عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jul-2026

فخ الانتصار*إسماعيل الشريف

 الدستور

رُبَّ طَمَعٍ أَدْنَى إلى عَطَبٍ - علي بن أبي طالب.
 
في الرابع عشر من نيسان عام 2024، وبعد أن أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الكيان الصهيوني، وتمكن الكيان والولايات المتحدة وحلفاؤهما من اعتراض معظمها، أجرى الرئيس الأمريكي جو بايدن اتصالًا هاتفيًا بمجرم الحرب نتن ياهو، وقال له: لقد حققتم الانتصار، فخذوا انتصاركم.
 
كان بإمكان نتن ياهو، في تلك اللحظة، أن يعلن انتهاء حروبه ووقف حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها في غزة، وأن يحوّل مكسبًا عسكريًا وسياسيًا محدودًا إلى انتصار كامل. لكنه اختار مواصلة جرائمه وتوسيع نطاق الحرب وفتح جبهات متعددة، ليضع الكيان، في تقديري، أمام خسارة استراتيجية.
 
وبالمثل، كان بإمكان إيران أن تعلن أنها صمدت في مواجهة الولايات المتحدة والكيان، وأنها نجحت في استعادة جزء من أموالها، وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، والحفاظ على تماسك نظامها، وإعادة تصدير نفطها، بعد أن أثبتت قدرتها على التفاوض مع الولايات المتحدة من موقع قوة. غير أنها اختارت مسارًا مختلفًا؛ إذ استهدفت سفنًا في مضيق هرمز، ما دفع الولايات المتحدة إلى تصعيد عملياتها العسكرية داخل إيران، لتردّ طهران باستهداف دول عربية.
 
تدرك إيران أن مضيق هرمز يمثل أقوى أوراقها التفاوضية، ولذلك تسعى إلى توظيفه بأقصى طاقته الممكنة، من أجل انتزاع أكبر قدر من المكاسب في أي مفاوضات مقبلة. ولعل التطورات الجارية تكشف عن انقسام عميق داخل النظام الإيراني، تميل فيه موازين القوة لمصلحة المتشددين في الحرس الثوري. كما يبدو أن طهران تسعى، من خلال تصعيدها، إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة قبيل انتخابات الكونغرس الأمريكي المقبلة.
 
إلا أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بتحقيق ذلك؛ فهي لن تقبل بتآكل قدرتها على الردع، أو بالدخول في مفاوضات تحت وطأة الضغط الإيراني، كما لن تقبل بأن يصبح مضيق هرمز خاضعًا للهيمنة الإيرانية أو أداة دائمة لابتزازها.
 
ترتكب إيران خطأً جسيمًا باستهداف الأردن، ولا يمكن لتبريرها القائل إنها تستهدف قواعد أمريكية أن يحظى بأي قبول، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. فحتى الأصوات التي أبدت قدرًا من التأييد لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة، لم يكن موقفها نابعًا من محبة إيران أو تأييد سياساتها، بقدر ما كان تعبيرًا عن كراهية الكيان الصهيوني ورفض جرائمه. أما الآن، فمن المرجح أن تختفي حتى تلك الأصوات.
 
فالشعب الأردني يلتف حول قيادته وجيشه الباسل، وأي اعتقاد إيراني بأن هذه الضربات يمكن أن تضعف علاقة الأردن بالولايات المتحدة هو اعتقاد خاطئ وقاصر؛ إذ لن تؤدي هذه الاعتداءات إلا إلى تعميق رفض الشارع الأردني لإيران وزيادة انعدام الثقة بسياساتها ونواياها. كما يدرك الأردنيون أن إطالة أمد الحرب واتساع نطاقها يفتحان المجال أمام الصهاينة لتنفيذ أجنداتهم، واستغلال الفوضى الناجمة عنها لفرض وقائع جديدة .
 
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تختار إيران استهداف دول عربية، من بينها الأردن، بينما تتجنب استهداف البوارج الأمريكية الواقعة ضمن مدى صواريخها؟
 
لقد بات لهذه الحرب نمطاً متكرراً؛ يبدأ باشتباك وتصعيد عسكري، يعقبه تدخل الوسطاء، ثم تنتهي الجولة بالعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد تفضي المفاوضات المقبلة إلى تفاهمات تشمل إنشاء ممر بحري آمن بالقرب من المياه العُمانية، وتعليق الرسوم المفروضة على السفن، واعتماد آلية مسبقة لإخطارها، إلى جانب تقديم ضمانات تحول دون استهدافها من قِبل الحرس الثوري الإيراني.
 
وربما تكون إيران، بتصعيدها الراهن، قد وقعت في ما يُعرف بـ«فخ الانتصار»؛ إذ لم تكتفِ بالبناء على مكسبها التكتيكي المحدود، ولم تحسن استثماره سياسيًا واقتصاديًا، بل اندفعت إلى مواصلة الحرب وتوسيع نطاقها، متجاوزة الحدود التي كان يمكن عندها تحويل ذلك المكسب إلى إنجاز مستدام. غير أنها تغفل عن حقيقة أساسية، وهي أنها ليست الكيان الصهيوني، وأن العالم لن يتردد في مواجهتها إذا أصرت على إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة الدولية، خصوصًا إذا طال أمد الصراع وامتدت آثاره إلى الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.
 
فإيران ليست الطفل المدلل للغرب كما هو نتن ياهو، ولن يمنحها حلفاؤها مستوى الحماية والدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يقدمه الغرب للصهاينة. وإلى جانب هشاشة الاقتصاد الإيراني وضعفه، قد يؤدي استمرار الحرب إلى تعميق الانقسامات داخل نظام الحكم، وزيادة الضغوط الداخلية عليه، كما قد يبدد فرص إيران في بناء علاقات مستقرة وطيبة مع جيرانها مستقبلًا، وفي مقدمتهم الأردن.
 
وهكذا، فإن الانتصار المحدود لا يتحول بالضرورة إلى انتصار استراتيجي، بل قد يصبح فخًا قاتلًا عندما يعجز المنتصر عن معرفة اللحظة التي ينبغي له فيها أن يتوقف، ويصرّ على مواصلة التصعيد حتى يبدد ما حققه، ويحوّل مكاسبه المؤقتة إلى خسائر بعيدة المدى.