الرأي -
لم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وحلفائها مجرّد خلاف تجاري حول رسوم جمركية أو أرقام في ميزان الصادرات والواردات.ما جرى، ويجري، منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة الدور الأميركي نفسه، وعن تصدّع غير مسبوق في بنية التحالفات الغربية التي شكّلت العمود الفقري للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
سياسات ترامب، القائمة على الإكراه الاقتصادي ومنطق "أميركا أولا "بصيغته الأكثر حدّة وتطرفا،لم تستهدف الخصوم وحدهم، بل طالت أقرب الحلفاء،كندا،وأوروبا، وحتى شركاء داخل حلف شمال الأطلسي. أزمة الرسوم الجمركية مع كندا، وما تبعها من مواقف أوروبية وفرنسية صلبة، ليست سوى العنوان الأوضح لمسار بدأ يهزّ الثقة في القيادة الأميركية، لا في قوتها فحسب.
المفارقة أن الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها بوصفها حامية للنظام الليبرالي العالمي، باتت اليوم تستخدم الأدوات ذاتها التي كانت تنتقدها (العقوبات و الضغط التجاري، والتهديد الاقتصادي)، ولكن هذه المرة ضد شركائها قبل خصومها.هنا تحديدًا، يبدأ الخلل البنيوي،
كندا، الحليف الأقرب جغرافيًا واقتصاديًا لواشنطن، وجدت نفسها فجأة في مرمى الرسوم الأميركية، من دون أي اعتبار لتاريخ الشراكة أو عمق المصالح المتبادلة.الرد الكندي لم يكن انفعاليًا، بل عقلانيًا واستراتيجيًا: إجراءات مضادة، خطاب سياسي جديد، وانفتاح محسوب على تنويع الشراكات، وفي مقدّمها الصين.هذه ليست قطيعة مع أميركا، لكنها رسالة واضحة: الاعتماد الأحادي لم يعد خيارًا آمنًا.
في أوروبا، وتحديدًا في فرنسا، جاء الموقف أكثر صراحة. إيمانويل ماكرون لم يكتفِ برفض الرسوم الأميركية، بل ذهب إلى جوهر المسألة حيث تحدث بشكل صريح عن رفض الهيمنة الاميركية،ورفض إدارة العلاقات الدولية بمنطق القوة والإملاء. هذا الخطاب ليس نزوة فرنسية او انفعال غير محسوب،بل هو قناعة اخذة في التبلور التدريجي داخل أوروبا ، والأوروبيون في أغلبهم باتوا ينظرون للتحالف مع واشنطن على أنه لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وأن أوروبا مطالبة ببناء قدر أكبر من الاستقلالية، أو على الأقل الاستعداد لسيناريوهات التنافر مع الحليف الأميركي.
وسط هذا المشهد، تقف الصين بهدوء لافت،لا خطابات نارية، ولا ردود انفعالية.بكين تدرك أن مكاسبها الكبرى لا تأتي من مواجهة مباشرة مع واشنطن، بل من مراقبة تفكك الثقة داخل المعسكر الغربي،فكل توتر أميركي–أوروبي، وكل خلاف أميركي–كندي، هو فرصة إضافية للصين لتقديم نفسها بوصفها شريكًا أكثر استقرارًا، وأكثر قابلية للتنبؤ بل حتى اكثر مصداقية ، حتى وإن لم كل ما سبق مثاليًا.
فالصين لا تراهن على هزيمة الولايات المتحدة في ساحة الاقتصاد العالمي،بل على محاصرته بتحالفات جديدة مع العالم الرأسمالي الغربي،وهذه التحالفات ستعمل على إنهاك نموذج قيادة واشنطن وتسلطها،فالدول لا تبحث عن قوة عسكرية فقط، بل عن شريك لا يغيّر قواعد اللعبة كل صباح، ولا يستخدم الاقتصاد كسلاح دائم في عالم مضطرب، فالاستقرار وترسيخ قواعد التعامل في العلاقات الدولية بات بعد "جنون ترامب" وتارجحه الدائم عملة نادرة وبكين تحاول احتكارها.
السيناريو الأرجح في المرحلة المقبلة ليس انهيار التحالف الغربي، بل إعادة تشكيله.أميركا ستبقى قوة كبرى، لكنها قد تجد نفسها أقل قدرة على فرض أجندتها، وأكثر اضطرارًا للتفاوض مع حلفاء باتوا يشكّكون في نواياها،وفي المقابل ستتقدّم أوروبا خطوة إضافية نحو الاستقلال النسبي، وكندا ودول أخرى ستواصل تنويع خياراتها، فيما تواصل الصين التمدّد الهادئ في الفراغات التي تخلّفها السياسات الأميركية المتقلبة.
الخطر الحقيقي على الولايات المتحدة لا يكمن في صعود الصين بحد ذاته، بل في خسارة أمريكا التدريجية لثقة حلفائها، فالقوة يمكن تعويضها، أما الشرعية القيادية، فإذا تآكلت، يصعب استعادتها.
ستُسجَّل أزمة الرسوم الجمركية وقضية غرينلاند،وما رافقها من صدامات سياسية، نقطة تحوّل تاريخية ، نقطة بدات فيها عنجهية ترامب تطلق النار بين رجليه وعلى حلفائه على حد سواء،ويبدو أن غرور القوة وسلوك الاستعراض الذي يسيطر على الرئيس ترامب سيدفعه نحو مزيد من التهور والخسارة، وبذلك يكون ترامب نجح في تطبيق شعار بديل لـ "أميركا اولاً" ، ألا وهو شعار "أميركا اولا ... ولكن بلا حلفاء".