عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Oct-2026

لماذا لا تستطيع إيران خوض حرب بلا نهاية

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
حميد رضا عزيزي* - (مجلة تايم) 30/7/2026
تقلصت الأهداف الأميركية للحرب على إيران إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وبعد أن نجت إيران من الحرب وحرمت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما المعلنة، أصبحت طهران تنظر إلى النتيجة باعتبارها انتصارًا، وتعمل وفقًا لذلك على صياغة شروطها وترسيخ هذه الشروط.
 
 
تعود الولايات المتحدة وإيران إلى خوض الحرب من جديد. ولا يدور الصراع المتجدد هذه المرة حول البرنامج النووي الإيراني أو تغيير النظام، وإنما حول مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس نفط العالم.
على مدى أسبوعين وحتى كتابة هذه السطور، قصفت الصواريخ الأميركية إيران. وردّت إيران بدورها باستهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وقد قُتل في الاشتباكات الأخيرة أربعة جنود أميركيين وأصيب 142 بجروح؛ كما قُتل ما لا يقل عن 53 إيرانيًا وأصيب 592 منذ 6 تموز (يوليو) وحتى تاريخه. وادعى "الحرس الثوري الإسلامي الإيراني" أنه دمّر ناقلة نفط في مضيق هرمز. وقد تباطأت حركة الملاحة في المضيق إلى حد كبير، وقفزت أسعار النفط من جديد.
وهكذا، لم يكد وقف إطلاق النار والاتفاق الأولي الذي وُقّع في 17 حزيران (يونيو) يصمد ثلاثة أسابيع، حتى أُجهض بفعل قراءتين متعارضتين لنص صيغ عمدًا بعبارات غامضة. وقد أرادت واشنطن استعادة حرية الملاحة في هرمز؛ وأصرت طهران على أنها صاحبة اليد العليا في المضيق. وعندما استؤنفت حركة الملاحة، تجنبت السفن والناقلات الطريق المركزي المزروع بالألغام في المضيق، ولزمت ساحله الجنوبي القريب من عُمان تحت حماية أميركية، أو أبحرت بمحاذاة الساحل الشمالي لهرمز القريب من إيران، حيث كانت طهران تفرض "رسم عبور" مقابل المرور الآمن.
في 7 تموز (يوليو)، أطلق الحرس الثوري الإسلامي النار على سفن خالفت المسارات التي حددتها إيران؛ وأعقبت ذلك غارات جوية أميركية. وبعد ثلاثة أيام، في 10 تموز (يوليو)، أبلغ الرئيس دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد استؤنفت. وأعلنت إيران رسميًا تعليق الاتفاق، مستندةً إلى الضربات والعقوبات والعمليات الإسرائيلية في لبنان.
والكلفة في تزايُد. على مدى عقود، كانت حركة الملاحة البحرية القادمة من السعودية، التي يقع حدها الشرقي على الخليج العربي، تمر عبر مضيق هرمز للوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي. ومنذ إغلاق المضيق، اتجهت المملكة إلى نقل نحو أربعة ملايين برميل يوميًا -أي ما يقرب من أربعة أضعاف الكمية التي كانت تمر عبر هذا المسار قبل الحرب- من خلال ميناء ينبع على البحر الأحمر الواقع على امتداد حدودها الغربية.
لكن البحر الأحمر يضم بدوره نقطة اختناقه الخاصة: مضيق باب المندب، في طرفه الجنوبي قبالة سواحل اليمن، والذي يربطه بخليج عدن وبحر العرب الأوسع. وفي 20 تموز (يوليو)، أعلن الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، فرض حصار بحري على الشحنات السعودية عند باب المندب، مستندين إلى مبدأ "العين بالعين". وكانوا قد استهدفوا مُسبقًا ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر. ومع تعرض نقطتي الاختناق، هرمز وباب المندب، للتنافس في الوقت نفسه، تواجه منظومات الطاقة في الخليج ضغطًا غير مسبوق.
استهدفت الضربات الأميركية الساحل الجنوبي لإيران والمداخل المؤدية إلى مضيق هرمز، بينما اقتُصرت الضربات داخل الأراضي الإيرانية إلى حد كبير على قواعد الصواريخ التي تتيح لإيران الوصول إلى القواعد الأميركية المنتشرة في أنحاء المنطقة. وتقل شدة هذه الحملة عن الحملة العسكرية التي سبقتها والتي استمرت 40 يومًا. كما أنها حملة مفتوحة النهاية: حرب استنزاف تدور حول ممر مائي. وهي في الوقت الراهن مواجهة ثنائية، حيث تحرص واشنطن على إبقاء إسرائيل خارج إطار الصراع ما دامت إيران تمتنع عن استهداف الأراضي الإسرائيلية بصورة مباشرة.
في الوقت الحالي، تقلصت الأهداف الأميركية إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وبعد أن نجت إيران من الحرب وحرمت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما المعلنة، أصبحت طهران تنظر إلى النتيجة باعتبارها انتصارًا، وتعمل وفقًا لذلك على صياغة شروطها وترسيخ هذه الشروط.
لماذا تعتقد إيران أنها انتصرت
تمكنت إيران خلال الفترة الماضية من الحرب من فرض تكاليف بشرية ومادية كبيرة على خصمها. فقد كلفت الحرب الولايات المتحدة حتى الآن أكثر من 37.5 مليار دولار، وقُتل 18 من أفراد القوات الأميركية وأصيب 624 آخرون. وأدت الخبرات التي اكتسبتها إيران خلال الحرب، والتعاون الاستخباري والتكنولوجي مع روسيا والصين، وتحسُّن وصولها إلى صور الأقمار الاصطناعية، إلى رفع دقة ضرباتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة بدرجة ملحوظة. كما تمكنت إيران أيضًا من زعزعة أسواق الطاقة العالمية من خلال إغلاق مضيق هرمز، وتحويل نقطة اختناق تمنحها نفوذًا مستمرًا على الاقتصاد العالمي إلى سلاح.
ويستهدف الاستراتيجيون الإيرانيون غاية أكثر طموحًا: رفع كلفة استضافة القوات الأميركية إلى أن تقلص الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة. وقد نقلت الولايات المتحدة بالفعل بعض أصولها العسكرية بعيدًا عن الخليج العربي باتجاه إسرائيل وغيرها. كما تؤدي الرادارات والقواعد وأنظمة المراقبة الأميركية المنتشرة في المنطقة دور أنظمة إنذار مبكر لإسرائيل. ومن المرجح أن تكون الهجمات الإيرانية المركزة على هذه الأنظمة في آذار (مارس) ونيسان (أبريل) قد حسّنت قدرة إيران على مهاجمة إسرائيل بصواريخها بعيدة المدى.
كما يبدو، تأمل طهران في أن يؤدي الجمع بين سيطرتها على مضيق هرمز والقوة القسرية لطائراتها المسيّرة وصواريخها إلى جعل دول الجوار مترددة في استضافة القوات الأميركية وتسهيل العمليات العسكرية ضد إيران، وأن يدفعها بدلًا من ذلك إلى السعي لوضع ترتيبات أمنية مع الجمهورية الإسلامية.
بشكل عام، تكيّف إيران أيضًا نهجها مع كل دولة من دول الجوار على حدة. وهي لا ترغب في خوض حرب مباشرة مع السعودية، ولذلك يتولى الحوثيون في اليمن "الملف السعودي". وقد فرض الحوثيون حصارهم على مضيق باب المندب في 20 تموز (يوليو)، بعد أيام من إشارة مسؤولين إيرانيين إلى أن المضيق سيُغلق إذا استمرت الضربات الأميركية على البنية التحتية الإيرانية. وكانت لدى الحوثيين أسبابهم الخاصة للتحرك، وخاصة ما يقولون إنه حصار الرياض للموانئ اليمنية والضربة العسكرية التي استهدفت مطار صنعاء. لكن طهران حصلت في كل الأحوال على نقطة اختناق استراتيجية ثانية.
تشكل الهجمات الإيرانية المكثفة على الكويت الرسالة المقصودة لكل دولة في الجوار تستضيف قوات أميركية. وترى طهران أن دولة الكويت يسّرت للولايات المتحدة شن ضربات على إيران انطلاقًا من أراضيها، ولذلك ردّت الطائرات المسيّرة الإيرانية باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه التي تعتمد عليها الكويت لتوفير نحو 90 في المائة من مياه الشرب فيها. كما تهدف الضربات على الكويت إلى إضعافها بوصفها قاعدة محتملة لشن عملية برية أميركية محتملة في جنوب إيران.
لكن ما تفتقر إليه هذه الاستراتيجية هو تصور واضح لكيفية تحويل النفوذ الذي اكتسبته إيران خلال الحرب إلى تسوية سياسية مستدامة. فقد أظهرت طهران قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية وفرض تكاليف على الولايات المتحدة وحلفائها، ولكن ليس واضحًا بعد كيف يمكنها أن تبقى في حالة مواجهة دائمة مع أميركا ودول الجوار.
إيران وأميركا وحدود القوة
يتمثل التحدي الأول الذي تواجهه إيران في عدم التكافؤ بين عتبات تحمّل الألم. ومع أن مصداقية الولايات المتحدة أصبحت على المحك، فإن الأراضي الإيرانية تتعرض لضربات قاسية. وقد بلغ التضخم السنوي في إيران حدًّا مذهلًا هو 88.6 في المائة بحلول أواخر حزيران (يونيو). وفي المحافظات الجنوبية التي تتحمل وطأة الصراع المتجدد، تجاوز التضخم 101 في المائة في هرمزغان، و99 في المائة في خوزستان، و96.5 في المائة في بوشهر. وطلبت وزارة الطاقة الإيرانية من المواطنين ترشيد استهلاك الكهرباء في ظل درجات الحرارة الشديدة، بينما تؤدي الضربات الأميركية إلى زيادة الضغط على شبكة الكهرباء. وكانت الجمهورية الإسلامية قد قمعت انتفاضة على مستوى البلاد في كانون الثاني (يناير)، ويعاني اقتصادها من انهيار متسارع، وهي تخوض حربًا مع أميركا. وقد يتبين أن أخطر جبهاتها هي الجبهة الداخلية.
قد تؤدي سياسة الإكراه التي تنتهجها إيران تجاه دول الخليج إلى إنتاج الائتلاف نفسه الذي تخشاه. وتعمل الهجمات على محطات الكهرباء وتحلية المياه الكويتية على دفع الكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة نحو تعاون أمني أوثق فيما بينها، ومع واشنطن، وربما مع إسرائيل في نهاية المطاف. ونظرًا إلى التفاوت في الموارد الاقتصادية بين إيران من جهة، والسعودية والإمارات وقطر من جهة أخرى، فإن كتلة موازنة للنفوذ ستمتلك اليد الأقوى مع مرور الوقت.
لعل أكبر تحدٍّ تواجهه إيران هو القدرات النووية السرية لإسرائيل. وقد سعت إيران إلى تدمير أنظمة المراقبة والرادار الأميركية في الخليج، التي تعمل كأنظمة إنذار مبكر لإسرائيل. وإذا واصلت إيران نجاحها في إضعاف أنظمة الإنذار المبكر تلك، فسيتعين على إسرائيل مواجهة صواريخها مع وقت إنذار أقل وعمق اعتراض أضيق. وقد يدفع ازدياد هشاشة إسرائيل بها إلى الاعتماد بصورة أكبر على رادعها النووي. وبذلك ربما يتبين أن نجاح إيران كان بالغ الخطورة.
وليست خيارات واشنطن أفضل حالًا. فقد تعهد ترامب بتدمير "جسر واحد أو محطة كهرباء واحدة" مقابل كل سفينة تطلق إيران النار عليها. وسترقى حرب تستهدف البنية التحتية إلى أن تكون جرائم حرب ترتكبها واشنطن، كما أنها لن تغير حسابات طهران. وسترد إيران باستهداف البنية التحتية الخليجية، وسيمتد الدمار عبر دول لا دخل لها في هذا الصراع.
كما أن الغارات الجوية على أكثر المنشآت النووية الإيرانية حساسية لن تحقق الكثير. فقد هدد ترامب باستهداف المنطقة المحيطة بجبل "بيك آكس" (الفأس) بضربة "بالغة الشدة"، و"الفأس" موقع محصّن تحت الأرض قرب نطنز، إحدى المنشآت الرئيسية لتخصيب اليورانيوم في إيران. وسيكون من شأن مثل هذا الهجوم أن يُخلف آثارًا رمزية، وأن يستدعي ردًا إيرانيًا على منشآت الطاقة وغيرها من البنى التحتية الحيوية في الخليج.
ومع بقاء "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" خارج إيران منذ حزيران (يونيو) 2025، وعدم التحقق من مصير ما يقرب من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، فإن شن غارات جوية جديدة على المنشآت النووية الإيرانية سيجعل تحديد المواد والقدرات النووية التي ما تزال موجودة، ومواقعها، والسرعة التي يمكن بها إعادة بناء البرنامج، أكثر صعوبة. وسيؤدي ازدياد الغموض المحيط بالقدرات النووية الإيرانية، لاحقًا، إلى جعل أي تسوية أكثر صعوبة من حيث إمكانية التفاوض عليها وآليات التحقق منها.
 
*حميد رضا عزيزي Hamidreza Azizi: باحث إيراني متخصص في شؤون إيران والشرق الأوسط والسياسات الإقليمية. وهو محلل أول لشؤون إيران في "مجموعة الأزمات الدولية". وهو مؤلف كتاب "محور المقاومة: إيران وإسرائيل والصراع على الشرق الأوسط" The Axis of Resistance: Iran, Israel, and the Struggle for the Middle East، وله دراسات ومقالات عديدة حول السياسة والأمن الإقليميين، والملف النووي الإيراني، والعلاقات الإيرانية مع دول الخليج، تُنشر في دوريات ومؤسسات بحثية وإعلامية دولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Iran Cannot Fight a Forever War