عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Oct-2026

انتخابات إسرائيل المصيرية: أمة على حافة الهاوية

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن مئير - (مدونة الكاتب) 20/10/2026
سوف تحسم الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ما هو أبعد بكثير من هوية الجهة التي ستتولى الحكم. فهي ستسهم في تحديد ما إذا كان البلد قادرا على استعادة أسسه الديمقراطية، وترميم مكانته الدولية، والوفاء بالوعد الذي قام عليه عند تأسيسه، أم أنه سيواصل السير في مسار يعرّض للخطر المستقبل نفسه الذي يزعم قادته أنهم يدافعون عنه.
 
 
قلّما شهد تاريخ إسرائيل انتخابات تنطوي على عواقب بهذه الدرجة من العمق والخطورة. وفيها سيواجه الإسرائيليون خيارا يتجاوز بكثير الولاء الحزبي: أيّ بلدٍ هو الذي سيتركونه لأبنائهم؟ بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وثلاث سنوات من الحروب المدمرة، أصبح أمن إسرائيل وطابعها الديمقراطي، والوعد الذي تمثّله بوصفها وطنا لليهود، شؤونا تتطلب كلّها مراجعة وطنية صارمة لا تستثني شيئا؛ مراجعة تواجه التآكل الديمقراطي الناجم عن تقويض القضاء، والاستحواذ على المؤسسات، وترهيب الصحافة، وقمع المعارضة، وحرمان الأقليات من حقوقها السياسية، وإطلاق يد السلطة التنفيذية بلا ضوابط، واستدامة الحروب، والعزلة.
تآكل المصداقية الأخلاقية
تستند شرعية إسرائيل إلى حق اليهود في تقرير المصير، وارتباطهم التاريخي بالأرض، والاعتراف الدولي بها. لكن الوعد الذي تمثّله بوصفها ملاذا آمنا لا يمكن فصله عن مسؤوليتها عن صون الكرامة الإنسانية. وقد قوّض الدمار الذي أحدثتهُ في غزة والانتهاكات في الضفة الغربية ذلك الوعد تقويضا بالغا. ينبغي للمعاناة اليهودية أن تكون حافزا لحماية الآخرين، وألا تُتخذ في أي يوم ذريعة للإعفاء من المساءلة.
تفاقم العزلة الدولية
عمّقت الحرب على غزة عزلة إسرائيل الدولية. وقد استدعت تشيلي وهندوراس سفيريهما، بينما قطعت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية معها. وأخذ شركاء أوروبيون تربطهم بها علاقات طويلة الأمد يبتعدون عنها، وعلّقت جامعاتٌ شراكات مؤسسية معها، واتسعت المقاطعات الثقافية. كما تراجع التأييد لها في الأمم المتحدة حتى بين أصدقائها التقليديين، في ما وسّع نطاق عزلتها ليتجاوز الدبلوماسية إلى الأوساط الأكاديمية والثقافية والمهنية.
 
تحالف أميركي إسرائيلي تحت الضغط
تتعرض العلاقة الأميركية الإسرائيلية لضغوط تكاد تكون غير مسبوقة. وعلى الرغم من استمرار قوة الروابط بين البلدين، فإن موطن الإنذار يكمن في الرأي العام؛ فقد أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين كانت لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل في آذار (مارس) 2026. ولا يمكن لإسرائيل أن تفترض بأمان أن التعاون الاستراتيجي والسياسي والعسكري والاقتصادي الراسخ سيظل بمنأى عن تنامي معارضة الرأي العام الأميركي لسلوك حكومتها.
اتساع نطاق الاعتراف بفلسطين
الآن، تعترف نحو 157 دولة عضوا في الأمم المتحدة بفلسطين، بما فيها إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وكندا. ولا ينشئ الاعتراف في حد ذاته دولة قادرة على أداء وظائفها، لكنه يشير إلى تزايد رفض استمرار الاحتلال إلى أجل غير مسمى، وإلى الإقرار بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ويتعين على قادة إسرائيل أن يدركوا أن معارضة كل مسار موثوق يفضي إلى قيام دولة فلسطينية تضع حكومتهم، وبشكل متزايد، في مواجهة قسم كبير من المجتمع الدولي.
شتات يهودي أكثر عرضة للخطر
كانت معاداة السامية ظاهرة سابقة لقيام إسرائيل، وتظل الجهات التي ترتكبها مسؤولة عن أفعالها. ومع ذلك، وفّرت الحرب على غزة ذريعة لمعاداة اليهود في أنحاء العالم، مع ارتفاع حاد في الحوادث المعادية للسامية في الولايات المتحدة بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر). ويتحمّل اليهود في الشتات تبعات صراع لا يملكون السيطرة عليه، بينما يتعرضون لضغوط تدفعهم إلى تقديم تفسيرات لأفعال إسرائيل والدفاع عنها. وتشير دراسة إسرائيلية في مجال الأمن القومي إلى تنامي الشعور بانعدام الأمن، والانقسامات الداخلية، وتراجع القدرة على حشد التأييد لإسرائيل. وبما أن إسرائيل أُنشئت لتكون ملاذا آمنا لليهود، فإنّ عليها أن تأخذ في الحسبان تأثير سياساتها على سلامة اليهود خارج حدودها.
إيران: مكاسب عسكرية وخطر مستمر
أظهرت الهجمات على إيران في حزيران (يونيو) 2025 وشباط (فبراير) 2026 قوة عسكرية هائلة، لكنها لم تُرسِ نظاما أمنيا إقليميا مستداما. ويؤكد رد إيران واستمرار صلاتها بشركائها المسلحين حجم الخطر: لم يؤد تقويض القدرات الإيرانية إلى القضاء على العداء. وعلى الرغم من فشل المحاولات الدبلوماسية الأميركية الإيرانية الأولية، تظل مواصلة الدبلوماسية ضرورة أساسية لأن استخدام القوة لن يُخضع إيران؛ وفي نهاية المطاف، يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل الاختيار بين التسوية والكارثة.
أعداء أُضعفوا ولم يتم القضاء عليهم
تلقّت "حماس" و"حزب الله" ضربات قاسية، لكنّ العقاب العسكري وخسارة القيادات لم ينجحا في محو الشبكة الأوسع من القوى المسلحة المعارضة لإسرائيل. وما يزال "حزب الله"، على وجه الخصوص، شريكا فاعلا لإيران، على الرغم من الانتكاسات الكبيرة التي مُني بها. ولذلك، ينبغي تقييم وعود نتنياهو على أساس النتائج القابلة للاستمرار وليس التصريحات التي يجري إطلاقُها في ميدان المعركة. ومن دون ترتيبات سياسية قابلة للتطبيق مع الفلسطينيين، لن تكون المكاسب العسكرية سوى فترات فاصلة بين الحروب بدلَ أن تكون أُسسا للسلام.
جيل فلسطيني بلا أمل
ينشأ الشباب الفلسطيني في ظل الاحتلال والتهجير والعنف وتلاشي الأفق السياسي. وتجعل هذه الظروف الذهاب إلى التطرّف شأنا حتميا؛ فهي تعمّق اليأس وتتيح للجماعات المسلحة فرصا لاستقطاب المجنّدين. ولا تستطيع إسرائيل تأمين مستقبل أطفالها بينما تعمل بنشاط على تدمير مستقبل الأطفال الفلسطينيين. ويتطلب أمن إسرائيل بديلا ذا مصداقية عن الهيمنة الدائمة والحروب المتكررة.
تعريض السلام مع الجيران العرب للخطر
يظل السلام مع مصر، الموقّع في العام 1979، ومع الأردن، الموقّع العام 1994، مكسبا إستراتيجيا وليس ترفا دبلوماسيا يمكن لإسرائيل الاستغناء عنه. وقد صمدت هاتان المعاهدتان، لكنّ الحرب الإقليمية وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم وممتلكاتهم يضعان التعاون تحت ضغوط متزايدة. وينبغي لإسرائيل أن تعزّز أسس القبول الإقليمي بها، وأن توسّع نطاق "اتفاقيات أبراهام" التي أبرمتها مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب بدلا من افتراض أن حكومات الدول المجاورة قادرة إلى أجل غير مسمى على عزل علاقاتها معها عن تبعات السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
عنف المستوطنين ومسؤولية الدولة
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية كثيرا ما يعملون معا ضد التجمعات الفلسطينية، بما في ذلك شنّ هجمات على الأسر وتدمير الممتلكات. إن الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين ليس أمرا محرجا على هامش المشهد؛ إنه يقوّض سيادة القانون تقويضا فادحا، ويسرّع تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. ويتعين على أي حكومة إسرائيلية تأخذ مستقبل بلدها على محمل الجد ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم قضائيا، وإنهاء الحماية الرسمية التي يتمتعون بها، والكفّ عن التعامل مع التوسع الإقليمي بوصفه خلاصا وطنيا.
هجرة جماعية مثيرة للقلق
وجدت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب أن نحو 269 ألف شخص هاجروا من إسرائيل خلال الفترة بين العامين 2023 و2025. ولا يرى هؤلاء مستقبلا واعدا لأنفسهم ولأطفالهم في البلد. وعلى الرغم من أن المهاجرين ليسوا جميعا بصدد مغادرة إسرائيل نهائيا، فإن عددهم يزيد بأكثر من الضعف على عدد الذين هاجروا إليها منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، والبالغ نحو 98 ألفا وفق التقديرات. ويتمثل مصدر القلق الأكبر في أن مغادرة الأطباء والمهندسين وغيرهم من أصحاب الكفاءات العالية تجري بمعدل يفوق بكثير مغادرة العمال غير المهرة، وهو ما يهدد رأس المال البشري الذي يعتمد عليه تطور إسرائيل ونموها وازدهارها.
اقتصاد يتحمّل أعباء الحرب
على الرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي أظهر قدرا من القدرة على الصمود، فإن العناوين التي تحتفي بالنمو تخفي ضغوطا خطيرة، من بينها ارتفاع الإنفاق الدفاعي وضعف النمو المحلي نسبيا. كما أن التعبئة العسكرية المطوّلة تُخرج العمال وأصحاب الأعمال من الحياة المدنية وتستنزفها. ولا تستطيع إسرائيل تحويل الكفاءات والموارد إلى المجهود الحربي المتكرر إلى أجل غير مسمى من دون المساس بالاستثمار والخدمات العامة والمستقبل الاقتصادي لمواطنيها.
مجتمع ينقلب على نفسه
يتجاوز الاستقطاب الحادثُ في إسرائيل حدود السياسة التقليدية القائمة على الانقسام بين اليمين واليسار ليشمل القضاء، والدين، والخدمة العسكرية وشرعية الحكومة نفسها. وقد أصبح انعدام الثقة عاملا ينخر أسس المجتمع ويقوّض تماسكه. ووفقا لـ"المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، فإن أقل من ربع المواطنين يثقون بالحكومة. ولا تستطيع أمة أن تحافظ على أمنها إلى أجل غير مسمى بينما يزداد اعتبار مواطنيها خصومَهم السياسيين أعداء دائمين بدلا من النظر إليهم بوصفهم إسرائيليين شركاء في الوطن.
صراع تزداد تسويته صعوبة
إن كل تجمع فلسطيني يتم تدميره وكل أسرة تفقد أحد أفرادها يجعل المصالحة مع الفلسطينيين أكثر صعوبة وبُعدا. ولا يمكن للاعتراف الدولي بفلسطين أن يكون بديلا عن السيادة الفعلية على الأرض، كما أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يستطيع انتزاع موافقة الفلسطينيين. ومن الواضح تماما أن إطالة إسرائيل أمد تأجيل الوصول إلى تسوية سياسية ذات مصداقية تجعل الصراع أكثر تجذّرا، وتزيد صعوبة الحفاظ على حق اليهود في تقرير المصير وعلى الحكم الديمقراطي معا.
إسرائيل أمام مفترق طرق
دفعت حكومة نتنياهو البلد إلى الاقتراب بصورة خطيرة من حافة الهاوية، وخانت الوعد الذي قامت عليه عند تأسيسها. ويتطلب تدارك الضرر غير المسبوق وصولَ قيادة جديدة تمتلك الرؤية والقوة والشجاعة للشروع في العمل الشاق اللازم للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، ومواجهة عنف المستوطنين، وإعادة بناء التحالفات، واستعادة المكانة الأخلاقية، وتقديم أفق سياسي ذي مصداقية للفلسطينيين.
في هذه الانتخابات المصيرية، يواجه الإسرائيليون خيارا: إما استبدال حكومة نتنياهو بقيادة تستطيع انتشال البلاد من حافة الهاوية وصياغة مستقبل اجتماعي وسياسي جديد؛ أو السماح بأن يصبح الضرر الذي ألحقه غير قابل للإصلاح.
 
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقا في الولايات المتحدة.
يشتهر بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي- الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذا للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. نشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.