عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jul-2026

تجربة سردية تنسج خيوطها بين الواقع والغموض لقاسم الكوفحي

 الغد-عزيزة علي

 تأتي رواية "وحدها روان تعرف النبض الحقيقي" للدكتور قاسم محمد كوفحي، الصادرة عن دار الخليج للنشر والتوزيع، لتقدم تجربة سردية تنسج خيوطها بين الواقع والغموض، وبين الألم والرجاء، وبين الذاكرة والمكان. وتتخذ الرواية من رحلة بطلتها، الدكتورة روان، بعد انهيار حياتها الزوجية، مدخلا لاستكشاف عالم تتداخل فيه الحكايات الشخصية مع أسرار المكان، حيث تتحول قرية "وادي النخيل" إلى فضاء روائي نابض بالرموز والأسئلة، تتقاطع فيه الوقائع مع الأساطير، ليغدو البحث عن الحقيقة رحلة في أعماق الإنسان قبل أن يكون بحثا في تاريخ المكان.
 
 
وفي هذه الرواية، لا يكتفي كوفحي ببناء حكاية مشوقة، بل يطرح رؤية إنسانية تتأمل أثر الجراح النفسية، وعلاقة الإنسان بماضيه، وحدود الصراع بين العقل والحدس، وبين ما يراه الإنسان بعينيه وما يدركه بقلبه. ومن خلال هذا التداخل بين البعدين النفسي والفلسفي، تقدم الرواية عالما سرديا يسعى إلى استكشاف النبض الخفي الذي يقود الإنسان في رحلة البحث عن ذاته، ويمنح القارئ تجربة تجمع بين متعة السرد وعمق التأمل.
وتُظهر الرواية أن ليست كل رحلة تبدأ بخطوة في الطريق؛ فبعض الرحلات تبدأ من جرح قديم يرفض أن يندمل، أو من سؤال يظل عالقا في الذاكرة مهما ابتعد الإنسان عن أمكنته الأولى. وفي كثير من مساراتها، يتحول الهروب إلى شكل آخر من أشكال المواجهة، إذ يجد الإنسان نفسه، وهو يظن أنه يغادر ماضيه، يعود إليه من أبواب لم يكن يتوقع أن تُفتح من جديد. وهكذا يغدو المكان أكثر من مجرد مسرح للأحداث، بل يصبح ذاكرة حية تحتفظ بأسرارها، وتستدعي من يقترب منها ليواجه ذاته قبل أن يواجه العالم.
وفي كلمة على الغلاف، كتب الناشر سمير اليوسف أن الرواية تقدم رحلة تبدأ بما تظنه بطلتها، الدكتورة روان، هروبا من جراح الماضي، لكنها سرعان ما تجد نفسها أمام أبواب لم تكن تعلم أنها ما تزال مفتوحة في أعماق روحها. وتنتقل إلى واد ناء تحيط به الجبال والأسرار، لتكتشف أن بعض الأماكن لا تستقبل الغرباء فحسب، بل تستدعيهم، وأن الذاكرة قادرة على أن تتجسد في هيئة أصوات وظلال وأسئلة مؤجلة منذ سنوات طويلة.
ويشير اليوسف إلى أن الرواية تنسج عالما تتداخل فيه الحقيقة مع الأسطورة، ويتجاور فيه الحب والفقد والخوف والرجاء. وبين الأزقة القديمة والبيوت الصامتة والوجوه التي تخفي أكثر مما تقول، تمضي البطلة في رحلة شاقة لاكتشاف ما خفي من تاريخها الشخصي، وما دفنه الزمن في أعماق المكان. إنها رحلة نحو الحقيقة، غير أن الحقيقة هنا ليست طريقا مستقيما، بل متاهة من الرموز والذكريات والأقدار المتشابكة.
ويرى الناشر أن "وحدها روان تعرف النبض الحقيقي" رواية تستنطق هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد، وتطرح سؤالا وجوديا عميقا: هل نهرب حقا من الماضي، أم أننا نحمله معنا أينما ذهبنا؟ وبين نبض القلب ونداء الذاكرة، تفتح الرواية أبوابها أمام القارئ ليدخل عالما مفعما بالغموض والشاعرية والتأمل، حيث لا تكمن النجاة في الفرار، بل في مواجهة ما نخشى النظر إليه.
وفي تصريح حول الرواية، يقول مؤلفها الدكتور قاسم محمد كوفحي إنها تقدم تجربة سردية تجمع بين الأبعاد النفسية والرمزية والإنسانية، ضمن إطار روائي يزاوج بين الواقع والغموض، والذاكرة والأسطورة، والبحث عن الذات ومواجهة الماضي.
وتدور أحداث الرواية حول الدكتورة روان، الطبيبة التي تجد نفسها، بعد تجربة طلاق مؤلمة وانهيار عالمها العاطفي، أمام منعطف مصيري يدفعها إلى مغادرة المدينة بكل ما تحمله من ذكريات وخيبات وآلام، لتبدأ رحلة جديدة في قرية نائية تُدعى "وادي النخيل".
ويضيف كوفحي أن القرية تبدو في البداية ملاذا هادئا يمنح بطلة الرواية فرصة للابتعاد عن صخب الحياة والجراح التي لم تندمل بعد، غير أن هذا الهدوء الظاهري سرعان ما يكشف عن طبقات عميقة من الغموض والأسرار. فالمكان الذي قصدته هربا من الماضي يتحول تدريجيا إلى فضاء تتداخل فيه الوقائع اليومية مع الحكايات القديمة والأساطير المحلية، لتغدو الجبال المحيطة والبيوت المهجورة والآبار العتيقة والأشجار المعمرة عناصر فاعلة في تشكيل الأحداث، حتى يبدو المكان نفسه كائنا حيا يحتفظ بذاكرته الخاصة ويشارك في صناعة المصائر.
ومنذ وصولها إلى "وادي النخيل"، تبدأ روان بملاحظة ظواهر وأحداث يصعب تفسيرها بمنطق الحياة المعتاد؛ أصوات غامضة، وإشارات مبهمة، وحكايات يتناقلها السكان همسا، وأسرار يرفض معظم أهالي القرية الإفصاح عنها. وفي الوقت الذي تحاول فيه الطبيبة القادمة من عالم العلم والعقلانية تفسير ما يجري استنادا إلى معارفها العلمية، تجد نفسها تدريجيا في مواجهة منظومة من المعتقدات الشعبية والروايات المتوارثة التي تشكل وعي المجتمع المحلي وتلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.
وتتعمق الرواية في رسم العالم الداخلي لشخصية روان، إذ إن الصراع الحقيقي لا يدور في القرية وحدها، بل في أعماق النفس أيضا. فذكريات الماضي تظل تطارد البطلة في كل خطوة، ولا سيما علاقتها السابقة بمازن، الرجل الذي ترك في حياتها أثرا عميقا وجعلها تعيش حالة مستمرة من التردد بين الرغبة في النسيان والحنين إلى ما مضى. ومن خلال سلسلة من الاسترجاعات والذكريات، تستعيد الرواية تفاصيل تلك العلاقة بما حملته من حب وأمل وخذلان وفقد، لتكشف كيف يظل الإنسان أسير ماضيه حتى حين يظن أنه تركه خلفه إلى الأبد.
وبموازاة هذا المسار النفسي، تنفتح الرواية على مسار آخر يتناول أسرار "وادي النخيل" ذاته. فمع تقدم الأحداث، تكتشف روان أن القرية تخفي تاريخا معقدا يرتبط بحوادث قديمة وأسرار عائلية ووقائع لم تُكشف حقيقتها كاملة. ويقودها فضولها المهني والإنساني إلى الاقتراب من شخصيات متعددة، يحمل كل منها جزءا من الحقيقة، فتتشابك الحكايات الفردية مع الحكاية الكبرى للقرية، ويتحول البحث عن سر المكان إلى رحلة في أعماق الوجود والهوية والانتماء. وتعتمد الرواية بناء سرديا يقوم على تداخل الأزمنة، إذ تتجاور لحظات الحاضر مع شظايا الماضي، وتتقاطع الذكريات مع الوقائع الراهنة، بما يمنح النص بعدا تأمليا ويجعل القارئ شريكا في اكتشاف الأسرار وفك خيوط الحكاية.
ويشير إلى أن الرواية توظف لغة شعرية ثرية بالصور والاستعارات والرموز، فتتحول التفاصيل اليومية إلى إشارات دلالية أرحب، ويتجاوز المكان حدوده الواقعية ليغدو رمزا للذاكرة والقدر والمصير الإنساني.
ولا تقتصر أهمية الرواية على بعدها الحكائي، بل تمتد إلى ما تطرحه من أسئلة فكرية وإنسانية عميقة، فهي تتساءل عن إمكانية الهروب من الماضي، وحدود العلاقة بين العقل والخرافة والمعرفة والحدس، وبين الحقيقة التي نسعى إلى اكتشافها وتلك التي نخشى مواجهتها. كما تناقش أثر الجراح النفسية في تشكيل حياة الإنسان وقدرته على تجاوزها أو التعايش معها، وتطرح رؤية مفادها أن النجاة لا تتحقق بالابتعاد عن الألم، بل بمواجهته وفهمه وإعادة تأويله.
ويرى كوفحي أن شخصية روان تظل القلب النابض للرواية، إذ تجسد نموذج الإنسان الذي يسعى إلى إعادة بناء ذاته بعد الانكسار، ويخوض رحلة طويلة من الشك والخوف والبحث والاكتشاف. ومن خلال رحلتها الشخصية، تتحول الرواية إلى تأمل واسع في معاني الحب والخسارة والذاكرة والمصير، وإلى محاولة للكشف عن "النبض الحقيقي" الكامن في أعماق الإنسان؛ ذلك النبض الذي لا تقيسه الأجهزة الطبية، ولا تلتقطه الآذان، وإنما تدركه الروح عندما تواجه حقيقتها العارية.
ويؤكد المؤلف أن الرواية تقدم عالما سرديا غنيا بالأحداث والدلالات، يجمع بين التشويق النفسي والغموض الرمزي والأسئلة الوجودية، ويمنح القارئ رحلة تمتد بين الواقع والحلم، وبين الألم والأمل، وبين أسرار المكان وأسرار النفس البشرية، في عمل يسعى إلى استكشاف المناطق الخفية من التجربة الإنسانية وإضاءة ما يختبئ خلف ظاهر الأشياء من معان وأسرار.