الغد
كوبنهاغن - أكد متحدثون بالعاصمة الدانماركية كوبنهاغن أن الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 كشفت عن انهيار المنظومة الأخلاقية الغربية وازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، في حين شدد المشاركون على أن التضامن الإنساني مع الشعب الفلسطيني بات يتجاوز الحدود والجنسيات رغم صمت الحكومات.
وشهد المؤتمر، الذي عُقدته الشبكة الأوروبية الفلسطينية تحت عنوان "المتضامنون.. معًا من أجل الإنسانية"، حضور أكثر من 1000 شخص من 20 دولة أوروبية، بينهم وزراء سابقون وأعضاء برلمانيون وممثلون عن أكثر من 120 منظمة غير حكومية، في رسالة واضحة على تنامي الوعي الأوروبي بالقضية الفلسطينية وتصاعد الغضب الشعبي إزاء تواطؤ الحكومات مع الاحتلال الإسرائيلي.
ودعا المشاركون إلى فرض عقوبات فورية على إسرائيل ومحاسبة قادتها على جرائم الإبادة الجماعية، منتقدين الازدواجية الأوروبية التي لا تزال تفرض عقوبات على روسيا بسبب الحرب مع أوكرانيا، بينما لم تُفرض عقوبة واحدة على إسرائيل رغم قتلها وإصابتها أكثر من 240 ألف فلسطيني، بينهم 20 ألف طفل، حسب إحصاءات وزارة الصحة في غزة.
وشدد المتحدثون في المؤتمر على أن ما يُسمى بوقف إطلاق النار لم يُنهِ الإبادة، حيث لا يزال قصف الاحتلال يحصد أرواح العشرات يوميًا بمعدل فلسطينيَّين اثنين في الساعة، بينما يواصل الاحتلال خنق القطاع وتدمير البنية التحتية وتوسيع السيطرة على الأراضي، معتبرين أن صمت الحكومات الأوروبية وغياب الفعل الحقيقي يجعلها شريكة في الإبادة.
الإنسانية لا جنسية لها
وفي جلسات المؤتمر، سادت روح التعاطف الإنساني العميق مع معاناة الشعب الفلسطيني، حيث تحدث المشاركون عن قصص مؤلمة لأطفال ونساء ورجال فقدوا حياتهم في قصف همجي لم يستثنِ المستشفيات ولا المدارس ولا حتى سيارات الإسعاف.
وروت وسام حمادة (والدة الطفلة هند رجب التي استشهدت في غزة وهي في عمر 5 سنوات) كيف انتظرت طفلتها النجدة التي لم تصل أبدًا، بعدما قُصفت سيارة الإسعاف التي أُرسلت لإنقاذها. وقالت الأم المفجوعة "إن ما حدث لهند لم يكن مجرد قصة شخصية، بل يكشف كيف يُترك طفل ليموت أمام أعين العالم بلا مساءلة."
وأكد الطبيب النرويجي مادس غيلبرت (الذي عمل في غزة سنوات عدة) أن الإبادة الجماعية لم تتوقف، مضيفا أن الصمت والحياد وغياب التحرك من الحكومات الأوروبية يجعلها شريكة في الإبادة الجماعية.
من جهته، كشف رئيس المبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي عن أن 12 % من سكان غزة قُتلوا أو أُصيبوا، أي ما يعادل 250 ألف شخص، بينهم 20 ألف طفل، مؤكدًا أن الحرب لم تنتهِ وأن القصف الإسرائيلي أدى أول من أمس إلى مقتل أكثر من 30 فلسطينيا بينهم 7 أطفال و9 نساء.
وقال البرغوثي خلال مداخلة بالمؤتمر إن 200 ألف طن من المتفجرات الأميركية والألمانية والفرنسية أُلقيت على غزة، أي 86 كيلوغرامًا من المتفجرات لكل رجل وامرأة وطفل، وهو ما يفوق القنابل النووية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي.
القانون الدولي وازدواجية المعايير
وانتقد المشاركون بشدة ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، حيث فرضت أوروبا 11 ألف عقوبة على روسيا خلال شهرين بعد حربها على أوكرانيا، بينما لم تُفرض عقوبة واحدة على الاحتلال رغم ارتكابها إبادة جماعية في غزة، حسب قولهم.
وأكد المتحدثون أن الحكومات الأوروبية تتحدث عن حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان، لكنها تصمت حين يتعلق الأمر بفلسطين، بل إن بعضها يواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة المستخدمة في قتل الأطفال والنساء.
وقال المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه إن "الصهيونية مشروع أوروبي في الأساس، وأن أوروبا لا تزال عالقة في سردية ترفض الاعتراف بتواطئها ومسؤوليتها عن معاناة الفلسطينيين منذ وصول الصهيونية"، مشددًا على أن الصمت الأوروبي إزاء الإبادة يعكس عجز القارة عن مواجهة إرثها الاستعماري.
وأضاف بابيه أن "دعم أوروبا لاستعمار فلسطين على يد حركة يهودية جاء لأنها لم تكن تريد مواجهة عنصريتها تجاه اليهود وعنصريتها تجاه الآخرين، ولأنها أرادت توسيع غزوها الإمبريالي للشرق الأوسط".
من جهته، قال المحامي الفرنسي علاء عدس إن "القانون الدولي يُنتهك الآن عندما نتحدث عن غرينلاند وفنزويلا، لكنه قُتل أولًا في غزة"، مشيرًا إلى أن "الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) اعتبر قطع بوتين الغاز والكهرباء عن أوكرانيا جريمة حرب، بينما قال عن دولة الاحتلال إنها تمتلك حق الدفاع عن النفس رغم ارتكابها الجرائم نفسها".
وشدد خبراء القانون الدولي المشاركين في جلسات المؤتمر على أن إنكار الإبادة الجماعية ملائم للحكومات الأوروبية لأن الاعتراف بها يستتبع التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بالتحرك لوقفها ومحاسبة المسؤولين عنها، وهو ما لا تريد هذه الحكومات فعله.
وضمّ المؤتمر وزراء سابقين وأعضاء برلمانيين وأكاديميين بارزين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، ممن زار كثير منهم فلسطين وشهدوا بأنفسهم على الجرائم المرتكبة بحق شعبها، في دلالة على وزن وثقل المشاركين وجديتهم في التعامل مع القضية.
وقالت السياسية البريطانية من أصل فلسطيني ليان محمود (التي خاضت الانتخابات العامة في المملكة المتحدة عام 2024 كمستقلة واقتربت من هزيمة وزير في الحكومة) إن غزة أخرجت الناس من سباتهم وجعلتهم يدركون أن نظامهم السياسي معطّل.
وأضافت ليان أن غزة غيّرت جيلًا كاملًا نحو الأفضل، وأن الشباب اليوم لديهم قضية أكبر، وأن غزة أشعلت في داخلهم جميعًا شغفًا سيكون من الصعب إخماده.
من جهته، أكد الناشط الفلسطيني محمد شحادة أن الإعلام السائد أصبح كاريكاتوريًا بسبب إخفاء أصوات الغزيين، مشيرًا إلى أن الجميع اتجهوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على حقيقة ما يحدث في غزة.
وعلى هامش المؤتمر، عُقدت 7 ورش عمل متخصصة تناولت مواضيع قانونية وإستراتيجية ورياضية، بهدف بناء شبكة تضامن أوروبية منسقة وفعالة، تأسيس مؤسسة "محامين ضد الاحتلال" ومقرها سيكون في إسبانيا، وستضم عدة فرق متخصصة، بعضها يهتم بالانتهاكات التي تعرض لها الأطفال، وهناك من يهتم بحقوق الأسرى في سجون الاحتلال، وكذلك الانتهاكات ضد القطاع الطبي.
مبادرة "اركض من أجل فلسطين"، وهي مبادرة سبق أن شارك فيها نحو 5 آلاف مشارك بالدانمارك فقط، وهذا العام ستتبناها 4 دول أوروبية وتنظم معها عدة فعاليات وأنشطة لدعم فلسطين.
صندوق حنظلة، وفكرته تقوم على دعم المشاريع الصغيرة بحدود 1500 يورو. وهذا المشروع انطلق في الدانمارك وكان ضمن دعم 12 مشروعا مختلفا، والآن يتم العمل على تعميم الفكرة في كل أوروبا.
مبادرة سياسية شارك فيها وزراء سابقون من الدانمارك وفنلندا والأمين العام للجمعية العامة للأمم المتحدة سابقا، وبعض البرلمانيين وسياسيين من عدة دول أوروبية، بهدف تأسيس تجمع يمكنه التأثير سياسيا من أجل دعم الإنسان الفلسطيني.
كما شهد المؤتمر إطلاق كتاب "لا يستطيعون قتل النجوم" للصحفية الفلسطينية وجدان أبو شمالة التي فقدت 400 شخصا من عائلتها بسبب الإبادة الجماعية نتيجة القصف الإسرائيلي، ويوثق الكتاب قصص 17 شخصًا من غزة بين قتلى ومصابين ومفقودين.
وقالت أبو شمالة إن الكتاب ليس فقط عن القتلى، بل هو شهادة على حرب لم تنتهِ حقًا، مؤكدة أن أسماء أهل غزة يجب ألا تتلاشى في الصمت، وأن كتابة القصص كانت فعلاً من أفعال الذاكرة والمقاومة.
من جهته، قدم الصحفي الفلسطيني الزميل وائل الدحدوح شهادة مؤثرة عن معاناة الصحفيين في غزة، حيث قُتل أكثر من 275 صحفيًا منذ بدء العدوان.
وقال الدحدوح إن الصحفيين في غزة يدفعون ثمنًا مضاعفًا لما يدفعه المدني العادي، لأنهم يتعرضون للاستهداف المباشر، مؤكدًا أن السترات والخوذات المميزة للصحافة لم تحمهم بل جعلتهم أهدافًا. - (وكالات)