عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2026

"خوارزمية الروح" لحسام اللحام.. ديوان يمزج الشعر بالذكاء الاصطناعي

 الغد-عزيزة علي

 يبرز الديوان الشعري "خوارزمية الروح: قصائد نثرية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي"، للشاعر والباحث الدكتور حسام اللحّام، والصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، بوصفه إحدى المحاولات التي تمزج بين الحس الشعري الإنساني وأدوات التقنية الحديثة في إنتاج النص.
 
 
كما يطرح هذا الديوان أسئلة نقدية وجمالية حول مفهوم الشعر ذاته، وعلاقة الشاعر بالأداة، ومدى قدرة الذكاء الاصطناعي على المشاركة في تشكيل النص الشعري، في ظل جدل متصاعد حول حدود الإبداع بين الإنسان والآلة.
أستاذ الأدب والنقد في إحدى الجامعات، الناقد الدكتور ناصر شبانة، كتب تقديما للديوان، يرى فيه أنه مع بروز ملامح الثورة الصناعية الرابعة ظهر ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي" (ذ.ص)، مثيرا دهشة واسعة وجدلا في الأوساط البشرية. وقد رافق ذلك سيل من الأسئلة امتزج فيها شيء من القلق، وربما السخرية، حول قدرة هذا الذكاء على منافسة الإنسان، بل التفوق عليه.
وتزامن مع هذا الجدل خطاب تحذيري غذّى المخاوف من هيمنة الذكاء الاصطناعي على إرادة الإنسان أو تمرّده عليه. وقد تجلت هذه الهواجس بوضوح في أعمال فنية صوّرت الآلة، وخاصة الروبوتات الذكية، قوة خارجة عن السيطرة قد تهدد الإنسان أو تقود إلى صراع معه، وصولا إلى تصورات متشائمة عن إمكان فناء الجنس البشري.
ويشير شبانة إلى أن الجدل بلغ ذروته عند الحديث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على الإبداع وكتابة الشعر. فقد ظل الشعر، عبر القرون، حكرا على الموهوبين من الشعراء، ممن يمتلكون ملكة خاصة تمكّنهم من إنتاجه، وهي ملكة لا تُكتسب بالشراء أو الإعارة. لذلك بقي هذا الفن عصيا على غيرهم مهما حاولوا محاكاته أو ادعاء امتلاكه، إذ إن الموهبة هي الشرط الجوهري للدخول إلى عالم الشعر.
وبقدر قوة الموهبة تتفاوت جودة القصائد؛ لذلك اختلف الشعراء في مستوياتهم، وانتسب كل منهم إلى طبقة شعرية بعينها. ويُعزى هذا التفاوت أساسا إلى قوة الموهبة أو ضعفها، ثم إلى عوامل أخرى مثل الثقافة والممارسة والمران والدربة.
ويرى شبانة أن أكثر ما كان يشكل عائقا أمام المبدع هو القدرة على بناء الموسيقا الداخلية للنص، والإحاطة بأوزان العروض وصياغة الكلام ضمن قوالبها؛ إذ غدت هذه القدرة معيارا فارقا في الانتماء إلى عالم الشعر. فمن امتلك زمام الإيقاع وتمكن من تطويع البحور العروضية عُدّ شاعرا، أما من عجز عن ذلك فلم يكن له أن يدّعي الشعر أو ينتسب إلى أهله.
فالشعر، كما يشير شبانة، ليس مجرد قوالب عروضية أو إيقاعات موسيقية، بل هو بناء جمالي يقوم على الصورة، ويستند إلى عناصر أخرى تتجاوز الوزن. وهذه الرؤية تتيح فهما أوسع لإمكانات الذكاء الاصطناعي حين يكتب الشعر؛ فمتى ما قدم هذا الذكاء عناصر جمالية متكاملة، وأشبع الحاجة الإنسانية للتعبير بلغة رفيعة، وارتقى باللغة من بعدها النثري إلى فضائها الشعري، أمكن النظر إلى نتاجه بوصفه شعرا، بغض النظر عن الجهة التي أنتجته.
وعبر التاريخ اعتدنا أن نولي اهتماما بالشاعر أكثر من النص، وأن نربط القصيدة بصاحبها ربطا شديدا، حتى إن النقد التقليدي انشغل طويلا بسيرة الشاعر وظروفه وأسباب القصيدة، في محاولة لقراءة النص بوصفه امتدادا لحياة قائله. وقد أدى هذا التوجه أحيانا إلى الخلط بين الشخصية الواقعية للشاعر وشخصيته النصية المفترضة داخل العمل، وهو ما أفضى إلى بعض التعميمات والأحكام التي لا تستند دائما إلى جوهر النص نفسه.
وفي هذه المجموعة الشعرية التي أعدها الشاعر حسام اللحّام، ثمة انتقال من منظومة الذكاء الاصطناعي إلى منظومة الإلهام، بوصفها المحرك الأول للقصيدة كما وصفها النقاد قديما وحديثا. فالشاعر، في هذا التصور، يرتبط عضويا بلحظة الإلهام الغامضة والنادرة؛ ينتظرها بشغف، ويهيئ لها أسباب الحضور، محاولا خلق الأجواء الملائمة لاستدراجها. غير أن هذه اللحظة قد تتأخر أو تتمرد، وقد لا تأتي أبدا؛ فتظل الرغبة في الكتابة قائمة، والإمكانات متوافرة، لكن غياب الإلهام يفسد القصيدة ويترك الشاعر حائرا أمام فرح مؤجل.
ويقول شبانة إن لحظة الإلهام ظلت معضلة لدى الشعراء؛ إذ تُعد المحرك الأساس لكتابة النص، وفيها تتكامل طاقات الشاعر لتتشكل القصيدة على نحو غامض. وغيابها كان سببا في موت كثير من القصائد قبل ولادتها أو إجهاضها في بداياتها، كما أن انقضاءها قبل اكتمال النص ظل مصدر قلق دائم؛ إذ قد تترك الشاعر في منتصف الطريق عاجزا عن الإتمام، فتغدو القصيدة مبتورة مشوهة.
ويضيف شبانة: مع ثورة الذكاء الاصطناعي، لم يعد الشاعر خاضعا لسطوة لحظة الإلهام، ولا لتلك الهواجس التي لازمته قرونا؛ من ترقب حضورها، والتعلق بها، والخوف من تأخرها أو انطفائها قبل اكتمال القصيدة. تلك المخاوف التي شكلت عبئا دائما على التجربة الشعرية تبدو اليوم في طريقها إلى الزوال.
ويحل الذكاء الاصطناعي بديلا عمليا لتلك اللحظة؛ إذ يخفف من حدة هذه الصعوبات، ويمنح الشاعر قدرة أكبر على السيطرة على عملية الكتابة. فما عليه إلا أن يُحسن توجيه هذه المنظومة حين تتوافر لديه فكرة أو عاطفة، فيغذيها بما يريد التعبير عنه من رؤى وأفكار، لتتشكل قصيدة خلال وقت وجيز. ومع ذلك، تبقى مهمة المراجعة والتقويم ضرورية، من خلال توجيه الأداة نحو التعديل والتصويب حتى تستقيم القصيدة وتكتمل.
ولم يعد الشاعر بحاجة إلى تهيئة استثنائية أو انتظار طويل؛ إذ يمكنه الكتابة والتعديل في أي وقت، مع حرية مستمرة في التنقيح والتطوير حتى تبلغ القصيدة صورتها النهائية.
إن الأمر بات مرهونا بإمكانات الذكاء الاصطناعي، التي تشهد نموا متسارعا، وقد تتفوق على القدرات البشرية بأضعاف. وسيجد الشاعر نفسه مضطرا إلى الإفادة منها، كما أفاد سابقا من الآلة الحاسبة؛ فبفضلها لن تعود القصيدة عصية، ولن يضطر إلى معاناة البحث المضني عن كلمة غائبة أو الالتجاء إلى طقوس خاصة للكتابة. بل ستنساب الكلمات والتعابير بغزارة، مدعومة بقدرة هذه الخوارزميات على اقتراح الأدق والأجمل.
وشاعر الذكاء الاصطناعي هو شاعر القصيدة الجديدة؛ يمتلك الرؤية والموهبة، ويستعين بأدوات الحاسوب ليصل بسرعة إلى ما كان يتطلب سابقا جهدا ووقتا كبيرين. أما مسألة مشروعية ذلك، فجديرة بالتأمل؛ إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يبتكر من فراغ، بل يستند إلى نتاج شعري راكمه البشر، فتغدو القصيدة أقرب إلى حالة من "التناص الناعم" التي تتبدى كأثر خفيف في نسيج النص.
وهكذا، فبدل الاتكاء على ذاكرة محدودة لاستحضار المفردات والصور، يتيح الذكاء الاصطناعي للشاعر أفقا أوسع من البدائل، يمكنه من التعبير عن رؤيته بأريحية ومن دون عناء يُذكر. وما الضير في الإفادة من هذه الإمكانات، ما دامت الرؤية رؤيته، والجهد جهده في استنطاق اللغة عبر أدوات العصر؟
إن للشاعر مشروعية كاملة في هذا النمط الجديد من الكتابة؛ إذ يبذل جهدا واعيا في توجيه الذكاء الاصطناعي واستدراجه لإنتاج ما يعبّر عن رؤيته وفق شروطه الجمالية، ثم يتولى مراجعة الناتج وتعديله. وفي المحصلة، لا يعني القارئ من أنتج النص بقدر ما يعنيه النص ذاته، في ضوء ما رسخته نظرية "موت المؤلف" في النقد الحديث.
ولم تكن هذه المجموعة لتظهر على هذا النحو لولا حضور شاعر حقيقي يقف خلفها؛ يسأل فيُجاب، ويطلب فيُعطى، ويوجه ويصحح ويعدل حتى يبلغ النص صورته المنشودة. لذلك نحن أمام نصوص مهمة تستوفي شروط الشعرية، وأول هذه الشروط في شعر الذكاء الاصطناعي أن يكون وراءه شاعر متمكن، قادر على إدارة العملية الإبداعية؛ من بلورة الرؤية وبثها في أدوات التقنية، إلى صقل النص وتقويمه.
وخلص شبانة إلى أن قصائد هذه المجموعة جاءت محققة لعناصر الشعرية؛ من بناء لغوي متماسك، وتراكيب حية، وصور بلاغية، ومعمار إيقاعي ينسجم مع طبيعة قصيدة النثر. ولعل في ذلك مدخلا لتجديد هذا الشكل الشعري بعد ما أصابه من تعثر، إذ استطاعت النصوص أن تفرض شعريتها من دون الاتكاء على الإيقاع التقليدي، محلقة بجوهرها الفني الخالص. فليس كل نص موزون جديرا بلقب الشعر، كما أن نصوصا غير موزونة قد تستحق هذا اللقب بجدارة.