عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Mar-2026

ترامب يخطئ في قراءة مسار انتقال السلطة داخل إيران

 الغد

سام كيلي* - (الإندبندنت) 2026/3/7
 
 
 
يعوّل دونالد ترامب على أن يؤدي اغتيال المرشد الأعلى في إيران إلى سقوط سريع للنظام، غير أن واقع البلاد أكثر تعقيداً بكثير؛ فشبكات السلطة داخل الدولة، والحرس الثوري، إلى جانب جماعات كردية وبلوشية وقوى معارضة في المنفى، جميعها تتنافس على رسم مستقبل إيران، ما يجعل هذه الحسابات محفوفة بالوهم والمخاطر. صحيح أن غياب المرشد قد يفتح نافذة محتملة لانتقال ديمقراطي، إلا أن تعدد القوى الطامحة إلى موقع في النظام المقبل يجعل المرحلة الانتقالية مرشحة لصراعات حادة على السلطة أكثر من كونها مساراً واضحاً نحو الديمقراطية.
 
 
*   *   *
يمكن تفهم تهكم المرء على عبارة فلاديمير بوتين التي وصف فيها اغتيال إسرائيل والولايات المتحدة لآية الله علي خامنئي وعدد من كبار مساعديه بـ"القتل السفيه"، في حين أن هذا كان ما حاول فعله وفشل في تحقيقه مع رئيس أوكرانيا. وفي الحقيقة، كان غزوه لأوكرانيا كارثة دموية لروسيا لأنه لم يفهم طبيعة هذا البلد.
لا شك في أن اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الأعلى الإيراني هو عمل غير قانوني بصورة صارخة بموجب القانون الدولي، وقد يكون كارثياً بقدر ما هي كارثية حرب بوتين على أوكرانيا، لأن ترامب لا يفهم هذا البلد.
على غرار بوتين، أحاط ترامب نفسه بنساء ورجال يوافقونه الرأي. وقد أقال كل من أبدى تفكيراً مستقلاً، أولاً من أجهزة الاستخبارات، ثم من القوات المسلحة، وبعد ذلك أحاط نفسه بمتعصبي حركة "ماغا" داخل المكتب البيضاوي. كما أن إدارته شديدة التأثر بالمتطرفين المسيحيين الإنجيليين الذين دعموا بصورة عمياء الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة في مجازرها الجماعية في حق الفلسطينيين في غزة، واستيلائها على الأراضي في الضفة الغربية.
يؤدي التفكير السحري والمعتقد الأيديولوجي إلى تشويه الواقع. وقد تعلم بوتين هذا بالطريق الصعبة عندما كان افتراضه، بناء على المعلومات الاستخبارية التي تلقاها، هو أن كييف ستسقط في غضون أيام قليلة، فقيل له ما أراد سماعه، بدلاً من إخباره بأن الأوكرانيين سيقاتلون من أجل البقاء. والآن دخلت أوكرانيا عامها الخامس من الحرب وهي في موقف أقوى، وأصبح الـ"ناتو" أكبر مع انضمام فنلندا والسويد إليه، بينما تواجه روسيا عقوبات دولية وهي في وضع المنبوذ.
كان بوتين وخامنئي حليفين. وقد زودت إيران روسيا بمسيرات "شاهد" التي تؤرق الأوكرانيين كل ليلة، والتي يتم إطلاقها الآن عبر الخليج رداً على قصف إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد مقتل خامنئي بقصف إسرائيلي، زعم ترامب أنه استند إلى معلومات استخبارية أميركية، وقال الرئيس الأميركي "إنها الفرصة الأكبر للشعب الإيراني لاستعادة بلاده". وهو مُحق في ذلك. فربما أخبره الموالون له في واشنطن أن إزاحة رأس النظام، في غارة قتلت أيضاً قائد الحرس الثوري الإسلامي وكثيراً من كبار مستشاري المرشد الأعلى، ستؤذن بقيام ثورة ديمقراطية في إيران.
قد يكون ذلك صحيحاً. من الواضح أنه ليس هناك أي تعاطف مع النظام الثيوقراطي. وتكشف استطلاعات الرأي أن 40 في المائة فقط من الإيرانيين يعتبرون أنفسهم مسلمين؛ وأن 32 في المائة فقط يعتبرون أنفسهم مسلمين شيعة -وذلك وفقاً لدراسة استقصائية أجراها أكاديميون في جامعتي أوتريخت وتيلبورغ في هولندا في العام 2020، وشملت 50 ألف إيراني.
كما قُتل آلاف المتظاهرين المناهضين للحكومة على يد قوات النظام في كانون الثاني (يناير)، الذين كانوا قد انتفضوا في وجه القمع في حياتهم اليومية -ولكن أيضاً في وجه الفساد والاقتصاد المنهار في بلد تبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة ألمانيا.
من حق فريق ترامب افتراض أن الإيرانيين يريدون نهاية لحكم الملالي. وقد تحدثت الكاتبة والمذيعة البريطانية - الإيرانية راميتا نافاي عبر الهاتف مع أشخاص في أماكن عدة، بما في ذلك طهران، وضعوا هواتفهم خارج نوافذهم حتى تتمكن من سماع صيحات الفرح في الشوارع بعد إعلان مقتل خامنئي. لكن النظام لم يسقط. ويسيطر جهاز المخابرات، الذي ما يزال يديره الحرس الثوري الإيراني، على 40 في المائة من الاقتصاد الإيراني، حتى من دون زعيمه، وستقاتل هياكله بشدة للبقاء في السلطة. وفي الوقت الحالي لا توجد احتجاجات في الشوارع.
تواجه إيران قوى نافذة من الجماعات الانفصالية المسلحة. يريد شعب البلوش في الجنوب الشرقي التحرر من طهران، ولديه أسلحة وسمعة في استخدامها بشراسة. كما شكل الأكراد الإيرانيون تحالفاً يضم "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" (PDKI)؛ و"حزب الحياة الحرة لكردستان" (PJAK)؛ و"حزب الحرية لكردستان" (PAK)؛ ومنظمة "خبات" لأكراد إيران، وجزءاً من حزب "كومله" الكردستاني الإيراني، والذي يعارض طهران.
ناضلت أجيال من الأكراد الإيرانيين من أجل الاستقلال. وعانى هؤلاء قمعاً شديداً في ظل النظام الملكي قبل ثورة 1979. وبرز رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطيح به في العام 1979، بصفته شخصية محورية في التظاهرات المعارضة. وحمل كثيرون صورته خلال تظاهرات كانون الثاني (يناير) الماضي، لكنه دان بالفعل تحرك الأكراد ووصفه بأنه "انفصالي" ويقوض الوحدة الوطنية. ويشكل الأكراد والبلوش قرابة 12 في المائة من السكان، ولديهم القدرة العسكرية لدعم الجماعات الأخرى في مواجهة الحكومة المركزية، مثلما تفعل أقلية عربية صغيرة في الجنوب.
هناك أيضاً منظمة "مجاهدي خلق" التي يجب التعامل معها. وقد فرّت المنظمة التي كانت جزءاً مهماً من ثورة 1979 إلى العراق، وحاربت إلى جانب صدام حسين ضد إيران، وهي الآن منفية وتشبه جماعة مسلحة أكثر منها حركة سياسية. وهي تتخذ من ألبانيا مقراً لها، ولها مؤيدون بارزون من بينهم رودي جولياني، عمدة نيويورك السابق والمحامي الشخصي لدونالد ترامب. وأعلنت المنظمة، التي تُعرف أيضاً باسم "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، أنها شكلت "حكومة في المنفى" ووعدت الشعب الإيراني بالديمقراطية.
في الأثناء، لدى بهلوي خطة لحكم البلاد مدة ثلاثة أعوام قبل إجراء استفتاء بشأن ما إذا كان ينبغي لإيران أن تكون ملكية أم ديمقراطية. وقد وعد بإنهاء الدعم للجماعات الإرهابية العالمية وبرنامج إيران النووي. لكنّ من غير المرجح أن تتمكن أي من هذه القوى بمفردها من تحقيق الحرية لإيران. وهي جميعها في حاجة إلى انشقاق عناصر من النظام عن الحكومة المركزية. وقد تعلمت جميعها أن عدم مؤازرة الفائز في الثورات الإيرانية قد يكون قاتلاً.
 
*سام كيلي: كاتب وصحفي بريطاني ومحرر للشؤون الدولية في صحيفة "الإندبندنت". يتمتع بخبرة واسعة في تغطية الصراعات السياسية والقضايا الجيوسياسية حول العالم. اشتهر بتحقيقاته وتحليلاته العميقة التي تتناول العلاقات الدولية، خاصة في مناطق النزاع مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. يعرف بأسلوبه الصحفي الدقيق والموضوعي. تنشر مقالاته أيضاً في "الغارديان" ووسائل إعلامية دولية مرموقة.