الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
إلدَر ماميدوف* - (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 20/8/2025
على الرغم من الغارات الجوية المستمرة التي تشنها إسرائيل على اليمن، لم يزدد هذا الفصيل المسلّح إلا جرأة، كاشفًا عن نقاط ضعف القدس.
هدّد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، بـ"قطع أيدي" أعداء إسرائيل، لكن هدفه المحدّد -حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن- لم تكتفِ بالنجاة والبقاء حية من شهور من الضغط الذي مارسه الجيش الإسرائيلي والجيش الأميركي فحسب، بل أصبحت أقوى مع كل مواجهة.
وتُجسّد أحدث غارة شنتها إسرائيل على محطة كهرباء "حزيز" قرب صنعاء، عاصمة اليمن، هذا الفشل الاستراتيجي: كان هذا هجومًا رمزيًا على بنية تحتية مدنية بهدف إيقاع معاناة شديدة بالسكان المدنيين في اليمن، من دون أن يُلحِق أي ضرر يُذكَر بالقدرات العسكرية للحوثيين.
دائرة العنف واضحة تخطئها العين. منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، نفّذت قوات الحوثيين هجمات شبه يومية ضد سفن شحن مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، وكذلك ضد أهداف داخل إسرائيل نفسها مثل الموانئ والمطارات، حيث أطلق الحوثيون أكثر من 70 صاروخًا و22 طائرة مسيّرة على إسرائيل منذ آذار (مارس) 2025 فقط.
هذه الهجمات، التي يصفها الحوثيون باستمرار بأنها احتجاجات على الحملة العسكرية التي تشنها إسرائيل في غزة، كانت مؤلمة: منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 استهدف الحوثيون أكثر من 100 سفينة تجارية في البحر الأحمر، وهو ما دفع معدلات التأمين إلى ارتفاع جنوني وأجبر السفن التجارية على تحويل مسارات الملاحة بطريقة رفعت الكلف بالنسبة للشحن البحري. كما أجبرت الضربات الحوثية ميناء إيلات الإسرائيلي الحيوي على البحر الأحمر على خفض عملياته بنسبة 90 في المائة، مما دفعه إلى حافة الإفلاس. وقد دفعت هذه الأعمال إسرائيل إلى شنّ غارات انتقامية متكررة ضد أهداف يمنية.
بينما انضمت الولايات المتحدة في البداية إلى الضربات الإسرائيلية، فإنها سرعان ما أدركت المأزق الاستراتيجي الذي ينطوي عليه هذا الموقف -فقد تكيف الحوثيون مع التكتيكات بسرعة تفوق قدرة القوات الغربية على الرد بفعالية، مما خلق حرب استنزاف باهظة الكلفة. وسرعان ما تبيّن أن حملة القصف الأميركية، التي بلغت كلفتها مليار دولار، لم تكن فعّالة إلى حد دفع إدارة ترامب إلى السعي نحو هدنة بوساطة عُمانية في أيار (مايو)، لكن من اللافت أن هذا الاتفاق لم يوفر الحماية سوى للأصول الأميركية، بينما ترك إسرائيل عرضة للهجمات الحوثية المستمرة.
تشير التقارير الأخيرة إلى مدى صمود قوات الحوثيين ومثابرتهم. وقد تمكنوا، منذ توقف الضربات الأميركية، من إعادة بناء أنظمة رادار وشبكات اتصال وقدرات استطلاع. كما قاموا أيضًا بإجراء تدريبات بحرية في ميناء الحديدة، ونشروا أسلحة حديثة في المناطق الساحلية للبحر الأحمر، ونقلوا الذخائر إلى المناطق الجبلية في الغرب.
الآن تصاعدت حملة إسرائيل إلى ما هو أبعد من استهداف الحوثيين عسكريًا لتشمل تدمير البنية التحتية المدنية الحيوية. وتُعتبر محطة "حزيز" للطاقة من المنشآت الأساسية في تزويد العاصمة اليمنية صنعاء بالكهرباء. وعلى الرغم من ذلك، حاولت تل أبيب تبرير الهجوم بالقول إن الحوثيين يستخدمونها في الجهد العسكري، مكررةً مبرراتها لقصف ميناء الحديدة في حزيران (يونيو)، وهو شريان حيوي لواردات الوقود والأدوية والمواد الغذائية إلى اليمن. تعكس الاستراتيجية الإسرائيلية المتمثلة في ضرب المنشآت المدنية حسابات خاطئة أساسية. من غير المرجح أن تؤثر هذه الضربات، على الرغم من أنها مزعجة بلا شك، بشكل ملموس، في عزم الحوثيين على مواصلة العمليات العسكرية دعمًا للفلسطينيين. وفي ما يتعلق باستهداف البنية التحتية للطاقة على وجه التحديد، كانت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين قد انتقلت مسبقًا خلال الحرب مع التحالف الذي تقوده السعودية (2015-2023)، إلى الاعتماد بشكل رئيسي على مصادر طاقة لامركزية. وأصبحت التركيبات الشمسية الصغيرة، والمولدات المنزلية، والوحدات التي تعمل بالديزل، العمود الفقري لإمدادات الكهرباء. ونتيجة لذلك، فإن الضربات الإسرائيلية ضد محطات الطاقة المركزية تحقق تأثيرًا استراتيجيًا ضئيلًا للغاية وفي أدنى الحدود.
في أعقاب الضربة الإسرائيلية الأخيرة، جاء الرد الفوري للحوثيين -إطلاق صاروخ باليستي نحو إسرائيل قالت تل أبيب إنه تم اعتراضه- لإظهار أن قدرتهم لم تضعف. وبالإضافة إلى ذلك، لا تفعل الهجمات الإسرائيلية على المنشآت المدنية سوى أن تزيد "أنصار الله" إصرارًا وتثبيتًا لسردية مقاومة العدوان الإسرائيلي، وهو ما يعزز شرعيتهم الإقليمية في وقت يشهد تزايد عزلة إسرائيل الدولية.
صوّر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، نفسه بشكل متزايد كزعيم أساسي لـ"محور المقاومة" الإقليمي، مرددًا أصداء القواعد الخطابية والاستراتيجية التي كرسها زعيم "حزب الله" اللبناني، حسن نصر الله، الذي اغتيل في هجوم إسرائيلي على بيروت. وفي خطاب حديث، صاغ الحوثي الصراع بمصطلحات حادة تتجاوز اليمن، وذهب إلى مهاجمة الحكومات العربية على ما أسماه "ضعفها المخزي" المتمثل في الخضوع للضغط الأميركي والإسرائيلي، بينما يقارن تقاعسها بتحدي الحوثيين.
وكانت رسائل الحوثي مدروسة وفعّالة. فبإدانته قبول لبنان بالمطالب الأميركية بنزع سلاح "حزب الله" باعتبارها "خيانة للسيادة"، وسخريته من صفقات الغاز المصرية مع إسرائيل باعتبارها "مفارقة حزينة" إذا ما وُضعت بجانب مقاطعة "صندوق الثروة السيادي النرويجي" لإسرائيل، واتهامه القادة العرب بالصمت تجاه خطاب حكومة نتنياهو التوسعي عن "إسرائيل الكبرى"، يقدِّم الحوثيين باعتبارهم القوة الوحيدة المستعدة لمواجهة إسرائيل عسكريًا وخطابيًا.
في حين أن الخطاب العالمي السائد غالبًا ما يقلل من شأن الحوثيين باعتبارهم مجرد وكلاء لإيران، فإن خطابهم الناري يتحدى طهران نفسها أيضًا، بينما يواجه حكام إيران انتقادات متزايدة لفشلهم في ردع الهجمات الإسرائيلية -سواء ضد الحلفاء الإقليميين مثل "حزب الله"، أو داخل أراضيهم الخاصة خلال حرب الاثني عشر يومًا- بسبب سعيهم إلى خفض التصعيد بدلًا من الرد الانتقامي الشامل.
وتتردد أصداء هذا الخطاب في جميع أنحاء المنطقة، حيث يسود الإحباط الشعبي من حرب إسرائيل في غزة والتواطؤ المتصوّر للحكومات المتحالفة مع الولايات المتحدة. وفي هذا المناخ، تعزز كل ضربة إسرائيلية على اليمن -خصوصًا ضد المواقع المدنية- سعي الحوثيين إلى قيادة معسكر المقاومة، بما يقوّض مكانة إسرائيل ويعزز نفوذ "أنصار الله" في ما هو أبعد كثيرًا من حدود اليمن.
في الأثناء، يستمر اعتماد إسرائيل المتعنّت على الحلول العسكرية، في تجاهل لحقيقة سياسية أساسية: سوف تستمر حملة الحوثيين طالما ظلت هجمات إسرائيل على غزة مستمرة. ويبقى التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في غزة الحل الوحيد الكفيل بإزالة المبرر الأساسي لهجماتهم. وهو ما يبرز مشكلة جوهرية: أن العمل العسكري لا يمكن أن يحل ما هو -في جوهره- صراع سياسي. ومن غير المجدي بالمقدار نفسه استمرار الحصار المضروب على اليمن، الذي لا يفعل أي شيء سوى التسبب بمعاناة المدنيين من دون أن يضعف قدرة الحوثيين على التجنيد أو يقلل من حدة المشاعر المعادية للغرب.
ثمة دروس واضحة يقدمها التاريخ. من "حزب الله" إلى "حماس" إلى الحوثيين، لا يستسلم الخصوم غير المماثلين في القوة تحت القصف -بل يتطورون ويتكيفون. ولا يعِد الطريق الذي تسلكه إسرائيل اليوم إلا بمزيد من العزلة، واستنزاف الموارد، وإطالة أمد الصراع. وكما يكشف التاريخ، لا تكمن القوة الحقيقية في التهديدات الجوفاء بقدر ما تكمن في كسر دوائر العنف. ويبقى السؤال عما إذا كان القادة الإسرائيليون سيتعلمون هذا الدرس قبل أن يتدهور موقعهم الاستراتيجي الأبعد مدى أكثر فأكثر.
*إلدَر ماميدوف Eldar Mamedov: كاتب وخبير في السياسات الخارجية مقيم في بروكسل، وهو زميل غير مقيم في "معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول" يركز على شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأوروبية. ولد ونشأ في لاتفيا لعائلة أذربيجانية، وعمل في وقت مبكر من حياته في وزارة الخارجية اللاتفية، ثم شغل وظائف دبلوماسية في سفارات بلاده في مدريد وواشنطن. يعمل منذ العام 2009 مستشارًا للعلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، حيث يواكب قضايا السياسة الخارجية والأمنية، ويقدم تحليلات ودعمًا تشريعيًا في الملفات المتعلقة بالشرق الأوسط والخليج وأوروبا الشرقية. يكتب بانتظام مقالات تحليلية في منصات فكرية وإعلامية بارزة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Israel won't beat the Houthis