث من منظور اليوم، يبدو أن القادة الإيرانيين لم يكونوا مقتنعين بأنهم في حاجة إلى مذكرة التفاهم من الأساس. وأفادت تقارير بأن المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، احتاج إلى إقناع من الرئيس مسعود بزشكيان حتى يقبل التوقيع عليها. وكان فتور طهران النسبي مفهومًا؛ فقد عكست التنازلات الأميركية درجة من اليأس لإنهاء الحرب جعلت الإيرانيين يتوقعون أن تتراجع الولايات المتحدة في نهاية المطاف، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا.
ولم يتردد القادة الإيرانيون بالتأكيد في نسف وقف إطلاق النار بعد وقت قصير جدًا، عندما بدأت البحرية الأميركية بمرافقة ناقلات النفط عبر الجانب العُماني من المضيق. وربما كان ترامب قد أدرك -أو أنه لم يدرك- المدى الكامل للتنازلات التي قدمها مفاوضوه بشأن السيطرة على المضيق. لكن المسار العُماني كان، من وجهة النظر الإيرانية، محاولة لاستعادة ما سبق أن تخلت عنه الولايات المتحدة. وقد انخرطت الولايات المتحدة وإيران، لفترة من الوقت، في توجيه ضربات متبادلة بلغت ذروتها في هجمات أميركية مكثفة شُنت في منتصف تموز (يوليو). وعندما لم تُحدث هذه الهجمات أي أثر يُذكر، حذّر ترامب في 15 تموز (يوليو) من أن الولايات المتحدة "ستقضي على جميع محطات الطاقة لديهم" و"جميع جسورهم" -ما لم تدخل إيران في مفاوضات. ومرة أخرى، لم يتبع التهديدَ أيُّ هجوم.
سرعان ما عرف العالم -ومعه الإيرانيون- أحد الأسباب الرئيسية لذلك: كشفت معلومات أن المخزونات الأميركية من الذخائر الأساسية انخفضت إلى مستويات خطيرة، وأن رئيس هيئة الأركان المشتركة نفسه كان يبحث عن "مخرج من التصعيد" وطريقة للهبوط عن الشجرة؛ وهو ما شكل إشارة واضحة إلى المسار الذي ستتخذه الإستراتيجية الأميركية مستقبلًا. كان شن هجوم واسع على إيران سيهدد المصالح الأميركية في أماكن أخرى من خلال إضعاف الولايات المتحدة في حال تحرُّك محتمل للصين ضد تايوان، أو في حال شنّت روسيا هجومًا واسعًا على إحدى الدول الأعضاء في "حلف شمال الأطلسي".
أدى النقص في مخزون الصواريخ إلى زيادة المخاطر المرتبطة بشن هجوم واسع النطاق على البنية التحتية الإيرانية. وفي تلك الحالة، كانت الولايات المتحدة ستُضطر إلى إرسال مزيد من الطائرات المأهولة إلى داخل نطاق عمل الدفاعات الجوية الإيرانية، في حين لن يكون لديها سوى عدد محدود نسبيًا من الصواريخ الاعتراضية المتاحة لحماية دول الخليج والقواعد الأميركية في الإقليم. وسيكون خطر سقوط قتلى وجرحى أميركيين مرتفعًا، كما سيكون الخطر المحدق بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة كبيرًا أيضًا. وليس هناك ما يضمن أن يكون مثل هذا الهجوم المقترح على إيران أكثر فاعلية من أسابيع القصف الخمسة -أو ما يزيد قليلًا عن ذلك- التي شهدها وقت سابق من هذا العام.
أوضحت التحركات الأميركية أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر مما تخشاه إيران -وليس في الوقت الراهن فحسب، وإنما في المستقبل أيضًا. ويفرض هذا الموقف قيودًا على ما تستطيع الولايات المتحدة فعله -حتى في المستويات المنخفضة من الصراع. سوف ينطوي أي عمل عسكري ضد إيران على خطر الدخول في سُلّم تصعيد لا ترغب الولايات المتحدة في صعوده، حتى أن الضربات المتبادلة بالمثل لم تعد كما يبدو جزءًا من الإستراتيجية الأميركية. وبحسب ما أُفيد، أبلغ الرئيس ترامب مستشاريه بأنه لا يريد إصدار أوامر بشن مزيد من الضربات. وقد استهدفت إيران عدة سفن إماراتية خلال آب (أغسطس)، بل وأطلقت صواريخ باليستية على البلد- لكن الولايات المتحدة لم ترد منذ تموز (يوليو) -وهي حقيقة لا شك أن الإمارات وجيران إيران الآخرين قد لاحظوها.
في ظل التردد الأميركي الواضح بشأن خوض جولة عسكرية كبرى أخرى، أصبحت لدى إيران أسباب تدعوها إلى التساؤل عما يمكن أن تحصل عليه من اتفاق ولن تحصل عليه في جميع الأحوال من دون خوض تلك الجولة. والآن، يدعو كبار المسؤولين الإيرانيين إلى انسحاب القوات الأميركية، ورفع الحصار البحري الأميركي وجميع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الحرب. وثمة انطباع سائد بأن قادة إيران يدركون أن هذه المطالب لن تجد آذانًا صاغية في واشنطن، وأنهم لذلك إما يتعمدون إذلال ترامب وإجباره على تجرّع طعم الهزيمة، أو يسعون إلى انتزاع اتفاق أفضل، أو يبالغون في تقدير أوراق القوة التي يمتلكونها. وما يزال كثير من المراقبين يفترضون أن السيطرة على المضيق هي ورقة تفاوضية تستخدمها إيران للضغط من أجل انتزاع مزيد من التنازلات من الولايات المتحدة، أو لإعادة ترامب إلى "مذكرة التفاهم". لكننا في الحقيقة تجاوزنا كل ذلك منذ وقت طويل. لا يحتاج المنتصر العودة إلى طاولة المفاوضات إلا لكي يحدد شروط الاستسلام.
وقد حددت إيران الشروط. ربما تبدو شروطًا قصوى ومفرطة، لكنّ طهران لا تكاد ترى سببًا يدعوها إلى المطالبة بأقل منها. وقد أوضحت إيران منذ أشهر أن السيطرة على المضيق ليست موضوعًا للتفاوض. وليست الفكرة التي تكرر إدارة ترامب ووسائل الإعلام طرحها عن كون الإيرانيين عاجزين عن حسم مواقفهم وأنهم يواصلون تغييرها، سوى هراء محض. منذ نيسان (أبريل) على أقل تقدير، أعلن مجتبى خامنئي أن إيران ستطبق "أطرًا قانونية وإدارية جديدة" لإدارة المضيق، وأن "الأجانب الذين يأتون من على بُعد آلاف الكيلومترات" لا مكان لهم في الخليج "إلا في قاع مياهه". وفي يوم إحياء ذكرى هزيمة إيران للبرتغاليين في المضيق في العام 1622، أعلن المرشد أنه "بمشيئة الله وقدرته، سيكون المستقبل المشرق لمنطقة الخليج الفارسي واحدًا من دون أميركا".
بعد أن نجت من الضربات العسكرية والعقوبات معًا، لا يعدو الاعتقاد بأن إيران ستستسلم الآن بسبب العقوبات وحدها كونه وهمًا صرفًا. فقد أعاد مجتبى هيكلة قيادة الأمن القومي الإيراني، ووضع مجموعة من قدامى "الحرس الثوري الإسلامي" في مناصب عليا. والآن، يتولى القائد السابق للحرس الثوري، محسن رضائي، رئاسة "المجلس الأعلى للأمن القومي"، بينما تم تصعيد مسؤولين أمنيين آخرين من غلاة المتشددين إلى مواقع عليا. والنظام الذي يخرج من الحرب يعيد تنظيمه الآن رجال يؤمنون بأن إيران نجت من محاولة أميركية-إسرائيلية لتدميرها، وأن التحدي والمواجهة -وليس التسوية- هما اللذان أفضيا إلى النصر.
لكن الأمر لا يتعلق بمجرد نشوة الانتصار. بالنسبة لإيران، ليست السيطرة على المضيق ترفًا ولا ورقة تفاوضية. وفي ضوء احتمال أن تشن إسرائيل أو الولايات المتحدة هجومًا جديدًا في مرحلة ما من المستقبل، سواء أُبرمت صفقة أم لم تُبرم، يوفر المضيق لإيران أقوى وسائل الردع وأكثرها ضمانًا. كما أنه بمثابة المفتاح لفك كثير من القيود التي فرضها نظام عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة على إيران على مدى عقود، ولتفكيك نظام اقتصادي إقليمي وعالمي صُمم لاستبعاد إيران وإفقارها. وقد يرى بعض الذين يُسمَّون بالمعتدلين داخل المؤسسة الإيرانية أن المضيق مجرد ورقة تفاوضية، لكنهم لا يكسبون هذا الجدل -ولأسباب ليس من الصعب فهمها. وقد عبّر متحدث باسم "الحرس الثوري" بوضوح عن رؤية النظام، حين قال: "بالنسبة لنا، ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي اقتصادي. إنه عنصر أساسي من عناصر قوتنا الجيوسياسية والإستراتيجية".
تعمل إيران منذ أشهر على إرساء آليات السيطرة، وإبلاغ ملاك السفن والدول بكيفية عمل هذا النظام. وقد أنشأت "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، وطالبت شركات الشحن بالتسجيل لديها، والحصول على تصاريح، واتباع المسارات التي تحددها إيران، ودفع تكاليف التأمين والحماية الأمنية التي توفرها إيران.
ولم تكتفِ إيران بمجرد المطالبة بحقها في تحصيل الأموال. إنها تطالب أيضًا بحقها في تحديد من يُسمح له بالعبور من المضيق. وقد اقترحت استبعاد السفن المرتبطة بحكومات تعتبرها معادية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، وطالبت الدول التي شاركت في الهجمات عليها بدفع تعويضات. وبذلك تُرسخ إيران مبدأً ينص على أن المرور عبر المضيق سيصبح من الآن فصاعدًا امتيازًا تستطيع طهران منحه أو تقييده أو تأخيره أو حجبه. وقد بدأت دول أخرى مسبقًا في التكيف مع هذا الترتيب الجديد، فسعت الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين ودول أخرى إلى التوصل إلى تفاهمات معه.
تشكل سيطرة إيران على مضيق هرمز أداة نفوذ أكثر فاعلية حتى من امتلاك سلاح نووي. ربما يردع السلاح النووي هجومًا ما، لكنّ السيطرة على المضيق توفر لإيران نفوذًا يوميًا على عشرات الدول. ومن خلاله تستطيع إيران مكافأة أصدقائها، ومعاقبة خصومها، وانتزاع الإيرادات، وإجبار الأطراف على تخفيف العقوبات، ودفع الحكومات إلى التفكير مليًا قبل معارضة السياسات الإيرانية. ويمكنها أن تفعل كل ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة، مع احتفاظها في الوقت نفسه بالقدرة على التهديد باستخدام القوة عندما تقتضي الضرورة.
قامت إستراتيجية العقوبات التي خدمت، على مدى عقود، في عزل إيران على التعاون الدولي. وستجد الدول التي تعتمد على الوصول إلى المضيق -اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال- نفسها مضطرة إلى الاختيار بين ضمان الوصول إلى مصدر موثوق للطاقة والمشاركة في العقوبات التي تدعمها الولايات المتحدة. فهل ستختار التضامن مع واشنطن -هذه الواشنطن- على حساب مصالحها الاقتصادية؟ في النظام الجديد الذي تعمل إيران على إنشائه، من المرجح أن يصبح من المتعذر استمرار نظام عالمي للعقوبات.
من المرجح أن تحافظ إيران على سيطرتها على تدفقات الطاقة لمدة عامين على الأقل. وتشير أكثر التقديرات تفاؤلًا إلى أن إنشاء خطوط أنابيب ومسارات تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة. ولكن يبقى السؤال: هل ستتحقق هذه المشاريع في المقام الأول؟ سوف تكون الأنابيب والموانئ ومنشآت الطاقة الجديدة بدورها عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بالقدر نفسه الذي كانت عليه المنشآت القديمة. وهل ستقف إيران مكتوفة الأيدي بينما تبني الدول المجاورة وسائل تُمكّنها من الإفلات من سيطرتها؟ سوف تتردد الدول الصغيرة التي يتعين عليها إنشاء هذه المسارات وحمايتها في إثارة غضب إيران، وقد أثبتت الحماية الأميركية عدم كفايتها. وتحاول إيران مُسبقًا إثناء العراق عن تطوير ممرات بديلة لتصدير النفط -جزئيًا من خلال عرض تأمين مرور آمن لناقلات النفط العراقية وفق الشروط الإيرانية.
وقد بدأ التكيف الإقليمي بالفعل. أصبح على حكام الخليج الذين كانوا يعوّلون ذات يوم على ضمانة أمنية أميركية أن يتوصلوا الآن إلى تفاهم مع القوة التي أثبتت قدرتها على هزيمة الدولة التي كانت تتولى حمايتهم. ويشير رفض السعودية لـ"اتفاقات أبراهام" المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل واختيارها بدلًا منها اتفاقًا استراتيجيًا مع باكستان وتركيا إلى ملامح المستقبل. فقد مثّلت "اتفاقات أبراهام" ترسيخًا للقوة والنفوذ الإسرائيليين في المنطقة، ومزيدًا من احتواء إيران. لكنّ "ميثاق مكة" هو شيء مختلف تمامًا. لا تعتبر باكستان ولا تركيا إيران تهديدًا رئيسيًا؛ وترتبط باكستان، مثل إيران، بعلاقات وثيقة مع الصين؛ بينما ترى إسرائيل أن تركيا تمثل تهديدًا إقليميًا لا يفوقه سوى التهديد الإيراني. وبدلًا من نظام أميركي-إسرائيلي، سيكون أمامنا اصطفاف أقل عداءً لإيران، وأقل ودًا لإسرائيل، وأكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة. كما أن الموقعين المنخرطين في هذا الاصطفاف يشتركون في امتلاك السلاح النووي: فباكستان تمتلكه، بينما تريد تركيا والسعودية امتلاكه.
في الأثناء ستكون إيران حرة في استئناف برنامجها الخاص بالأسلحة النووية من دون خشية التعرض لهجوم كبير آخر. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بتغيير ميزان القوى الإقليمي. في العام الماضي قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية على مدى 12 يومًا من دون أن تواجه ردًا إيرانيًا جادًا. أما الآن، فقد ازدادت جرأة إيران على استخدام سيطرتها على المضيق والتهديدات الموجهة إلى الدول المجاورة وإلى بنيتها التحتية للطاقة لردع أي ضربات من هذا النوع في المستقبل المنظور. وسيستغرق تعويض مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ والصواريخ الاعتراضية وقتًا طويلًا، وقد تكون هناك حاجة إليها في مناطق أخرى من العالم خلال السنوات المقبلة. وفي الوقت نفسه، ستعيد إيران تسليح نفسها بمساعدة روسيا والصين -وهو ما قد يترك الولايات المتحدة بعد عام من الآن في وضع أسوأ مما هي عليه اليوم.
سوف تمتد الآثار إلى ما هو أبعد بكثير من الشرق الأوسط. الآن، يشاهد حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا كيف أن حربًا قصيرة نسبيًا ضد قوة من الدرجة الثانية استنزفت جزءًا كبيرًا من مخزون أميركا من الأسلحة اللازمة للدفاع الصاروخي. وهم يرون كيف أن الولايات المتحدة بدأت حربًا لم تستطع إنهاءها، وعرّضت شركاءها للانتقام، ثم توقفت عندما أصبحت التكاليف باهظة إلى حد لا يُحتمل. وقد يكون من المستحيل معرفة الاستنتاجات التي خلصت إليها بكين بشأن تايوان، أو موسكو بشأن أوروبا. لكنّ حلفاء أميركا سيطرحون حتمًا سؤالًا عمّا إذا كانت واشنطن تمتلك الأسلحة والقدرة على الصمود والإرادة السياسية اللازمة لخوض صراع كبير آخر والاستمرار فيه. وهم في الواقع يفعلون ذلك مسبقًا.
من الممكن، بطبيعة الحال، أن يسقط النظام الإيراني. فهو فاسد وقمعي وعاجز اقتصاديًا، ومكروه على نطاق واسع لدى شعبه. لكنه كان يمتلك كل نقاط الضعف هذه قبل الحرب. ولم يكن يمتلكه كان السيطرة على أهم عنق زجاجة للطاقة في العالم، واحتمال تنامي إيراداته ونفوذه، والقدرة التي أثبتها على ردع الولايات المتحدة، وهيبة انتصار بدا مستحيلًا.
إن نظامًا نجا من شيء كان معظم العالم يعتقد أنه سيدمره، ثم أجبر القوة المهيمنة في العالم على التراجع، يغلب أن يخرج من الحرب أكثر قوة -ولو لفترة من الوقت على الأقل. وعادة ما يولّد مثل هذا النجاح الثقة -وربما الثقة المفرطة بالنفس. لكنه لن يجعل قادة إيران أقل طموحًا أو أقل تمسكًا بالعقيدة التي أوصلتهم إلى هذا الانتصار الإعجازي. وقد بدأ مسؤولون إيرانيون كبار مؤخرًا يتحدثون علنًا عن تبني موقف "هجومي بالكامل"، وظهرت تقارير عن خطط إيرانية لتوسيع نطاق أهدافها بحيث تشمل دولًا أوروبية تستضيف قواعد أميركية. ومن المثير للسخرية أن نرى قصصًا في صحيفة "نيويورك تايمز" تتساءل: "من سيرمش أولًا"؟ بالنظر إلى أن الإيرانيين لم يرمشوا حتى الآن ولو مرة واحدة، في حين لم تفعل إدارة ترامب شيئًا سوى الرمش. بل إن إيران قد تعود إلى القتال لإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري. وبالنظر إلى الخوف الذي أثبتت الإدارة الأميركية أنها تكنّه للتصعيد، فإن هذا الأمل ليس بلا أساس
لقد أمضى العالم عقودًا وهو يخشى ما قد تفعله إيران إذا امتلكت سلاحًا نوويًا. وعليه الآن أن يخشى أمرًا أكثر خطورة وأبعد أثرًا: أن إيران هزمت الولايات المتحدة، ولم تعد تخشى هجومًا أميركيًا، وتتحكم في الوصول إلى الخليج الفارسي. ولم يكن حتى للأسلحة النووية وحدها أن تمنح إيران هذا النوع من القوة. لكنّ الحرب الأميركية-الإسرائيلية الفاشلة مع إيران منحتها إياه.
*روبرت كاغانRobert Kagan: مؤرخ ومحلل وكاتب أميركي بارز في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي. وهو الآن زميل أول في برنامج السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز. عمل في وزارة الخارجية الأميركية بين 1984 و1988، حيث كان ضمن فريق تخطيط السياسات وكاتب الخطابات الرئيسي لوزير الخارجية جورج شولتز، ثم نائبًا لمدير السياسات في مكتب شؤون البلدان الأميركية. يُعد من أبرز المفكرين في تيار المحافظين الجدد. وكان من مؤسسي "مشروع القرن الأميركي الجديد". من أبرز كتبه "من الفردوس والقوة" (2003)؛ و"أمة خطرة" (2006)؛ و"عودة التاريخ ونهاية الأحلام" (2008)؛ و"العالم الذي صنعته أميركا" (2012)؛ و"الغابة تنمو من جديد" (2018)؛ و"الشبح في المأدبة: أميركا وانهيار النظام العالمي 1900–1941" (2023)؛ و"التمرد: كيف تمزق اللا-ليبرالية أميركا من جديد" (2024).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran Unleashed
هامش المترجم:
(1) المقصود هو هربرت هوفر Herbert Hoover، الرئيس الأميركي الحادي والثلاثون، الذي حكم بين 1929 و1933. ارتبط اسمه تاريخيًا بــ"الكساد الكبير" الذي بدأ بانهيار سوق الأسهم عام 1929 وتفاقم خلال رئاسته، وانتهى الأمر بأن أصبح رمزًا سياسيًا للفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية.