عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Mar-2026

دير دوارة".. رواية تستعيد جريمة عالقة في ذاكرة ضابط متقاعد

 الغد-عزيزة علي

 صدرت عن دار أزمنة للنشر والتوزيع رواية "دير دوارة"، للكاتب إيهاب زهير توفيق الخليلي، وهو عمل سردي يتوزع على اثنين وخمسين فصلًا، وينسج حكاية ضابطٍ أمضى أكثر من ثلاثين عامًا في جهاز الأمن العام، متنقلًا بين مسارح الجرائم، حاملاً في ذاكرته ما لا يُحصى من الوجوه والصرخات والدماء.
 
 
تنطلق أحداث الرواية من جريمةٍ غامضة في منزلٍ قديم بأحد أحياء عمان، حيث يقود تسجيل صوتي عُثر عليه في مسرح الجريمة إلى كشف حوارٍ أخير بين الضحيتين، ليصبح ذلك التسجيل محور السرد، ونافذةً على أسئلة أعمق تتعلق بالحب والكراهية، والندم، والهشاشة الإنسانية.
وعلى امتداد فصولها، لا تكتفي الرواية بتتبع خيوط الواقعة، بل تغوص في الأثر النفسي الذي تتركه المهنة في روح صاحبها، وفي محاولة متأخرة للتطهر عبر الكتابة وكسر حاجز الصمت.
يروي الضابط - بصوتٍ مثقلٍ بالتجربة - أنه خلال سنوات خدمته رأى من الجثث والدموع وخراب البيوت، ما يفوق طاقة القلب على الاحتمال والعد. غير أنّ جريمةً واحدة فقط ظلت عالقة في روحه، تعاوده كلما حاول أن يطوي صفحتها. يطردها من مخيلته فتعود، أكثر إلحاحًا ووحشة، حتى خيل إليه أنها لم تعد ذكرى عابرة، بل سكنت داخله إلى الأبد.
كانت الجريمة في منزلٍ قديم بأحد أحياء عمان الفقيرة. وصل البلاغ عن رائحةٍ غريبة تنبعث من الداخل. وحين دلفوا إلى البيت، كان الصمت كثيفًا، كأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه. على الأرض، تمددت امرأة مسنة في الثمانين من عمرها، وجهها غارق في الدم، وجمجمتها مهشمة بعنفٍ يوحي بضربةٍ ثقيلةٍ لا تعرف الرحمة. وفي الجهة المقابلة، جلس شاب في الثلاثين من عمره إلى طاولة المطبخ، وأمامه جهاز تسجيلٍ صوتي وزجاجة فارغة من مبيدٍ حشري.
لم تكن هناك آثار اقتحام. لا باب مخلوع، ولا نافذة مكسورة. كلّ شيء بدا عاديًا على نحوٍ مُريب؛ أثاثٌ بسيط، وأغراضٌ موضوعة في أماكنها، كما لو أن الحياة كانت تسير في هدوءٍ رتيب حتى لحظتها الأخيرة.
لكن ما أربك الضابط، وظل يطارده بعد أعوامٍ طويلة، لم يكن مشهد الجثتين وحده.. بل ذلك الجهاز الصغير الصامت، الراقد فوق الطاولة، كأنه ينتظر من يضغط زر الاعتراف.
شغلتُ جهاز التسجيل. لحظةٌ قصيرة فصلت بيني وبين المجهول، ثم انساب الصوت في الغرفة كهمسٍ خارجٍ من قبر. لم يكن صراخًا، ولا استغاثةً مذعورة.. بل حوارٌ هادئ بين الجثتين. بين امرأةٍ لفظت أنفاسها، وشابٍ جلس إلى الطاولة كأنه ينتظر حكمًا يعرف أنه آتٍ لا محالة.
أغلقتُ المسجّل، لكن الصوت لم ينطفئ. شرد تفكيري بعيدًا، إلى أماكن بلا حدود. طوال خدمتي التقيت بالمختلين، بالمرضى، بالضحايا والجلادين. رأيتُ كيف يتحول الحب إلى غيرة، والغيرة إلى كراهية، ثم إلى طعنةٍ عمياء، أو رصاصةٍ طائشة، أو قتلٍ متعمد لا يرف له جفن. لكن ما سمعته على ذلك الشريط كان شيئًا آخر.. كان اعترافًا بلا محكمة، وحوارًا بلا شهود، ونداءً أخيرًا لا ينتظر إجابة. لم يكن فيه عويلٌ ولا ضجيج، بل رعبٌ بارد، وقسوةٌ صامتة، أشد وطأةً من أي صراخ.
مرت الأعوام، وأحيل الضابط للتقاعد. قال الأطباء إنني أعاني اكتئابًا حادًا ونوبات قلق. نصحوني بالرياضة، بالقراءة، بتعلم هوايةٍ جديدة، كأن الهوايات قادرة على محو ذاكرةٍ تشربت الدم والصمت. شيئًا فشيئًا فقدتُ السيطرة على حياتي، وصرتُ مشكلةً عائلية تحتاج إلى حل أو تدبير. بعد أن كان يُؤخذ برأيي في كل شاردةٍ وواردة خلال سنوات الخدمة، أصبحتُ ظلًّا باهتًا لما كنتُ عليه.
في الأشهر الأولى بعد التقاعد، كنت أستيقظ فزعًا في منتصف الليل، غارقًا في العرق، أشعر كأن الدم ما يزال عالقًا بيدي. لم أُخبر أحدًا بما سمعته على شريط التسجيل، ولا بما خلفه داخلي. كان التسجيل طويلًا، تتخلله مقاطع غير واضحة، لكن بعض جمله ظلت تتردد في رأسي بلا انقطاع، كترتيلٍ مظلم لا يريد أن يُنسى.
الحقيقة أنني لم أتمكن يومًا من مغادرة ذلك المنزل. لم أغادر الجريمة، ولم يغادرني الشريط. الصوت الذي سكنه أصبح رفيقي في العزلة؛ حديثه، صمته، ضحكاته المتكسّرة، ألمه، كلماته المبتورة، ومشاعره المتضاربة.. كلّها تسكنني كما لو أنها تبحث عن مأوى. لم يكن صوت قاتلٍ متوحش، بل صوت إنسانٍ تائه، مُحطم، يتشبث بأي نقطة ارتكاز، أو ربما يبحث عن نهايةٍ تليق بانكساره.
كل ما طلبه الأطباء أن أجد ما يشغلني.. رياضة، كتابة، صيدًا، حتى الزراعة. أي شيءٍ يسرقني من رأسي ساعةً أو ساعتين. لكن لا شيء استطاع أن يُزحزح ذلك الشريط من مكانه. كان مستقرًا في داخلي كما تستقر الشظية في اللحم؛ لا تُرى، لكنها تؤلم كلما تحركت.
لذلك قررت أن أكتب. أن أبوح، وأن أكسر حاجز الصمت الذي سيّج روحي أعوامًا طويلة. أردت أن أتحرر من هذا الكابوس الذي يلازمني كظلي، لا يفارقني في يقظتي ولا في نومي. سأكتب كل ما عرفتُ وسمعت، أملاً في علاجٍ متأخر، في تخفيف وطأة الصدمة، في تطهرٍ بالكلمات، لعل البوح يعيد ترتيب الفوضى التي خلفها ذلك الصوت في داخلي.
غيرت الأسماء حفاظًا على خصوصية العائلة، لكن القصة، والأحداث، وحتى الحوار، حقيقية بقدر ما سمح به التسجيل وما كشفه مسرح الجريمة. بعض المقاطع كانت مبتورة، وبعضها غامضًا، فاستعنت بخبرتي وخيالي لسد الفجوات. ما ستقرأونه ليس روايةً بوليسية، ولا لغزًا أدبيًا يراد له الإثارة، بل محاولة متأخرة لفهم ما كتمته طويلًا، وللتصالح مع شعورٍ قديم بالذنب، وللقبض على ما تبقى من معنى وسط هذا الضياع.
تفتتح الرواية فصلها الأول بعنوان "مسجل الصوت"، حيث يستهل الراوي سرده بنبرةٍ حميميّة دافئة، فيقول: "اعتاد جسدي حضن جدّتي التي قاربت التسعين خريفًا؛ فما إن أعبر عتبة المنزل حتى أكون المُرحب به قبل أن أنطق بكلمة. تنهمر علي دعواتها ممزوجة بعتابٍ حنون، أسطوانةٌ لا أعرف - إلى يومي هذا- أين يبدأ طرفها الأول وأين ينتهي، وأين يتسلل الطرف الثاني بين طياتها.
وما إن أخطو خطوتي التالية إلى الداخل حتى تجتاحني رائحة الميرميّة المغلية، تحوم في أرجاء البيت، وتتسلل إلى كل زاويةٍ وركن، كأنها بخور الذاكرة الذي لا ينطفئ.
وكما اعتدنا كل يوم ثلاثاء، نجلس حول طاولة المطبخ، نتبادل القصص؛ بعضها ممتلئٌ بالحياة، وبعضها مجرّد فراغٍ نملؤه بالكلمات. كان إبريق الميرمية ثالثنا، يصغي بصمته، ويشاركنا دفء اللحظة".
ويمضي الراوي في استعادة تلك العلاقة التي شكلت ملاذه الأول، فيضيف: "خصصت يوم الثلاثاء لتلك الجلسة معها؛ هي التي اعتنت بي بعد موت والدي في حادث سيارةٍ مروع. أخفت عني تفاصيله، رأفةً بقلب طفلٍ لم يتجاوز الخامسة، محاولةً أن تحمي روحه الغضة من الانكسار المبكر.
كان عبء تفسير القضاء والقدر، ومعنى ما هو مكتوب، وحدود محبة الله الكبيرة.. أكبر من أن يلقى على كتفي الصغيرتين".
بهذه اللغة المشبعة بالحنين والدفء، يمهد الفصل الأوّل لرحلةٍ تتقاطع فيها الذاكرة بالألم، والصوت بالصمت، قبل أن ينكشف الدور الحقيقي لـ"مسجّل الصوت" في ما سيأتي من أحداث.