عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Sep-2026

أميركا بعد 11 سبتمبر: 25 عاما من الخوف والحرب والمراقبة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جون دبليو. وايتهيد*؛ ونيشا وايتهيد* - (كاونتربنش) 11/9/2026
 
الآن، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، لا بد لنا أن نسأل: هل انتهى الكابوس الذي صنعه ذلك الحدث حقاً في أي وقت طوال هذه السنين؟
 
 
على مدى ربع قرن ظل الأميركيون محكومين بالخوف: الخوف من الإرهابيين والأعداء الأجانب؛ الخوف من المتطرفين في الداخل والخصوم السياسيين؛ والخوف من الهجوم التالي، والأزمة التالية، وحالة الطوارئ التالية.
وقد أفضى هذا الخوف إلى حروب بلا نهاية، ومراقبة جماعية، وشرطة مُعسكرة، ومحاكم سرية، واحتجاز إلى أجل غير مسمى، وقوائم مراقبة حكومية، وانتشار للقوات العسكرية داخل البلاد، ورئاسة دكتاتورية تتصرف بصلاحيات كان من المتعذر تصورها قبل 11 أيلول (سبتمبر).
واليوم، يتخيل الرجل الذي أُوكلت إليه هذه الصلاحيات الرئاسية المتطرفة في العصر الحديث نفسه -علناً- إمبراطوراً متربعاً على عرش يقود منه جيوشاً روبوتية، ويمطر أعداءه بالدمار، ويتعهد بأن يجعلهم يعيشون "كابوساً" لا ينتهي.
ربما تكون هذه الصور منفصلة عن الواقع -أو منفلتة منه. لكن صلاحيات الرئاسة ليست كذلك،
ولا الأسئلة التي يثيرها سلوك ترامب العلني الذي يزداد انفلاتاً حول ما إذا كان أي رئيس —وخاصة رئيساً متسلحاً بالصلاحيات المتراكمة لدولة الأمن القومي في مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)— مؤهلاً نفسياً ومزاجياً لممارسة هذه الصلاحيات.
وهنا تتقاطع ذكرى مناسبتين كبيرتين خاصتين لأميركا في العام 2026.
في الرابع من تموز (يوليو)، احتفلت أميركا بمرور 250 عاماً على "إعلان الاستقلال"، الذي وُلد من ثورة قام بها الأميركيون على الملك جورج الثالث وعلى نظام تركزت فيه سلطة مفرطة في يد حاكم واحد. وكانت في صميم ذلك الإعلان أطروحة جذرية بأن الحكومة تستمد صلاحياتها المشروعة من رضا الشعب.
وفي 11 أيلول (سبتمبر)، حلت ذكرى مرور 25 عاماً على الهجمات الإرهابية التي أودت بحياة نحو 3.000 شخص، وحطمت إحساس الأمة بالأمن، وأطلقت عملية توسع هائلة في سلطات الرئاسة والجيش والأمن القومي.
وإذن، بدأت أميركا بالتمرد على ملك. وبعد مئتين وخمسين عاماً، أنشأنا رئاسةً تتمتع باطراد بصلاحيات تشبه صلاحيات الملوك. والآن يترتب علينا أن نواجه سؤالاً غير مريح كان الآباء المؤسسون يدركون أبعاده جيداً: ماذا يحدث عندما توضع سلطة هائلة في يدَي شخص تصبح أهليته لممارسة هذه السلطة نفسها موضع تساؤل؟
لكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة الخطرة، علينا أن نعود إلى اللحظة التي منح فيها الخوف الحكومة الإذن بالشروع في تفكيك القيود المفروضة على سلطتها. وسيقودنا هذا المسار حتماً إلى 11 أيلول (سبتمبر).
بعد ربع قرن من ذلك اليوم، ما تزال ثمة أسئلة وشكوك جدية قائمة بشأن ما كان المسؤولون الحكوميون يعرفونه قبل الهجمات، والتحذيرات التي جرى تجاهلها، وما إذا كان بالإمكان فعل المزيد لمنعها، وما إذا كان قد أُتيح للشعب الأميركي في أي يوم الاطلاع على الرواية الكاملة لأحداث 11 أيلول (سبتمبر).
تستحق هذه الأسئلة التدقيق والبحث، لكن ذلك ينبغي ألا يحجب عنا ما نعرف أنه حدث بعد ذلك.
وبصرف النظر عن حقيقة ما كانت الحكومة تعرفه قبل 11 أيلول (سبتمبر)، فإنه لا يكاد يكون هناك أي خلاف حول ما فعلته الحكومة بعده. لقد استخدمت الهجمات والخوف الذي ولدته لتوسيع سلطاتها على الأميركيين بطريقة متطرفة.
بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 أيلول (سبتمبر)، تحولت "الحرب على الإرهاب" إلى حرب بلا نهاية؛ وتحولت حالة الطوارئ المؤقتة إلى وضع دائم؛ وأصبحت دولة المراقبة حاضرة في كل مكان؛ وتحولت الشرطة إلى قوة مُعسكرة؛ وتراكمت في يد الرئاسة سلطات كان من شأن مجرد تصوُّرها أن يثير رعب ثوار العام 1776. وهذه هي المفارقة الكبرى والمريرة لأميركا في عامها الخمسين بعد المئتين.
لقد أعلنّا استقلالنا عن حكومة أخضعت شعبها للعسكرة الدائمة، ولعمليات تفتيش تعسفية، ولضرائب غير مبررة، بلا تمثيل ذي معنى، طوّعته لإملاءات حاكم كان يعتبر نفسه فوق القانون.
مع ذلك، وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، أعدنا باسم الأمن القومي إحياء كثير من تلك الشرور نفسها ولففناها بالعلم الأميركي.
وما الذي اشتريناه حقاً مقابل خمسة وعشرين عاماً من التخلي عن الحريات في سبيل الأمن؟ إننا في الواقع لم نشترِ السلام. ولا الأمن. ولا الاستقرار المالي. ولا حكومة أقل تدخّلاً في حياة الناس.
وكان ما حصلنا عليه بدلاً من ذلك هو قانون "باتريوت"؛ ومراقبة جماعية؛ ومحاكم سرية وقوائم مراقبة حكومية؛ واحتجاز إلى أجل غير مسمى وتعذيب؛ وشرطة مُعسكرة؛ وحروب بلا نهاية وتريليونات الدولارات من الديون؛ ورئاسة تنفصل على نحو متزايد عن الكونغرس والمحاكم والقيود الدستورية. ومع ذلك، ما تزال الحكومة تُصِر على أنها في حاجة إلى مزيد من السلطة لحمايتنا. وهذا هو الفخ.
بعد خمسة وعشرين عاماً كاملة لم تنتهِ حالة الطوارئ -بل أصبحت هي الحكومة نفسها. وقد ورث كل رئيس جاء في هذه الفترة آلة دولة الأمن القومي التي نشأت في مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر). ووجد كل رئيس طرقاً جديدة لاستخدامها. وتقريباً لم يتم التخلي عن أي من الصلاحيات التي جرى انتزاعها باسم حالة الطوارئ طوعاً في أي وقت. ولا يظهر ذلك في شيء أكثر وضوحاً مما يظهر في العودة إلى الحرب الاستباقية.
بعد خمسة وعشرين عاماً من دخول الولايات المتحدة عقب 11 أيلول (سبتمبر) في دوامة من الحروب الاستباقية، والارتدادات العكسية، وحالة الطوارئ الدائمة، شنّ الرئيس ترامب حرباً استباقية أخرى على إيران من دون قيام الكونغرس بإعلان حرب.
وهكذا اكتملت الدائرة. فقد أعطانا 11 أيلول (سبتمبر) "الحرب على الإرهاب". وأعطتنا "الحرب على الإرهاب" حالة الطوارئ الدائمة. وأعطتنا حالة الطوارئ الدائمة الرئاسة الإمبريالية. وأعطتنا الرئاسة الإمبريالية حرباً أخرى.
لكن للحرب في الخارج طريقتها للعودة إلى الداخل. وكانت النتيجة بلداً أصبح فيه الخط الفاصل بين الجندي ورجل الشرطة، وساحة المعركة والحي السكني، والعدو الأجنبي والمشتبه فيه الداخلي، مَمحوّاً وغامضاً بشكل خطير.
كما تكررت الدورة المفرغة نفسها عندما يتعلق الأمر بالمراقبة. فما إن تحصل الحكومة على أداة حتى يكاد يكون من المتعذر أن تعيدها.
قبل خمسة وعشرين عاماً، تنبأ أسامة بن لادن بأن الحكومة الأميركية ستقود شعبها بنفسها إلى "جحيم لا يُحتمل وحياة خانقة".
وفي الحقيقة، لم يكن بن لادن هو الذي هزم أميركا ولا هو الذي يدمر الدستور. كنّا نحن من يفعل ذلك بأنفسنا.
كل مرة نقبل فيها برنامجاً جديداً للمراقبة لأننا خائفون، يموت شيء من التعديل الرابع من الدستور الأميركي. وكل مرة نتسامح فيها مع حرب جديدة لأنهم يقولون لنا إنها ستجعلنا أكثر أمناً، يموت شيء من القيود الدستورية المفروضة على شن الحروب. وكل مرة يتنازل فيها الكونغرس عن سلطاته وتحيل فيها المحاكم أمرها إلى "الأمن القومي"، يموت شيء من حكم القانون. وكل مرة نسمح فيها للحكومة بتحويل مجتمع أميركي آخر إلى ساحة معركة، يموت شيء من الحاجز الفاصل بين القوة العسكرية والحكم المدني.
وكل مرة نهز فيها أكتافنا بلا مبالاة ونقنع فيها أنفسنا بأن التعدي الأخير على الحريات مؤقت أو ضروري، أو أنه لن يُستخدم إلا ضد شخص آخر، يموت شيء من الدستور.
كما نوضح في كتابنا "أميركا ساحة معركة: الحرب على الشعب الأميركي" Battlefield America: The War on the American People، وفي نظيره الروائي "يوميات إريك بلير" The Erik Blair Diaries، هكذا تموت الحرية في بلد ما يزال يصف نفسه بأنه حر.
الآن، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على 11 أيلول (سبتمبر)، لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان الإرهاب يشكل أكبر تهديد لحرياتنا. وأصبح السؤال: هل أصبحت دولة الشرطة الأميركية نفسها هي التهديد الأكبر؟
 
*جون دبليو. وايتهيد John W. Whitehead: محامٍ دستوري ومؤلف، ومؤسس ورئيس "معهد رذرفورد". آخر كتبه "يوميات إريك بلير" The Erik Blair Diaries؛ و"أميركا ساحة معركة: الحرب على الشعب الأميركي" Battlefield America: The War on the American People.
*نيشا وايتهيد: المديرة التنفيذية لمعهد رذرفورد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America After 9/11: 25 Years of Fear, War, Surveillance and Permanent Emergency