الغد-عزيزة علي
ناقشت ندوة "البرامج الإذاعية والتوعية المجتمعية"، التي نظمتها لجنة العلوم الاجتماعية في رابطة الكتاب الأردنيين وأقيمت أول من أمس في مقر الرابطة، الدور الذي تؤديه الإذاعة في نشر الوعي والمعرفة وتعزيز المسؤولية المجتمعية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي بفعل المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
وتناولت الندوة، التي شاركت فيها الإعلامية أمانة مرزوق، وأستاذ الإعلام الرقمي المشارك في جامعة الشرق الأوسط الدكتور محمود أبو فروة الرجبي، وعميد كلية الآداب الأسبق في الجامعة الأردنية ورئيس لجنة العلوم الاجتماعية في الرابطة الدكتور مجد الدين خمش، وأدارها المترجم نزار سرطاوي، تطور البرامج الإذاعية وتنوع مضامينها وقدرتها على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
وركز المشاركون على مقومات نجاح البرامج التوعوية، وفي مقدمتها دقة المعلومات والمصداقية وبساطة الطرح والتفاعل مع الجمهور، إلى جانب أهمية دور المذيع في بناء الثقة وإدارة الحوار. كما بحثوا قدرة الإذاعة على مواكبة التطور الرقمي عبر البودكاست والمنصات الصوتية والمحتوى التفاعلي، مؤكدين أن مستقبلها يرتبط بقدرتها على تحويل المعلومة والصوت إلى أثر إيجابي ملموس في المجتمع.
وتحدثت الإعلامية والمذيعة في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، أمانة مرزوق، عن البرامج الإذاعية ودورها في التوعية المجتمعية، مؤكدة أن الإذاعة تُعد من أعرق الوسائل الإعلامية وأكثرها تأثيرا في بناء الوعي المجتمعي، وتشكيل اتجاهات الأفراد والتأثير في مواقفهم تجاه القضايا الحياتية اليومية التي تهم المجتمع.
وحول مفهوم البرامج الإذاعية، أشارت مرزوق إلى أنها تُعد وتُقدم عبر المحطات الإذاعية لتحقيق أهداف متعددة، تختلف باختلاف نوع البرنامج وشكله والفئة المستهدفة، ومن أبرزها التوعية والتثقيف، وتقديم المعلومات، والترفيه، إلى جانب مناقشة قضايا المواطنين ومشكلاتهم مع المسؤولين، وطرح الحلول الممكنة لها.
أما التوعية المجتمعية، فعرّفتها بأنها عملية تزويد أفراد المجتمع بالمعلومات والمعرفة والأخبار المستجدة حول القضايا والموضوعات التي تمس حياتهم وتؤثر فيها، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات سليمة واتباع سلوكيات إيجابية، ويسهم في بناء شخصية واعية ومواطنة صالحة وفاعلة ومنتجة.
وفيما يتعلق بمجالات التوعية في البرامج الإذاعية، أوضحت مرزوق أنها تشمل التوعية التربوية والتعليمية، والثقافية، والاجتماعية، والصحية في مجالي الطب والصيدلة، والبيئية، والمرورية والأمنية، والشبابية، ولا سيما التوعية بمخاطر آفة المخدرات، إلى جانب التوعية الرقمية، وتوعية المرأة وتمكينها اقتصاديا، وغيرها من المجالات التي تهم أفراد المجتمع.
أما أنواع وأشكال البرامج الإذاعية الهادفة إلى التوعية المجتمعية، فتشمل البرامج الحوارية، مثل برنامجها "نوافذ"، والمقابلات الإذاعية، والرسائل والفواصل التوعوية، والتحقيقات الإذاعية واستطلاعات الرأي العام، والدراما الإذاعية، والبرامج التفاعلية التي تتيح للمستمعين المشاركة عبر الاتصالات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى البرامج الوثائقية.
وبيّنت أن نجاح البرنامج الإذاعي التوعوي يعتمد على وضوح الهدف، ودقة المعلومات وصحتها، واستخدام لغة عربية سليمة وبسيطة ومفهومة، وتنوع أساليب التقديم، وحسن اختيار الموضوعات والضيوف، مع مراعاة ثقافة المجتمع والالتزام بالتوازن والواقعية وتجنب المبالغة في الطرح.
وأكدت أهمية دور المذيع في إنجاح الرسالة التوعوية، مشيرة إلى أن صوته يمثل رأس ماله والركن الأساسي في نجاح البرنامج الإذاعي. ويتطلب ذلك امتلاكه مهارات التواصل، وحسن الاستماع والإنصات، وإدارة الحوار، وطرح الأسئلة المناسبة، واحترام الضيف وتقديره، إلى جانب التحضير الجيد والمسبق للبرنامج من خلال الكتابة والمتابعة والبحث، والتأكد من صحة المعلومات والأخبار والتغطيات التي يتناولها.
كما تطرقت إلى تأثير التقدم التكنولوجي والثورة الرقمية في العمل الإذاعي، في ظل انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وما أحدثه ذلك من تطورات في أساليب إنتاج المحتوى الإعلامي وتقديم الرسائل التوعوية والوصول إلى الجمهور.
وخلصت مرزوق إلى أن البرامج الإذاعية أداة فاعلة في نشر الوعي والتثقيف وتعزيز المسؤولية المجتمعية والتغيير الإيجابي، كما تسهم البرامج الوطنية في رفع المعنويات وتعزيز الطمأنينة والولاء والانتماء للوطن، وترسيخ القيم والأخلاق الحميدة لدى الجمهور عبر الإذاعة والمنصات الرقمية.
من جهته، قال الدكتور محمود أبو فروة الرجبي إن الإذاعة ما تزال تحافظ على تأثيرها في الأردن بفضل قربها من الجمهور وسهولة الوصول إليها وقدرة الصوت على بناء الألفة والثقة، رغم تراجع استخدامها نسبيا أمام المنصات الرقمية. وأشار الرجبي إلى أن الأردن يضم أكثر من 40 محطة إذاعية مرخصة، فيما أظهرت دراسات أن الثقة بالإذاعات المحلية بلغت نحو 62 % في بعض القياسات، متقدمة على المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن سهولة الاستماع إلى الإذاعة أثناء القيادة والتنقل، وقرب المحطات المحلية من قضايا المجتمعات، يعززان حضورها. وفي المقابل، يشهد البودكاست انتشارا ملحوظا في الأردن؛ إذ أظهرت دراسة أكاديمية منشورة عام 2025 أن 77.7 % من أفراد عينة أردنية تابعوا المحتوى الثقافي عبر البودكاست بدرجة متوسطة أو مرتفعة.
وأضاف الرجبي أن الدراسة المتعلقة بمتابعة المحتوى الثقافي عبر البودكاست شملت فئات عمرية وتعليمية ومناطق جغرافية متنوعة، لكنها لا تمثل مسحا وطنيا شاملا لاستخدام البودكاست في الأردن، إذ تركز نتائجها على المحتوى الثقافي تحديدا.
وأشار إلى وجود تقديرات تجارية لعام 2026 تقدّر عدد مستخدمي البودكاست والكتب الصوتية في الأردن بنحو 490 ألفا، إلا أنها بيانات موجهة لأغراض الاستهداف الإعلاني وليست مسحا وطنيا، ما يستدعي التعامل معها بحذر.
وأكد أن التوعية المجتمعية لا تقتصر على تقديم المعلومات، بل تهدف إلى تحويلها إلى فهم واتجاهات وسلوك إيجابي، عبر مراحل تبدأ بالمعرفة والفهم، ثم تشكيل الاتجاه، وصولا إلى تغيير السلوك وتحقيق أثر مجتمعي.
وأضاف أن البرامج الإذاعية تسهم في تعريف الجمهور بالقضايا الصحية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية، وتؤدي دور الوسيط بين المعرفة المتخصصة والجمهور من خلال تبسيط المعلومات والخبرات بلغة واضحة، مع الحفاظ على الدقة.
وأوضح الرجبي أن البرامج التوعوية الفاعلة لا تكتفي بعرض المشكلات، بل تفسر أسبابها ونتائجها، وتوضح الفئات المتأثرة بها وسبل معالجتها، بما يساعد الجمهور على فهم القضايا ووضعها في سياق واضح.
وأشار إلى أن هذه البرامج تسهم في تشكيل الاتجاهات والقيم، ومواجهة الصور النمطية والوصمة الاجتماعية، وتعزيز الحوار والتكافل واحترام القانون. ويتطلب تغيير الاتجاهات الاستمرارية والمصداقية وتعدد الأصوات، لا الوعظ أو معالجة الموضوع في حلقة واحدة.
وأكد أهمية توظيف القصة الإنسانية إلى جانب المعلومات الموثوقة والتفسير المتخصص والحلول العملية، مع احترام خصوصية الأشخاص وعدم استغلال معاناتهم للإثارة. كما ينبغي أن تقدم البرامج خطوات واضحة قابلة للتطبيق، وأن تتحول إلى مساحة للحوار والاستماع إلى أسئلة الجمهور وتجاربهم ومخاوفهم.
وأضاف أن الإذاعة تستطيع أن تؤدي دورا مهما كحلقة وصل بين المواطنين والمؤسسات، من خلال طرح المشكلات وطلب التوضيحات ومتابعة الحلول، فضلا عن مواجهة الشائعات عبر التحقق من الادعاءات والاعتماد على المصادر الموثوقة.
ولفت إلى أن من أبرز أسباب ضعف البرامج التوعوية الوعظ والتهويل واللغة المعقدة وتكرار الموضوعات وإهمال أصوات المتأثرين وغياب الحلول. ولا يُقاس نجاحها بعدد المستمعين أو التفاعلات فقط، بل بما تحدثه من معرفة وفهم وتغيير في الاتجاهات والسلوك.
وخلص الرجبي إلى أن أثر البرامج لم يعد ينتهي بانتهاء البث، إذ يمكن توسيعه عبر المنصات الصوتية والمقاطع القصيرة والمواد التفاعلية والمتابعات اللاحقة، مشيرا إلى أن مستقبل الإذاعة التوعوية يعتمد على قوة الفكرة وموثوقية المعلومة وفهم الجمهور والقدرة على تحويل الصوت إلى أثر مجتمعي.
وقال رئيس لجنة العلوم الاجتماعية الدكتور مجد الدين خمش إن الإذاعة، رغم مرور عقود على ظهورها وتزايد هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، لا تزال تحافظ على حضورها وتأثيرها، خصوصا في الريف والبادية والمخيمات والمدن. مشيرا إلى أن الأردن يضم نحو 40 محطة إذاعية تبث عبر موجات FM، إلى جانب محطات مجتمعية وجامعية وإذاعات تبث عبر الإنترنت والبودكاست وخدمات الاستماع عبر الهاتف المحمول.
وأكد خمش أن تنوع المنصات الإذاعية يعكس قدرتها على مواكبة التطورات الرقمية وتلبية احتياجات الجمهور، مع استمرار أهمية الموهبة المهنية للمذيعين والمذيعات في جذب المستمعين.
وأشار خمش إلى أن المحطات الإذاعية، ولا سيما الرسمية، تؤدي دورا مهما في دعم خطاب الدولة، ونشر الثقافة والمعرفة والوعي، وتحفيز الشباب على العمل والإنجاز، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني والعلاقات الأسرية.
وأوضح أن للإذاعة أثرا اقتصاديا من خلال البرامج التنموية والبيئية والتحقيقات الميدانية التي تسهم في رفع الإنتاجية، والتنبيه إلى الهدر والفساد، ونشر ثقافة ترشيد الاستهلاك وحماية البيئة، فضلا عن دعم الاستثمار عبر المبادرات والأفكار التنموية.
ولفت خمش إلى أن الإذاعيين الأردنيين أسهموا بخبراتهم المهنية واللغوية والإعلامية في تأسيس وتطوير محطات إذاعية في عدد من دول الخليج العربي.
وأكد خمش أن الإذاعة تسهم كذلك في ترسيخ المواطنة والهوية الوطنية الجامعة من خلال البرامج الوطنية والتاريخية والتنموية والحوارية، والوصول إلى مختلف فئات المجتمع في المدن والريف والبادية والمخيمات، بما يعزز الانتماء والوعي بالحقوق والواجبات.
وخلص إلى أن الإذاعة ليست وسيلة للترفيه والموسيقى فحسب، بل مؤسسة إعلامية تسهم في ترسيخ المواطنة، وتعزيز الهوية الوطنية، ودعم التنمية وتطوير المجتمع.