عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Nov-2026

التعلم الشبكي والذكاء الاصطناعي.. مقاربة لدمج المعرفة بالتطبيق

 الغد-عزيزة علي

يطرح الباحث الدكتور وائل كشك، في كتابه "بيداغوجيا الجذمور: من التعليم الخطي إلى التعلم الشبكي: خرائط للتعلم المركب في عصر الذكاء الاصطناعي"، تصورا تربويا ومعرفيا جديدا لتحولات التعليم والتعلم، ينتقل من النماذج التقليدية القائمة على التلقين والتسلسل الخطي إلى مقاربات شبكية متعددة المسارات، تقوم على الترابط المعرفي والتفكير النقدي والتعلم التفاعلي.
 
 
وقدم الكتاب الصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع، إطارا نظريا وتطبيقيا يستلهم مفهوم "الجذمور"، في بناء المعرفة وتصميم البيئات التعليمية، مستكشفا إمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسات التربوية وإعادة تشكيل العلاقة بين المتعلم والمعلومة والأداة. كما يتناول ثلاثة مجالات تطبيقية رئيسة، تشمل العلوم والحياة، والإنسان والمجتمع والسياسات، والثقافة والفنون والتصميم، بما يعزز التكامل بين التخصصات ويربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية.
ويستهدف الكتاب الطلبة الجامعيين والمعلمين والباحثين والمشتغلين بالثقافة والإعلام، وصانعي السياسات التعليمية والمطورين التربويين، مقدما أدوات ومنهجيات تطبيقية، من بينها 30 مهمة تعليمية عابرة للتخصصات، وملاحق متخصصة في الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي والخرائطية التربوية، بهدف بناء بيئات تعلم أكثر انفتاحا ومرونة وقدرة على مواكبة التحولات المعرفية والتكنولوجية.
وأشار كشك إلى أن فكرة الكتاب بدأت قبل ثلاث سنوات، انطلاقا من تصور تقليدي للتأليف الأكاديمي يقوم على تنظيم الأفكار وترتيب الفصول وبناء مسار حجاجي متسلسل، غير أن التجربة سرعان ما تجاوزت هذا التصور، لتتحول الكتابة إلى عملية معرفية متنامية، تتشكل عبر المراجعة وإعادة اكتشاف الأفكار وجذورها.
وأضاف أن التأليف لم يعد بالنسبة إليه مجرد عملية تقنية أو تجميع للأفكار، بل أصبح تجربة تكوينية تتيح اختبار الذات والأفكار معا، وإعادة اكتشاف المعنى من خلال التفاعل مع طبقات متعددة من المعرفة. وبذلك تحولت الكتابة إلى رحلة مستمرة لإعادة النظر في الأفكار وتطويرها، بدلا من الاقتصار على إنتاج نص مكتمل.
ولفت كشك إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يكن حاضرا في المراحل الأولى من المشروع، إذ اعتمد في البداية على أدوات التأليف التقليدية، إلا أن التطور المتسارع لهذه التقنيات دفعه إلى إدماجها في تجربته البحثية والكتابية. ومع الوقت، تجاوز دور الذكاء الاصطناعي حدود المساعدة التقنية، ليصبح نافذة معرفية تتيح إعادة طرح الأسئلة واستكشاف مسارات جديدة للتفكير.
وأوضح أن هذا التفاعل دفعه إلى مراجعة مركزية صوت المؤلف في عملية الكتابة، واكتشاف إمكانات معرفية جديدة، وصولا إلى تصور النص بوصفه شبكة من الأصوات والعلاقات، لا نتاجا لصوت منفرد.
ويرى كشك أن التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل العلاقة مع النص، فلم تعد الفصول وحدات مستقلة، بل مسارات مترابطة متداخلة، في بنية تستلهم مفهوم "الجذمور"، القائم على تعدد المسارات وغياب المركز الثابت والتسلسل الخطي. وفي هذا السياق، يتولد المعنى من التفاعل بين الحدس والتحليل، وبين المعرفة السابقة وما تتيحه الأدوات الذكية من زوايا جديدة للنظر والتفكير.
وأشار المؤلف إلى أن الإبداع لا ينتقص بالضرورة من مشاركة الآخر، بل يمكن أن يكتسب أبعادا جديدة من خلال التكامل بين الإنسان والأداة. كما يرى أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل بالضرورة تهديدا للأصالة، وإنما يفتح المجال لإعادة التفكير في مفهومها واستكشاف إمكانات إبداعية ومعرفية جديدة، مؤكدا أن الكتابة ليست وصولا نهائيا إلى فكرة مكتملة، بل رحلة متواصلة نحو آفاق أوسع من الوعي والمعرفة.
وخلص كشك، إلى أن نهاية هذه التجربة لم تكن سوى بداية جديدة، إذ لم يكتفِ باكتشاف مفهوم الجذمور، بل وجد نفسه يعيش منطقه القائم على تعدد المسارات وتوالد الأفكار واستمرار الحركة المعرفية، في تفاعل متواصل بين الإنسان والأداة والفكرة وشبكة العلاقات التي تنتجها.
وفي استعراضه لبنية الكتاب، أوضح المؤلف أنه يقدم مشروعا تربويا ومعرفيا يجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، بهدف إعادة التفكير في تشكّل المعرفة وتصميم البيئات التعليمية، في ظل التداخل المتزايد بين العلوم والمهارات والوسائط الرقمية بفعل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.
وانطلق الكتاب من مقاربة جذمورية تتجاوز التصور الخطي للتعلم، وتنظر إلى المعرفة بوصفها شبكة مترابطة ومتعددة المسارات، تتفاعل فيها الأفكار والأدوات والبيئات التعليمية، بما يتيح للمتعلمين بناء علاقات معرفية جديدة.
وتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول الأول المفاهيم والضوابط والمداخل التأسيسية، بما في ذلك أسس بناء الفضاءات المعرفية، وضوابط الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وإرشادات قراءة الكتاب بوصفه بنية خرائطية مفتوحة، لا تسلسلا تقريريا تقليديا.
أما القسم الثاني، فيقدم الإطار الفلسفي والمعرفي والتربوي لمفهوم الجذمور، مستعرضا جذوره النظرية وتحولاته التربوية ومنطقه الخرائطي، وكيفية انتقاله من الحقل الفلسفي إلى الممارسة التعليمية.
وضم القسم الثالث ثلاثة أجزاء تطبيقية تترجم الفلسفة الجذمورية إلى وحدات تعليمية قابلة للتوظيف في المدارس والجامعات والمجتمع. يتناول الجزء الأول، "عوالم العلم والحياة"، الظواهر العلمية من منظور شبكي يربط بين الخلية والبيئة، والطاقة والحركة، والكيمياء الحيوية والنظم الصحية، مع التركيز على تحويل المعرفة العلمية من محتوى نظريا إلى تجربة تقوم على التحليل والتفسير والنمذجة والتطبيق.
أما الجزء الثاني، "الإنسان والمجتمع والسياسات"، فيربط بين علم النفس والاجتماع والسياسة والذاكرة والثقافة، بوصفها منظومات متداخلة تساهم في تشكيل الوعي والسلوك والهوية، ويقدم أدوات لفهم الخطابات والسرديات والعلاقات المؤسسية وتحليل السياسات واتخاذ القرار. وخصص الجزء الثالث، "الثقافة والفنون والتصميم"، لدراسة الفنون بوصفها مجالا للتعبير النقدي والسياسة الرمزية والاقتصاد الإبداعي، ودورها في تشكيل الذوق العام والهوية البصرية والعمران، إلى جانب تحليل الصور والرموز وتصميم مشروعات جمالية تربط بين التعليم والمجتمع.
وعزز الكتاب جانبه التطبيقي بخمسة ملاحق توفر أدوات ومنهجيات قابلة للاستخدام، تشمل قائمة بأدوات الذكاء الاصطناعي وغايات استخدامها، وضوابط الاستخدام الأخلاقي لهذه التقنيات بما يحافظ على الأصالة الأكاديمية، ودليل الإرشاد الجذموري، ومبادئ الخرائطية التربوية في البيئات الجذمورية، إضافة إلى 30 مهمة جذمورية عابرة للتخصصات، بوصفها نماذج تطبيقية جاهزة للاستخدام في الصفوف الدراسية والجامعات.
وأشار كشك إلى أن هذه الملاحق تمثل امتدادا عمليا للأجزاء الثلاثة، وتمنح الكتاب بعدا تطبيقيا يجعله دليلا تربويا موجها إلى المعلمين والباحثين والمصممين التربويين.
ومن خلال هذا البناء الذي يجمع بين القسم التأسيسي والإطار النظري والمكونات التطبيقية والملاحق العملية، يقدم الكتاب تصورا تعليميا متعدد الطبقات والمسارات، يعكس منطق الجذمور القائم على الترابط والانفتاح، ويشجع القارئ على التفاعل مع المعرفة وتحليلها وإنتاجها بدلا من الاكتفاء بتلقيها.