عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Aug-2025

تقرير المجاعة*إسماعيل الشريف

 الدستور

حين يجوع الناس، لا يعودون يفرّقون بين الخير والشر؛ إنهم يبحثون فقط عن لقمة النجاة – أمين معلوف.
أصدرت لجنة مراجعة المجاعة، وهي لجنة فنية تابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الذي تديره منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالشراكة مع وكالات أممية ومنظمات إنسانية ودولية، تقريرًا كشف بوضوح أنّ المجاعة بلغت مرحلتها الخامسة في محافظة غزة، مع توقّع امتدادها خلال الأسابيع المقبلة إلى دير البلح وخان يونس. وأشار التقرير إلى أنّ الوضع في شمال غزة قد يكون أشد كارثية، غير أنّه لم يخضع للتحليل نظرًا لكونه شبه خالٍ من السكان.
وبناءً على هذا التقرير، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة أنّ غزة دخلت المرحلة الخامسة من المجاعة، وهي الأعلى والأشد خطورة في سلّم التصنيف. ففي هذه المرحلة ينعدم توفر الغذاء تمامًا، وتتجاوز نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال 30%، فيما ترتفع الوفيات إلى حالتي وفاة لكل عشرة آلاف شخص يوميًا. كما تعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها الغذائية حتى عند لجوئها إلى أقسى استراتيجيات التكيّف، من التسوّل إلى تناول النفايات.
ويؤكد التقرير أنّ هذه الكارثة من صنع الإنسان بالكامل، إذ دمّر الاحتلال ما بين 80% إلى 90% من البنية التحتية، ومنع دخول المساعدات، وأدى إلى انهيار الزراعة والصناعة المحلية، فضلًا عن انهيار النظام الصحي. والأرقام التي يسردها التقرير صادمة؛ فمتوسط استهلاك الفرد لا يتجاوز 1400 سعرة حرارية يوميًا، أي أقل من 66% من الحد الأدنى المطلوب، بينما يعاني أكثر من 80% إلى 90% من السكان فجوات غذائية حرجة، ويُضطر كثيرون إلى التسوّل أو أكل القمامة. أما الوضع الصحي فمأساوي، حيث تسجَّل نسب مرتفعة: 43% من السكان يعانون من الإسهال، و58% من الحمى، و49% من التهابات الجلد.
وتوصي اللجنة بوقفٍ فوري لإطلاق النار، بما يتيح وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية، مع إعادة هيكلة آليات توزيع المساعدات وضمان وجود رقابة مستقلة وشفافة تكفل وصولها إلى الفئات الأكثر ضعفًا.
لكن المأساة في غزة لا تحتاج إلى تقارير كي تثبت حقيقتها، فصور الجوعى وقصصهم المفجعة تملأ شاشات العالم، ومشاهد استشهادهم تُبَثّ حيًّا ومباشرة أمام أنظار الجميع. كما أنّ تصريحات القادة الصهاينة لم تُخفِ قط سياسة التجويع الممنهجة التي مورست منذ اللحظة الأولى للإبادة. فقد أعلن مجرم الحرب وزير الحرب غالانت أنّ الفلسطينيين «حيوانات بشرية» سيُحرَمون من الماء والغذاء. أما نتن ياهو فاستحضر من الذاكرة اليهودية إحدى أكثر القصص دموية، قصة «عماليق»، التي جاء فيها: «اذهبوا الآن وهاجموا عماليق، ودمّروا كل ما لهم، لا تعفوا عن أحد، اقتلوا الرجال والنساء والأطفال والرضع والبقر والغنم والإبل والحمير».
وفي السياق ذاته، صرّح وزير المالية المتطرّف سموتريتش، الذي أعلن مؤخرًا خططًا لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، عند مناقشة المساعدات المقدَّمة لغزة قائلًا: «لن يسمح لنا أحد في العالم بتجويع مليوني إنسان، حتى لو كان ذلك مبرَّرًا أخلاقيًا لتحرير الرهائن». لكنه كان مخطئًا؛ فالعالم شارك بالفعل في صناعة هذه المجاعة، إذ منح القادة الغربيون للاحتلال غطاءً دبلوماسيًا وأمدّوه بالسلاح، فيما عجزت وسائل الإعلام الكبرى عن التحلّي بالموضوعية، بل أسهم كثير منها في التستّر على جرائم الإبادة أو التهوين من فظاعتها.
ولئن كان متوقعًا أن يسارع نتن ياهو إلى نفي ما ورد في التقرير، فإن المدهش أن يهاجمه بحدة أكبر السفير الأميركي لدى الكيان، مايك هاكابي، الذي غرّد ساخرًا: «الأمم المتحدة تعلن عن المجاعة في غزة، بينما تقوم حماس بسرقة 92% من موادها الغذائية لبيعها».
من المفترض أن يدفع صدور هذا التقرير إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لإصدار قرار بإدخال المساعدات الإنسانية، غير أنّني أجزم بأن مجرد الترتيب لعقده سيواجه صعوبات جمة، إذ ستسعى الولايات المتحدة إلى تعطيله. وحتى إن عُرِض، فالأرجح أن نشهد الفيتو الأميركي المعتاد، بعدما سقطت كل القيم التي طالما روّجت لها واشنطن في وحل غزة، وفقدت تمامًا ما تبقّى من قوتها الناعمة.