عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2026

نظرات في رواية دفقات مبعثرة لمريم المصري

 الدستور

د. عمر عتيق/ جنين – فلسطين
 
تحتفي الرواية بحزمة من التقنيات السردية التي تسهم في بنائها المعماري، وتحقق التداخل والتكامل بين شبكة عناصرها الروائية. ومن أبرز هذه التقنيات القطع الزمني بين مشاهد الرواية وفصولها، وهو قطع يستند إلى التتابع النفسي والوجداني أكثر من استناده إلى التسلسل الزمني التقليدي. وتمثل شخصية الجدة علامة سيميائية ترتبط بتقنية الاسترجاع (الفلاش باك)، إذ عمدت الكاتبة إلى تماهي الماضي بالحاضر في لوحة وجدانية نابضة، تتجلى فيها الجدة بوصفها إطارًا إنسانيًا لطفولة الساردة وحاضرها معًا. وقد عبّرت هذه الشخصية عن وخز الألم ورحيق الفرح، وغدت شاهدة على المواقف النفسية الراسخة في ذاكرة الساردة، تلك الذاكرة القادرة على التقاط أدق تفاصيل الحدث.
 
وتتكئ الساردة، في غير موضع من الرواية، على تقنية المونولوج الداخلي، بما يكشف عن أبعاد نفسية استثنائية لا تتيحها التقنيات السردية العلنية المألوفة. ويصور هذا المونولوج اعترافات مهموسة تتوزع بين المناجاة، والحلم المنشود، ونزيف الذاكرة، وتبرز هذه التقنية بوضوح في المشاهد الأكثر توترًا وإثارة.
 
وتثير الرواية قضايا إنسانية تندرج ضمن «المسكوت عنه» في الخطاب الاجتماعي، ولا سيما ما يتعلق بالفجوة الثقافية والمعاناة النفسية بين الفتاة وعائلتها. فهي تطرح، من دون حذف أو مواربة، سلطة الأب بوصفه تجسيدًا للفكر الذكوري المتسلط في المجتمع الشرقي، ذلك الفكر الذي يتخذ من الموروث الاجتماعي ذريعة للتحكم والتفرد والإقصاء والتهميش. وتبدو الساردة أنموذجًا مأزومًا يبحث عن صورة الأب الحنون، فلا يجدها إلا في شخصية رجل آخر، لتغدو هذه المعضلة أحد النبضات الأساسية في حبكة الرواية.
 
كما تثير الرواية إشكالية الأم الغائبة عاطفيًا عن ابنتها، فتجد الساردة في الجدة بديلًا وجدانيًا عن الأم، وبذلك تقدم الرواية صورة اجتماعية عميقة لفكرة البحث عن بدائل للأبوة والأمومة، بدائل تتجاوز الرابط البيولوجي إلى الرابط النفسي والعاطفي؛ فالجدة تصبح بديلًا عن الأم، والرجل المثقف صاحب دار النشر يغدو بديلًا عن الأب.
 
وترصد الرواية وهج الحنين من خلال لوحة ذاكرة المكان، المتجسدة في بيت الجدة، ذلك المكان الذي يشكل فضاءً وجدانيًا ونفسيًا لطفولة الساردة وأحلام شبابها، وبلسمًا يخفف جراح الخيبة والانكسار. إنه مكان لأغنيات الحب المكنون، وملاذ يحتمي من العواصف النفسية التي خلّفتها أسرة لم تمنح ابنتها دفء العائلة.
 
وتقدم الرواية كذلك رؤية تقوم على فلسفة الاعتماد على النفس، حين تتخلى العائلة عن مسؤولياتها تجاه ابنتها، فتبدأ رحلة البحث عن بدائل عاطفية ومادية. فتختار الساردة الجدة ملجأً لقلبها ومشاعرها، كما تختار العمل في سلك التعليم لتأمين تكاليف دراستها وتحقيق ذاتها العلمية، التي تمثل مفصلًا جوهريًا في مسارها. ولم تتخلَّ الساردة عن أحلامها رغم المعيقات الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا تبدو الرواية أنموذجًا جريئًا في تصوير التحديات التي تواجه الإنسان في رحلة البحث عن الذات وتحقيقها.