الغد
مايكل ماغي* - (الإندبندنت) 2026/6/13
تكشف اضطرابات بلفاست عن تحوّل في هوية المستهدفين بالعنف من الكاثوليك الذين عانوا التمييز والاضطهاد في ماضي إيرلندا الشمالية إلى المهاجرين والأقليات العرقية اليوم، غير أن القوى المحركة لهذا العنف والأساليب التي يتغذى منها ما تزال تحمل شبهاً مقلقاً بما حدث آنذاك. فالعقيدة التفوقية ومنطق الإقصاء اللذان غذّيا مظالم الماضي يبدوان في طريقهما إلى إعادة إنتاج نفسيهما بصيغة جديدة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من انتقال إرث الانقسام والعداء إلى فئات أخرى، ولا سيما مع تصاعد النزعات المعادية للمهاجرين داخل بعض الأوساط الكاثوليكية أيضاً.
***
لم تكن الحرائق أكثر ما يبعث على القشعريرة في بلفاست في الآونة الأخيرة، بل ذلك الشعور بأن كل ما يحدث مألوف إلى حد بعيد.
بدأ الأمر على نحو خجول، وفق معايير بلفاست. وقد أُقيمت الحواجز، وأُغلقت الطرق، وأُحرقت حاويات القمامة. كما تصاعدت دوامات الدخان ثم تلاشت، مغطية المنازل بضباب رمادي خفيف. وكان كل ذلك يُرى من الجو، من خلال عدسة تستطيع، من ارتفاع ألف قدم، أن ترصد كل زاوية من زوايا شوارع المدينة.
خطر لي أن هذه هي الطريقة التي كانت قوات الأمن البريطانية تنظر بها إلى والديّ وأجدادي خلال فترة "الاضطرابات": من مروحيات كانت تطن فوق منازلهم في غرب بلفاست، وتراقبهم بكاميرات تشبه إلى حد بعيد هذه التي كنت أنظر من خلالها الآن.
ليتني أستطيع القول إن هذه ليست بلفاست التي نشأت فيها. لكن اجتياح حشود الموالين لبريطانيا شوارع المدينة ليس أمراً جديداً علينا. وهو يكاد يكون جزءاً لا يتجزأ من الحياة فيها. وباستثناء بضع سنوات خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الحالي، كانت هناك في العادة مَظلمة أو قضية ما تؤدي إلى شل أجزاء كاملة من المدينة. ولكن بدلاً من الخلافات على مسارات المسيرات، أو النزاعات المتعلقة بالأعلام، أو حتى الواقعة الفاضحة في العام 2001 عندما فرض الموالون حصاراً عنيفاً على مدرسة ابتدائية للبنات، أُعيد توجيه العنف المنظم نحو هدف جديد: المهاجرين وطالبي اللجوء.
نحو الساعة التاسعة مساءً [من مساء العاشر من حزيران (يونيو)]، بدأت الأمور في التصاعد. وتحولت التجمعات الصغيرة إلى حشود كبيرة متنقلة، وانسابت عبر الأزقة بين المنازل المتلاصقة بقصد واضح. وأُحرقت حافلة من نوع "غلايدر" في شرق بلفاست، وأُضرمت النار في سيارات متوقفة أمام المنازل في منطقة تايغرز باي. وحُطمت النوافذ، ورُكلت الأبواب لاقتحام البيوت. واستُهدفت منازل بعينها، أما المستهدفون في الشوارع فكان يُنظر إليهم بوصفهم فريسة مباحة في حال كانوا مختلفين عرقياً أو دينياً، أو حتى لو بدا أنهم كذلك.
بطبيعة الحال، كان المعتدون يحملون هواتفهم ويسجلون ما يحدث. وبالطبع وجدت تلك المقاطع طريقها إلى محادثاتي عبر "واتساب". وكان ما أثار دهشتي بشكل خاص هو مقدار الابتهاج الذي كانوا يشعرون به وهم يرتكبون أفعالهم، حيث كانت أصواتهم المنتشية تهتف: "أخرجوا الأجانب" و"اقتلوا جميع المسلمين". وكأنهم كانوا ينتظرون اندلاع هذا العنف، ولذلك استعدوا له.
تابعت البث المباشر لشبكة "سكاي نيوز" من بلفاست لنحو ساعتين. وكانت المشاهد من تصوير مروحية تتحرك ذهاباً وإياباً فوق المدينة، وترصد حشوداً من المراهقين يرتدي معظمهم ملابس سوداء ويغطون وجوههم، استعداداً لما سيصبح أسوأ ليلة من العنف المدفوع بالكراهية العنصرية في شمال إيرلندا منذ اضطرابات باليمينا قبل عام واحد تقريباً، في حزيران (يونيو) 2025.
فجأة، استدارت المروحية واتجهت شمالاً، وتحركت بسرعة ملحوظة نحو عمود من الدخان الرمادي كان يخيم فوق منطقة ليغونييل. كانت هناك منازل تحترق: منزلان عند نهاية صف من البيوت، ومنزل آخر على الجانب المقابل من الطريق. وكانت النيران تنتقل من منزل إلى آخر، فيما وقف حشد يضم نحو 200 شخص عند نهاية الشارع يتفرج.
وكانت عائلة، من بينها طفل صغير، قد أوصدت الأبواب على نفسها داخل منزل يبعد بابين عن ألسنة اللهب المستعرة. وشاهدتُ مجموعة من رجال الإطفاء وهم يطرقون باب المنزل ونافذته بعنف، ويصرخون عبر فتحة البريد، محاولين إقناع أفراد العائلة بالخروج. واختارت العائلة الانتظار حتى اللحظة الأخيرة، عندما كان دخان المنزل المجاور قد بدأ، بلا شك، في التسرب إلى منزلها. ولم يقرر أفرادها المغادرة إلا عندما أدركوا أن الذين يطرقون بابهم هم رجال الإطفاء. ولا يسعني إلا أن أتصور الخوف الحاد والمروع الذي عاشوه في تلك اللحظات، حين أُجبروا على الاختيار بين مواجهة حريق قد يلتهمهم ومواجهة الحشد الذي أشعله.
عندما شاهدت أفراد العائلة يهرعون في الشارع مبتعدين عن النيران، فيما كانت الأم تضم طفلها إلى صدرها، لم أستطع منع نفسي من التفكير في الماضي. فكرت في حشود الموالين لبريطانيا الذين دفعتهم العقيدة التفوقية نفسها إلى إحراق شارع كامل حتى تسويته بالأرض على طريق فولز في العام 1969.
كان الشارع يُدعى "بومباي ستريت"، وكان سكانه من الكاثوليك المنتمين إلى الطبقة العاملة، وقد أُجبروا على ترك منازلهم وتحولوا إلى لاجئين داخل بلدهم. وخلال شهر واحد، لقي ثلاثة آلاف آخرون المصير نفسه.
ولم تكن تلك حادثة استثنائية. فما يزال كثيرون يتذكرون المذابح التي جرت برعاية الدولة في السنوات الأولى التي أعقبت التقسيم، حين أُحرق 650 منزلاً، وهُجّر ثمانية آلاف شخص، وفقد ستة آلاف آخرون وظائفهم.
من الصعب تجاهل أوجه التشابه. فالأساليب التي يتبعها هؤلاء المتطرفون ذوو النزعة الفاشية مألوفة على نحو لافت. ولكن بدلاً من الكاثوليك، أصبحت الأقليات العرقية هي المستهدفة الآن.
من الضروري اليوم إدراك هذا التشابه. فعلى الرغم من أن الموالين لبريطانيا في المناطق ذات الغالبية البروتستانتية ارتكبوا معظم أعمال العنف التي شهدتها بلفاست في الفترة الأخيرة، فقد تصاعد العداء للمهاجرين أيضاً لدى بعض الكاثوليك. لكن هذه المشاعر، لحسن الحظ، لم تنتشر بينهم على نطاق واسع حتى الآن.
ما يزال التاريخ يرسم مسارنا. وكلما حدنا عنه، كان في وسعنا أن نعود إلى ما ورثناه من الماضي، وأن نتذكر آباءنا وأجدادنا وما بذلوه وكافحوا من أجله لكي لا نعيش المظالم التي عاشوها. كانوا ذات يوم أقلية ضعيفة بلا حماية في دولة طائفية سخّرت كل قوتها لتهميشهم. ووفاءً لهم، علينا أن نتصدى لهذه الصورة الجديدة من العقيدة المدمرة نفسها التي كانت قد طبعت حياتهم اليومية.
*مايكل ماغي Michael Magee: روائي وكاتب أيرلندي من بلفاست الغربية في أيرلندا الشمالية، وُلد ونشأ في بيئة عمالية تأثرت بالصراع السياسي المعروف بـ"الاضطرابات". درس في جامعة ليفربول جون مورز، ثم حصل على الدكتوراه في الكتابة الإبداعية من جامعة كوينز في بلفاست. اشتهر بروايته الأولى "قريبًا من الوطن" Close to Home التي صدرت في العام 2023، وتناولت قضايا الطبقة والهوية والعنف والإرث الاجتماعي في بلفاست. يُعد من أبرز الأصوات الأدبية الشابة في أيرلندا المعاصرة.