عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Feb-2026

انقسام النظام الدولي.. والموقف العربي*د.ابراهيم بدران

 الغد

يحتفل الأردن بعيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني بثقة ومحبة، ويعتز الأردنيون جميعاً بإنجازات الملك وتوازن سياسات الأردن في ظروف بالغة التعقيد، وخاصة على المستوى الدولي. ففي كلمته التي ألقاها في اجتماع البرلمان الأوروبي قبل 7 أشهر في مدينة ستراسبورغ قال جلالته: “فلا عجب أن نشعر بأن عالمنا قد ساده الانفلات، وكأنه قد فقد بوصلته الأخلاقية، فالقواعد تتفكك، والحقيقة تتبدل كل ساعة، والكراهية والانقسام يزدهران”. وبعد 6 أشهر وفي كلمته الجريئة في منتدى دافوس تكلم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حول ما آل إليه النظام الدولي بعد الإجراءات التي اتخذها أو يعمل على اتخاذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي غير اسم وزارة الدفاع الأميركية لتكون وزارة الحرب، في إطار إستراتيجية تم الإعلان عنها والمتمثلة في “أميركا أولا، والسلام بالقوة، وردع الصين، وزيادة العبء الدفاعي على الحلفاء والشركاء، وتحديث القوة العسكرية وفي مقدمتها القوة النووية، ومواجهة الإرهاب". 
 
 
وأشار مارك كارني إلى أن ما نشهده اليوم ليس تحولاً بل انهياراً صريحاً للنظام الدولي، فالعالم يشهد اليوم واقعية متوحشة، حيث انطلقت السياسات الجغرافية للدول الكبرى بدون أي ضوابط. ومع هذا فإن كارني لا يعبر عن حالة يأس، بل يرى بأن الدول المتوسطة القوة تستطيع أن تبني نظاماً دولياً جديداً يرتكز إلى جميع القيم الإنسانية مثل احترام حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والتضامن والسيادة وسلامة الحدود للدول. بينما أكد الملك قبل أشهر بأن هناك مجالين أساسيين للعمل الدولي، الأول هو دعم التنمية والثاني اتخاذ إجراءات حاسمة ومنسقة للوصول إلى الهدف. اطلق كارني اسماً على الدول الاعتيادية المتوسطة أنها الدول غير القوية. وهنا علينا أن نقرأ الحاضر وتاريخه بشكل صحيح وليس من منظور افتراضي، وربما في الإطار التالي:
أولاً: إن النظام الدولي الذي انطلق بعد الحرب العالمية الثانية كان أساسه توازن القوى واسلحة الردع لدى الاطراف. واهم القوى آنذاك كانت الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا من جهة، والولايات المتحدة وحلفاؤها في غرب أوروبا من جهة اخرى. وبالتالي وجدت القوى المتوازنة أن أفضل طريقة للتعامل بينها هي ما أنشأته من مؤسسات ومنظمات دولية مع إعطائها لنفسها حق الرفض لأي قرار. ومع هذا فإن توازن القوى كان يساعد على عدم التطرف في المواقف.
ثانياً:إن مناطق أو أقاليم او دول كثيرة في العالم حافظت على حالتها بل واستقلالها من خلال الانضواء تحت مظلة أي من القوتين الأكبر، أما الكتلة الشرقية أو الغربية.
ثالثاً: كان غائباً عن اعتراف السياسيين أو إدراكهم في معظم الدول النامية أن القوة التي تمتعت بها الكتلة الغربية او الكتلة الشرقية لم تكن قوة سحرية قدرية، بل كانت نتيجة للتفوق الاقتصادي في الإنتاج والتكنولوجيا والعلوم والتي غذت عائداتها تلك الجيوش الضخمة للاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.
رابعاً: بانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990 والكتلة الشرقية بكاملها أصبحت القوة العالمية حكراً على الكتلة الغربية. وفعلت هذه الكتلة خلال الخمس والثلاثين سنة الماضية ما شاءت أن تفعل في أطراف العالم دون أن تردعها القوانين الدولية او تمنعها المنظمات الدولية. وكانت دول الناتو في أوروبا شريكة للولايات المتحدة في جميع التحالفات بل والحروب التي دخلتها أميركا، ابتداء من غزو العراق وغزو افغانستان والتدخل العسكري في ليبيا وحرب البوسنة والصومال والعمليات العسكرية في سورية، وانتهاء بالتأييد المطلق للكيان الصهيوني في كل اعتداءاته واحتلاله للأراضي الفلسطينية واضطهاد الفلسطينيين واستباحة أرواحهم وممتلكاتهم ومقدساتهم.
خامساً: في هذه الأثناء وبطبيعة الحال كانت قوى جديدة تنمو وتتعاظم اقتصاديا وتكنولوجيا وعلميا وإبداعيا، وهذا أمر متوقع تماما. فالعلم والتقدم والاقتصاد ليس حكرا على أحد، وانما يؤسس له العقل والعلم والادارة. وراحت القوى الجديدة تنافس اوروبا والولايات المتحدة على الاسواق في معظم المجالات وفي بقاع كثيرة من العالم حتى وصلت إلى أوروبا وأميركا ذاتها. وفي مقدمة تلك القوى الصين وكوريا والبرازيل والهند.
سادساً: لعل ما تميّز به الرئيس دونالد ترامب أنه بعين رجل الأعمال وعقلية التاجر أدرك أن هناك منافسين جددا اختطفوا الأسواق، فصارت الصين مصنع العالم، والهند في طريقها والبرازيل وراءها، فلم يجد وسيلة للمواجهة الا الوسيلة الاستعمارية التقليدية وهي القوة والمال. ومن فرط ثقته بنفسه، لم يستبعد حلفاءه من المواجهة، فراح مرة يريد ضم كندا، ومرة شراء غرينلاند، وثالثة يفرض الرسوم على السلع الأوروبية ورابعة استرجاع السيطرة على قناة بنما وغير ذلك الكثير.
سابعاً: غيرت الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجيتها الدفاعية لتصدر “إستراتيجية جديدة تقوم على القوة وتنطلق من عقيدة أميركا أولاً وعدم التضحية بالجندي الأميركي او المال الأميركي حمايةً للآخرين، وعلى كل طرف ان يدفع ثمن حمايته اما بنفسه بالاعتماد على ذاته او يكون الثمن للولايات المتحدة اذا توجه لطلب المساعدة او الحماية”. ومرة ثانية بدأ ترامب بتطبيق مفاهيمه الجديدة على المنطقة العربية وخاصة الدول النفطية وعلى حلفائه الأعضاء في حلف الناتو في أوروبا.
ثامناً: أكد رئيس الوزراء الكندي في دافوس أن الاستقلال الإستراتيجي لم يعد خياراً بل شرطا للبقاء، وأن الدولة التي لا تتمكن من غذائها وطاقتها وأدواتها المالية وقدرتها الدفاعية، فهي لن تكون شريكاً في النظام الدولي، بل رهينة داخله. وهذا يذكرنا بتوجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بإعادة هيكلة الجيش، ودعم القدرات الصناعية والأمن الغذائي، وتعميق الاعتماد على الذات. 
تاسعاً: إن الدول المتوسطة كما يراها كارني ليست ضعيفة بالمطلق، ولكن ضعفها في تشتتها. وهذا ينطبق تماما على الحالة العربية. فالدول العربية لأنها لم تعد تعمل ككتلة متماسكة راحت تعتمد على الآخرين سواء في المال او الغذاء او السلاح او التكنولوجيا، فغدت عرضة للتدخل من اي قوة اجنبية إقليمية أو دولية دون القدرة على الردع. فهل تقرأ المنطقة العربية واقع النظام الدولي لتفهم أن القوة هي التي تصنع النظام الدولي والقوانين الدولية، سواء كانت القوة للدولة المنفردة او لمجموعة الدول التي تعمل ككتلة واحدة، رغم الاختلافات الداخلية من دولة إلى اخرى كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي مثلا.
وأخيرا،ً فإن العالم مقبل بسرعة على بناء نظام جديد عماده “التكتل الإقليمي بين الدول المتوسطة والصغيرة” لدخول النظام الدولي بقوة. وهو ما يحاول الأردن بموقفه العروبي المتين أن يدفع دول المنطقة العربية إليه، حتى تخرج من التبعية إلى الاستقلال بالمفهوم الجديد. فالقيم والقوانين بلا قوة لا وزن لها، فهي لا تدافع عن نفسها. إن الصدق في بناء الاقتصاد الصناعي التكنولوجي المتقدم يقلل من القابلية للابتزاز، وبناء القوة الداخلية وتنويع الشراكات والتحالفات المرنة مع النظراء هو شرط لحماية الاستقلال والتحرك نحو المستقبل بثقة وأمان.