عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Apr-2026

الشرق الأوسط… بين هندسة القوى وعجز الدولة
كتب المستشار محمد البرجي –
تحوّل الشرق الأوسط إلى ملعب مفتوح للتاريخ، تُرسم فيه الخرائط وتُمحى، تُقام الكيانات وتُستبدل الأنظمة، بينما تبقى الشعوب أسيرة السؤال ذاته:
هل ما يجري قدر تاريخي تفرضه أزمات الداخل، أم مشروع مُدار بخيوط تمتد من غرف القرار الكبرى إلى تفاصيل الجغرافيا؟
منذ اتفاقية سايكس بيكو، مروراً بـ “الربيع العربي”، وصولًا إلى حرب غزة، لم تتوقف عملية إعادة تشكيل المنطقة. لكن ما تغيّر اليوم أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح عقدة مركزية في تحوّل النظام الدولي، حيث تتقاطع مشاريع القوى الكبرى وتتصارع على النفوذ، لا على الحلول.
لفهم هذا المشهد، لا يكفي تتبع الوقائع، بل يجب قراءة القواعد التي تحكمها.
يقول هنري كيسنجر:
“النظام الدولي لا يقوم على العدالة، بل على توازن القوى.”
بهذا المعنى، ما يجري في المنطقة ليس استثناءً، بل تعبير مباشر عن منطق السياسة الدولية.
ويذهب زبيغنيو بريجنسكي في رقعة الشطرنج الكبرى إلى أن السيطرة العالمية تمر عبر التحكم بالمناطق الحيوية، والشرق الأوسط أحد أهمها.
أما فرانسيس فوكوياما فيؤكد أن:
“ضعف المؤسسات هو السبب الجوهري لفشل الدول، وليس فقط التدخل الخارجي.”
لكن القراءة الأعمق، والأكثر توازناً ، يقدمها المؤرخ إريك هوبزباوم، حين يصف القرن العشرين بأنه “عصر التطرفات”، حيث لم تكن التحولات الكبرى نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل معقد بين الداخل والخارج، بين الأزمات المحلية والتدخلات الدولية.
وهنا تحديداً تتضح صورة لبنان
فالنقاش حول كونه “الدور القادم” في أجندة التدخلات الدولية يعكس فهمًا مبسطًا.
القوى الكبرى لا تتحرك بمنطق التسلسل، بل بمنطق إدارة التوازنات. ولبنان، في هذا السياق، ليس جبهة حسم، بل مساحة إدارة:
لا يترك لينهار… ولا يسمح له أن يستقر بالكامل.
المشكلة إذن ليست في وجود مشاريع خارجية، بل في غياب قدرة داخلية على مواجهتها.
فحين تغيب الدولة كمؤسسة، تتحول الجغرافيا إلى ساحة، والموارد إلى أدوات صراع، والسيادة إلى مفهوم نظري.
إن ما يحدث في الشرق الأوسط ليس مؤامرة خالصة، ولا حتمية تاريخية صرفة، بل تفاعل بين هندسة القوى الكبرى، وهشاشة الداخل.
ولبنان، في قلب هذا المشهد، ليس فقط ضحية لهذه المعادلة…
بل إحد أبرز نتائجها.
ليست القضية من يرسم الخرائط،
بل من يملك القدرة على منع رسمها على حسابه.
وفي عالم تحكمه موازين القوة،
الدول التي لا تبني نفسها…
يُعاد تشكيلها.