عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Feb-2026

تحولات العلاقات بين الشرق والغرب في رواية أحمد سلامة "الحافر"

  الغد

الأستاذ الدكتور مجد الدين خمش
 
عمان-  "الحافر" رواية مشوقة تقرأ حتى آخر صفحة منها، حيث المعنى يؤطر الشخصيات، ويوجه سلوكها داخل النص. يتتبع أحمد سلامة التاريخ، والعلاقات في فضاء سردي شخصي حضاري، واسع، وحبكات متداخلة ليعيد تشكيل الوعي الوطني ودعم مسيرة التحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. معلنا أن الكلمة الوطنية الصادقة تترك أثرها في النفوس، كما الحافر يترك أثره في التربة الصلبة. فـ"أمجد كرامي"، اليساري الثوري، والقيادي في حركة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني خلال السبعينيات من القرن الماضي، هو الشخصية الرئيسية في الرواية. وهو اسم يحمل بالكثير من الدلالات الرمزية، خصوصا إعادة المجد المفقود، والكرامة المستباحة بعد هزيمة العام 1967م. وتتبدى الرمزية في أوضح دلالاتها في اسطنبول، المدينة التي تجمع الشرق مع الغرب جغرافيا وحضاريا، التي تذكر دوما بطغيان التأثيرات الحضارية الغربية، ومدى اضطراب العلاقات التاريخية بين العرب والعثمانيين، وبين العرب والغرب بشكل عام.
 
 
وفي الحوار المتشعب بين أمجد وإيفا الإيطالية الجميلة، قوية الشخصية، أستاذة القانون الدولي يتحول اللقاء بينهما بعيدا عن الإعجاب العاطفي المتوقع إلى مناقشات أيديولوجية عن الشرق والغرب، وتحولات العلاقة بينهما أشبه ما تكون هذه المناقشات بالصدام المبطن بالاستعلاء. إيفا تمثل الغرب باستقلاليته، وعلومه، وعقلانيته. وأمجد يمثل التراجع الشرقي أمام عنفوان الحضارة التكنولوجية الغربية. فتفترض كقارئ أن "الحافر"، كعنوان للرواية، يوثق صعود الغرب، وتحولات العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب التي حفرت عميقا في وجدان الشعوب الشرقية، كما الحافر يترك آثاره في التربة الصلبة.
الخبرات الأخرى التي حفرت عميقا في ذاكرة أمجد، قصة حبه المأساوية مع نسرين العمّانية أثناء دراستهما في الجامعة، واضطراره بسبب ضيق ذات اليد، وواجب المسؤولية، وبعد رجاءات عاطفية حارة من والدتها، للتخلي عنها لتتزوج بشخص ميسور مغترب في أستراليا. ولكن الحنين يعود إليه وهو في مهمة في طهران، ويدفعه من جديد للاتصال بها في سيدني ثم استقبالها في اسطنبول، وبعد المعاتبات الحميمة، والبكاء الطويل يعودان لتذكر أيام حبهما في عمان. ولكن الزيارة تنتهي بالخلاف؛ وينسحب أمجد بحدة، وتعود نسرين حانقة إلى سدني.
وفي قصة حبه القصيرة في المغرب مع الأصيلية "بثينة" تشعر أنه وجد حبه الحقيقي، وأنه سينعم بالاستقرار العاطفي، لكنه من جديد، وبشكل مفاجئ غير متوقع، ينسحب بحدة وينهي العلاقة، وسط ذهول بثينة، واضطرابها.
مما يستحضر في الذهن فضاءات رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، ومعاناة بطل الرواية "مصطفى سعيد" من الشعور بالتهميش وفقدان الهُوية بعد هجرته من السودان للدراسة والعمل في لندن، مستعيدا في ذاكرته معاناة السودان من الاستغلال البريطاني، وجمال وطيبة ثقافة السودانيين. وهو بعكس ما يوحياسمه ليس بمصطفى، ولا بسعيد. فهو، بالرغم من محاولاته اليائسة للاندماج في الثقافة البريطانية اللندنية، ونسيان ثقافته السودانية الأصلية فإنه يغرق أكثر فأكثر في الهامشية والاغتراب. ويجد أنه لم يعد سودانيا، ولم يستطع أن يصبح بريطانيا بالرغم من نجاحه المهني واتقانه اللغة الإنجليزية. فيلجأ للوصول إلى توازن نفسي مناسب بإدمان العلاقات مع النساء البريطانيات، ربما ليعوض شعوره بالنقص، وربما لتحدي مواقف الاستعلاء الحضاري الذي يمارسنه معه. ولكنه ينتهي وبشكل لا شعوري للاستسلام لمشاعر الانتقام من إرث الاستعمار، وإثبات تفوقه الحضاري، إلى الانسحاب المفاجئ والدرامي من العلاقات العاطفية مع النساء اللاتي ارتبطن به، مما يدخل الحيرة والاضطراب إلى حياة العديد منهن، ويدفع بعضهن للانتحار.
ويعود مصطفى سعيد إلى قريته الصغيرة في السودان، بعد معاناته الطويلة في لندن، والاتهامات له بالقتل أو التسبب به للنساء. ويتزوج من "حسنة" الفتاة الريفية البسيطة، عله يستعيد طبيعته التقليدية السابقة، لكنه يفشل في ذلك، وينتهي بالانتحار في مياه الفيضان.
ويُدخل المؤلف القارئ الناقد، إلى حبكات الرواية وتفاصيلها ليشارك في اكتشاف سر "الحافر" ومعناه. 
وحين يعتقد كقارئ أنه اكتشف لغز "الحافر"، يفاجئه المؤلف من جديد بأن الحافر شيء آخر، خصوصا وأنه في الجزء الثالث من الرواية المعنون بـ"صمت القصور" يضع عنوانا فرعيا له، في بدايته، وهو "الحافر.. السّر". فيسعد القارئ بأن المؤلف سيشي إليه بالسر، لكنه لا يفعل. وفي نهاية الرواية يتأكد كقارئ، أو ناقد للرواية، أن الحافر ليس واقعا ماديا على الأرض، بل إنه الفراق الحزين للوطن والحبيبة؛ فهو الحافر الذي يترك آثارا في الذاكرة لا تمحى.
أحمد سلامة قريب من الناس، كما كان دوما وما يزال هنا في الآن، وهناك في الأمكنة والأزمنة الماضية، يحب الناس ويحبونه، يكتب عنهم ولهم، مهما تزايد العدد، وبعدت الأمكنة، وتنوعت. ويسرد عن عشرات الشخصيات السياسية، والأكاديمية، والتاريخية، والقرى والمواقع بحب وانتماء ووفاء مستثمرا في ذلك حصافته السياسية، وأسلوبه الذكي المشوب بالرومانسية، وروحه الاجتماعية، وملكاته الإعلامية ليبرز التميز النفسي- الاجتماعي لمن يكتب عنهم ومعهم عن أماكنهم، وأزمنتهم، ومعاناتهم، وإنجازاتهم. هل شارك هؤلاء جميعهم، كما الأمكنة في إنتاج هذه السردية الطويلة؟ إذ بالرغم من أن السارد، وهو نفسه المؤلف والكاتب، يعتبر بلغة النقد الأدبي من النوع المتحكم الذي يمسك بمفاصل النص، وحركة الشخصيات، والأحداث، وينتقي العلاقات، ويوجه التفاعلات. إلا أن هذه الشخصيات، وكذلك الأمكنة تشارك جميعها في السرد، إلى جانب الكاتب، خصوصا من خلال تقنيات "الفلاش باك". ذلك أن تقنية تعدد الشخصيات وتفاعلاتها، وتناوب تحركها بين الماضي والحاضر، وقد استثمرت بكثافة في السرد مشاركة جماعية بالفعل توصل الأصوات المتعددة لتضيف إلى السرد تجاربها، ومعاناتها الماضية والحاضرة، وتصوراتها حول الحياة والأحداث. كما تقدم رؤيتها المستقبلية في إطار المكانين الأردني والعربي، بل وأبعد من ذلك أيضا. فتقنية "تعددية الأصوات"، التي يعتبرها النقاد من معايير التحديث في الرواية والأدب عموما، تم استيعابها والاستفادة منها، بدمجها بتقنيات إعلامية مؤثرة، مما زاد قرب السرديات الأحمدية المتعددة من الناس، وإقبالهم عليها.