عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Aug-2025

المصورون الفلسطينيون ومقاومة السردية الصهيونية فوتوغرافي/ كريمة عبود وإيليا قهوجيان أنموذجاً

 الدستور-محمد حنون

 
في سياق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين التاريخية، لم تكن الكاميرا أداة توثيق بريئة، بل كانت سلاحًا من أسلحة الهيمنة. اعتمدت السردية الصهيونية، منذ بدايات المشروع الاستيطاني في أواخر القرن التاسع عشر، على التصوير الفوتوغرافي لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم أهدافها. ظهرت فلسطين في هذه الصور كأرض «فارغة»، «بلا شعب»، تنتظر «التحضّر» والاستيطان، بينما تم تهميش أو تغييب الوجود الفلسطيني المادي والثقافي والاجتماعي.
 
في مقالتي السابقة، ذكرت عدة أمثلة لأسماء مصورين ومصورات صهاينة، ساهموا في تزييف السردية البصرية الفوتوغرافية في فلسطين، ما قبل العام 1948. كانت صورهم بمثابة مفردات بصرية ممسرحة ومفتعلة، تسرد حكاية غير موجودة على أرض الواقع، وتخدم الأطماع الصهيونية الاستعمارية بأرض فلسطين.
 
في مقالتي هذه سأقوم بالتركيز على مواجهة هذا التزييف البصري المنظَّم، عبر استخدام الكاميرا كأداة مقاومة، وإعادة سرد للحقيقة الفلسطينية كما يراها أهلها ويعيشونها، وكما هي حقا على أرض الواقع.
 
اعتمدت الحركة الصهيونية في بداياتها على المصورين الأوروبيين والمستشرقين الذين صوروا فلسطين من منظور استشراقي استعماري، وقد أظهروها خالية من سكانها الأصليين، وكأرض خراب، أو كفضاء توراتي خالٍ من الحداثة. في الصور الأرشيفية للمهاجرين اليهود، كان يظهر «العامل اليهودي» النشط، الباني، المزارع، في مقابل «العربي الكسول»، أو المُهمّش بصريًا.
 
لم يكن ذلك صدفة، بل كان جزءًا من مشروع سياسي بصري هدفه تأسيس شرعية استعمارية على أرض مأهولة ووارفة بأهلها. هذا النمط من التصوير رسّخ في المخيال الغربي صورة أحادية لفلسطين، لا مكان فيها للفلسطيني الحيّ والمُنتج، أو حتى الإنسان.
 
في المقابل، نشأت منذ مطلع القرن العشرين، حركة تصوير فوتوغرافي فلسطينية مضادة. لم تكن حركة مؤسساتية، بل فردية. حمل أصحابها على عاتقهم هذه المواجهة. حملت هذه العدسة الفلسطينية وعيًا حادًا بخطورة التمثيل البصري الصهيوني، وسعت إلى استرداد السردية البصرية الوطنية من خلال الصور الفوتوغرافية.
 
قبل النكبة في عام 1948، شهدت فلسطين نشاطًا فوتوغرافيًا فلسطينياً معاكساً، رغم سطوة الاستشراق البصري المؤسساتي، والتي نشأت في الغرب وفي أروقة عمل الوكالة اليهودية.
 
كان التصوير الفوتوغرافي الفلسطيني آنذاك يمارس في الاستوديوهات التجارية أو كمهنة حرة، لتصوير الأعراس والمناسبات الاجتماعية، للعائلات المقتدرة. سرعان ما توسع الحراك الفوتوغرافي الفلسطيني في التوثيق البصري لفلسطين.  موانئ زاخرة بالقوارب وبالصيادين وبتجار الأسماك، وبسفن الترحال والسفر.  جامعات تعج بالطلاب والطالبات والمدارس كذلك. مسارح ومتاحف وأنشطة فنية ودينية. بالإضافة إلى الأماكن الأثرية والدينية، والبيوت العريقة العامرة بأهلها. حقول وبيارات ومزارع تمتلئ بالمزارعين والمزارعات. أسواق تعج بالناس وتتوزع فيها المتاجر المتنوعة. ناهيك عن التقاط العديد من الصور التي تعكس الزخم والتنوع الديموغرافي في المدن والقرى الفلسطينية، والانسجام بين جميع الفلسطينيين من شتى الأعراق والأديان.
 
تمكن المصورون والمصورات في فلسطين من إنتاج أرشيف بصري غني، أظهر مجتمعًا مدنيًا حيًا، وحداثة فلسطينية، تناقض الرواية الصهيونية عن «أرض بلا شعب».
 
دخل التصوير الفوتوغرافي إلى فلسطين، في أواخر منتصف القرن التاسع عشر، ومن ثم إلى كل الوطن العربي، على يد الأسقف الفلسطيني الأرمني، يساي كارابيتيان. أنشأ أول مدرسة لتعليم التصوير الفوتوغرافي الشمسي في الوطن العربي، في مدينة القدس - فلسطين. كان ذلك في الوقت الذي كان فيه التصوير الفوتوغرافي حكرا على المصورين الأجانب. درس في هذه المدرسة العديد من المصورين الفلسطينيين والعرب، فتخرج منها جيلا من المصورين الذين كانوا حجر الزاوية في مقاومة التزييف الصهيوني الفوتوغرافي.  
 
ومع تطور أدوات وأساليب التصوير، برزت المصورة الفلسطينية اللبنانية الرائدة كريمة عبود 1893 - 1940، والتي أنتجت - خلال عمرها القصير- ما يقارب التسعة آلاف مسودة زجاجية.
 
في البداية التقطت مئات الصور للفلسطينيات بملابسهن التقليدية المطرزة، ومع عائلاتهن. وهو ما شكَّل مركز عملها، لمقدرتها على تصوير النساء في مجتمع محافظ، لا يسمح لمصور بفعل ذلك. في خضم ظهور الصور التي كان المستشرقين، والمؤسسات الغربية، والوكالة اليهودية بإنتاجها، تنبهت كريمة لخطورة الأمر. فبدأت بتوسيع مركز عملها، وذلك بتصوير المتاجر العامرة، والمزارع المحيطة بالمدينة العتيقة، وبتصوير أفراح الناس، وملابسهم، ومزارعهم، وبيوتهم والقرى مع ناسها، وموانئ فلسطين في مدن الساحل الفلسطيني. صورت المدن الفلسطينية وحواضرها، جامعاتها ومدارسها، وتفاصيل تظهر حيوية المجتمع الفلسطيني، في كل نواحيه.  
 
تحولت كريمة عبود من مصورة خاصة، هاوية، إلى مقاومة للسردية الصهيونية الفوتوغرافية، وراحت تنتج الصورة بعد الأخرى لفلسطين وحضارتها. سعيًا لاستعادة الذاكرة الجمعية، وتفكيك الصور النمطية ومواجهتها، تلك التي صنعها الاستشراق الغربي والصهيوني. كان تركيزها في صورها على زخم الحياة الاجتماعية في فلسطين والوجود الفلسطيني العمراني.
 
عدستها لم تكتفِ بالتوثيق، بل قامت ببناء سردية بديلة، حساسة تجاه الخطاب البصري الصهيوني الكولونيالي. مفرداتها البصرية تراوحت ما بين الهوية الشخصية الفلسطينية بكل معطياتها ومقوماتها، وبين الجماعية في محيطها المدني والقروي، في آنٍ واحد. أظهرت كريمة الجرح الفلسطيني مبكراً، قدَّمت عبر صورها هواجس الفقد والغياب القادم، ولكنها أظهرت كذلك مواطن قوة السردية الفلسطينية، ومقدرتها على الصمود، ونسيج كرامتها، وجمالها التاريخي.
 
أما إيليا قهوجيان (1910-1999)، المصور الفلسطيني الأرمني، الذي وظف مشروعه الفوتوغرافي، بالإضافة للجانب المعيشي التجاري، في مواجهة الصور الاستشرافية الممسرحة لفلسطين. كانت طبيعة تصويره للأماكن توثيقية عميقة. اعتنى بالتفاصيل وبهوية الأمكنة بالارتباط مع سكانها الأصليين الفلسطينيين. قام بتصوير الأسواق العريقة، سواء في القدس أو في يافا وحيفا، مظهرا في كادر الصورة فلسطينيين يحيون هذه الأسواق.
 
في مرحلة ما، تنبه قهوجيان إلى أهمية تصوير الأماكن الأثرية التي تظهر الجانب التاريخي لفلسطين الكنعانية العربية الفلسطينية. فأنتج آلاف الصور من شتى مدن فلسطين وأسواقها، وإعتنى كذلك بتصوير المزارعين كعائلات وليس كعمال بالأجرة. كأصحاب أرض يتماسك نسيجهم العائلي الاجتماعي من خلال شجر الزيتون والبرتقال. كما اعتنى بتصوير المتاجر العريقة بوجود أجيال من العائلة نفسها، الذين يديرون هذه المتاجر. وهو الأمر الذي فعله قهوجيان بنفسه لعائلته، حيث التقط صورا لنفسه مع ابنه وحفيده في ستوديو التصوير (إيليا) في القدس المحتلة، والذي لا يزال قائما حتى اليوم.
 
هذا الاعتناء بإظهار تسلسل الملكية، سواء للمزارع أو البيارات أو المتاجر، وحتى البيوت العريقة، هو أمر كان مشتركا، بين كريمة عبود وإيليا قهوجيان، في بناء الوعي المعاكس ضد المشروع الصهيوني الهش، والذي وجد مكانا له في فلسطين، فقط من خلال آلة الموت وسفك الدماء والمؤامرات، وليس من خلال الحقائق التاريخية.  
 
المعركة البصرية اليوم لم تعد مقتصرة على المعارض والصحف، بل انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الفلسطينيون يصورون وينشرون لحظات القمع والاعتداء والقتل والذبح فور حدوثها. لم يعد الاحتلال وحده من يملك سلطة التمثيل، بل باتت الصورة الفلسطينية أداة محاسبة عالمية، ومساحة اشتباك سياسي مباشرة. هذه الصور التي ستكون بمثابة أدلة إدانة للقاتل ومن تواطأ معه، أو صمت على ما يحدث.
 
ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا: كيف نبني أرشيفًا فلسطينيًا مضادًا، لا يعتمد فقط على اللحظة الطارئة، بل يعيد سرد التاريخ، ويستعيد البعد الإنساني في حياة الفلسطينيين بعيدًا عن صورة الضحية الدائمة؟
 
إن مقاومة السردية الصهيونية لا تقتصر على البندقية أو الكلمة، بل تمتد إلى كل ما يمكن أن يُنتجه الوعي الفلسطيني بالمشروع الصهيوني التزييفي، وفي مقدمة ذلك الصورة. المصورون الفلسطينيون والفلسطينيات، بعدساتهم، في الماضي وفي الحاضر، يعيدون للواقع معناه، وللتاريخ صدقه، وللحقيقة عنفوانها، وللشعب حضوره في المشهد البصري العالمي. وكما أنهم يغيرون وجه العالم، ويمنحونه الفرصة لرؤية حقيقة الحكاية دون تزييف دام لمئة عام نيف. إنهم لا يصورون فقط ما يجري، بل يفتحون نوافذ للرؤية، للرواية، رواية الحكاية كما يليق بها، بصريا، ويفتحون نوافذ مشرعة لتأسيس جيل التحرير القادم، لا محالة.
 
*فوتوغرافي فلسطيني – أردني/ كوبنهاغن