الإرهاق وشعور التقصير.. عبء يلاحق أمهات في زمن السوشال ميديا
الغد-ديمة محبوبة
"كنت أظن أن الأمومة سعادة نقية؛ قبلات على جبين طفل، ضحكات صغيرة تملأ البيت، تفاصيل بسيطة وعفوية يتصدرها الحب"؛ لكنها لم تتوقع أن يتحول النهار إلى ماراثون من المهام التي لا تنتهي، وأن يصبح الليل مساحة للبكاء الصامت وهي تتصفح صور الأمهات على "إنستغرام" و"تيك توك"؛ يقدمن وجبات مثالية، يلبسن أطفالهن ملابس متناسقة، ويتحدثن عن توازن نفسي واجتماعي وتربوي غير قابل للتشكيك.
شعرت علياء عبدالله أنها الوحيدة المتعثرة في عالم يفترض أن تتقنه بالفطرة.. هكذا حاولت أن تصف حياتها بعد الأمومة.
في زمن منصات التواصل، لم تعد الأمومة تجربة خاصة تعاش داخل جدران البيت، بل تحولت إلى مشهد عام، كغيرها من تفاصيل الحياة، أداء متواصل أمام جمهور غير مرئي، يصفق أحيانا ويدين أحيانا أخرى.
تقول روان، أم لطفل يبلغ عاما ونصف: "حين أنشر صورة لطفلي، أرتب كل التفاصيل حتى لا أبدو مقصرة. لا أريد تعليقات عن فوضى بيتي، ولا تساؤلات عن سبب عدم تحضيري كعكة عيد ميلاد مثل فلانة".
المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، تبين أن ضغوط الأمومة ازدادت بشكل لافت في الأعوام الأخيرة بسبب "معايير الكمال المصطنعة التي تروج لها منصات التواصل الاجتماعي، والتي تظهر الأم كأنها روبوت متعدد الوظائف؛ أنيقة، مرتبة، منتجة، حنونة، وصبورة بلا حدود".
وتضيف أن كثيرا من الأمهات يعانين من إرهاق ذهني شديد، لكنهن يخفينه خجلا من أن يتهمن بالفشل أو التقصير، خاصة في مجتمع قد لا يتعاطف مع الأم المتعبة.
هذا النوع من الإنهاك أصبح له توصيف نفسي معترف به في أدبيات علم النفس تحت مصطلح "Parental Burnout"، ويقصد به الإرهاق النفسي والجسدي الناتج عن ضغط متواصل في أداء دور الأب أو الأم، ويترافق مع أعراض، حسب الكيلاني، مثل الشعور بالذنب المستمر، ضعف التركيز، فقدان الهوية، ونوبات غضب غير مبررة.
ووفق دراسة نشرت في مجلة Clinical Psychological Science العام 2021، فإن واحدا من كل عشرة آباء وأمهات يعاني من أحد أشكال الاحتراق الوالدي، وتكون النسبة أعلى لدى الأمهات بسبب تعدد الأدوار الاجتماعية والثقافية المفروضة عليهن.
الكيلاني تسأل بشكل يومي من أمهات منهكات يحجتن الدعم، ويشعرن بالعجز، خاصة بعد الولادة الأولى.
وتقول الكيلاني "إن الأم حديثة الولادة غالبا ما تتعرض لتغيرات هرمونية ونفسية شديدة، وتكون بحاجة لدعم عاطفي حقيقي، لكنها بدلا من ذلك تواجه عبارات مثل (ليش مكبرة الموضوع؟ كلنا ربينا)، أو يطلب منها أن تكون ممتنة وألا تتذمر، وكأن التعب خيانة لصورة الأم المثالية".
من جانبه، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن الفجوة بين الواقع والتوقعات لدى الأمهات سببها "النموذج المثالي الذي يعاد تصديره باستمرار عبر الإعلانات والمحتوى المؤثر، الذي لا يظهر الفوضى الحقيقية خلف الكواليس".
ويضيف "لا أحد يظهر التعب، ولا الغضب، ولا الانهيارات في منتصف الليل. الكل يصور النهاية فقط بابتسامة الطفل، أو ديكور الغرفة بعد الترتيب".
ويؤكد "هذا ما خلصت إليه دراسة نشرتها جامعة University of Michigan العام 2022 حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأمهات، حيث تبين أن 62 % من الأمهات يشعرن بأن "الصور المثالية" على الإنترنت تزيد من إحساسهن بالتقصير، حتى لو كن يؤدين أدوارهن بجهد حقيقي".
أما ناديا، وهي أم لأربعة أطفال، فتقول بصراحة "أكره تلك المقارنات الخفية، أشعر أني لست كافية، مرة بكيت فقط لأنني لم أتمكن من عمل وجبة لطفلي مثل التي شاهدتها على الإنترنت، مع أن طفلي لم يهتم بذلك إطلاقا".
وتوضح أن مشاعر الذنب لا تنفصل عن مشاعر الفشل، وأنها منذ أن أصبحت أما، تشعر أن كل يوم هو اختبار، وكل تفصيلة تحت المجهر.
وتحذر الكيلاني من خطورة كبت هذه المشاعر، مؤكدة أن عدم الحديث عنها يعمق الإحساس بالعزلة، ويجعل الأمهات أكثر عرضة للاكتئاب أو الانهيار. وتقول "الإنهاك لا يعني الفشل، والاعتراف بالتعب لا يجعل منك أما سيئة، على العكس، الاعتراف هو أول خطوة للشفاء".
وفي المقابل، يدعو خزاعي إلى دعم الأمهات مجتمعيا، بتخفيف الأحكام، وتقديم المساعدة الحقيقية لا النصائح السطحية، وتطبيع الحديث عن الإرهاق والألم في الأمومة. كما يطالب بوجود مساحات آمنة للأمهات للتعبير، سواء على شكل مجموعات دعم، أو محتوى واقعي يعرض اليوميات كما هي، بلا تجميل.
ومن الجدير بالذكر أن منظمات صحية عالمية، مثل جمعية الطب النفسي الأميركية ومنظمة الصحة العالمية، بدأت تشير إلى أهمية تضمين الصحة النفسية للأمهات ضمن برامج الدعم الأسري، وأن الاحتراق النفسي المرتبط بالأمومة يستحق الاعتراف كحالة تتطلب تدخلا لا إنكارا.
وفي النهاية، أجمل ما يمكن قوله لكل أم مرهقة "إنك لست وحدك، وإن التعب ليس علامة ضعف، بل نتيجة طبيعية لتجربة مكثفة تستهلك كل شيء؛ الجسد، والعقل، والمشاعر، وأنت لست مطالبة بالكمال، ولا بأن تثبتي شيئا لأحد، يكفي أنك تحاولين، وهذا وحده كثير".