الدستور
«الأرقام لا تكذب، لكن الكاذبين يجيدون الحساب.» كارول رايت، عالم إحصاء.
تُظهر وسائل الإعلام مظاهرات يومية للصهاينة في فلسطين المحتلة، يطالبون بوقف المجزرة والتوصل إلى صفقة شاملة تعيد محتجزيهم. وتبرز المعارضة الصهيونية، إلى جانب عدد من المحللين، في تصريحاتهم بأن الرأي العام الصهيوني منقسم، وأن هذه المظاهرات تمارس ضغطًا على نتنياهو. غير أنّ الوقائع حتى هذه اللحظة تؤكد أن الضغوط الداخلية لم تؤثر في قراراته، ما يدل دلالة قاطعة على ضعفها وانعدام قيمتها الفعلية.
ولقطع الشك باليقين، عدتُ إلى استطلاعات الرأي العام التي تُجرى في الكيان حول حرب الإبادة الدائرة في غزة. ففي كانون الأول/ديسمبر 2023، أفاد 81% من الصهاينة بأنّ على جيشهم أن يأخذ القليل فقط من الاعتبار لمعاناة السكان المدنيين، وذلك وفقًا لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي. ولم تتغيّر هذه النسبة بعد ثلاثة أشهر عندما طُرح عليهم السؤال نفسه مجددًا.
وفي شباط/فبراير 2024، سأل معهد الديمقراطية عن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة عبر هيئات دولية غير مرتبطة بالأونروا أو حماس، فعارض 68 % من الصهاينة السماح بدخولها. وقبل ذلك بشهر، طرحت القناة 12 العبرية السؤال نفسه، فجاءت النتيجة برفض 72% إدخال المساعدات الإنسانية.
وفي نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو الشهر الذي قتل فيه الكيان 1900 طفل في أكثر من 600 غارة، رأى الصهاينة – وفق استطلاع أجرته جامعة تل أبيب – أن هناك استخدامًا محدودًا للقوة النارية.
كانت هذه الاستطلاعات قد أُجريت مباشرة بعد طوفان الأقصى، حين كان الصهاينة يعيشون حالة صدمة، وقد استمعوا إلى الروايات المروّعة عن الاغتصاب، وحرق الأطفال، وقطع الرؤوس، التي روّج لها الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن، إضافة إلى مزاعم بقر البطون التي تبيّن لاحقًا أنها كاذبة. كان من المفترض أن يخفف انكشاف هذه الأكاذيب من غضب الصهاينة، خاصة مع وضوح الأدلة على ارتكاب كيانهم إبادة جماعية وقتلًا عشوائيًا للمدنيين، لكن الصورة لم تتغير.
وفي آذار/مارس 2025، أجرى معهد «جيوكارتوغرافي» استطلاعًا شمل 1005 صهاينة، أظهر أن 82% يؤيدون طرد الفلسطينيين من غزة، فيما وافق 56% على طرد العرب الذين يعيشون في فلسطين المحتلة عام 1948. والمفارقة أن 70% من الصهاينة العلمانيين أيدوا هذه السياسة، مقابل 90% من الحريديم. كما وافق 47% من المشاركين على العبارة التالية: «عند غزو مدينة للعدو، يجب على الجيش أن يتصرف كما فعل بنو إسرائيل في أريحا تحت قيادة يشوع، بقتل جميع سكانها»، وكان من بين هؤلاء 31% من العلمانيين.
وفيما يتعلق بالمحتجزين، فقد أظهر استطلاع في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أن 49% يرون إطلاق الأسرى الهدف الأهم، فيما اختار 32% القضاء على حماس، و10% فقط فضّلوا استعادة الردع، وذلك وفقًا لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي.
وقبيل اجتياح رفح في أيار/مايو 2024، فضّل 62% من الصهاينة إتمام صفقة تبادل أسرى كأولوية، بينما اختار 31.5% غزو رفح. وفي الشهر التالي، فضّل 56% وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار يتيح الإفراج عن بعض الأسرى، وهو النهج الذي اتبعه نتنياهو على مدى عامين من الإبادة.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، أظهر استطلاع أن 57.5% يؤيدون إنهاء الحرب عبر صفقة شاملة، مقابل 12% يفضّلون وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، و23% يفضّلون هدنة مؤقتة مرتبطة بصفقة. ثم ارتفعت نسبة المؤيدين لوقف إطلاق النار إلى 60% من أنصار ائتلاف نتنياهو، و89% من ناخبي المعارضة، وذلك وفقًا للقناة الثانية عشرة.
وفي أحدث الاستطلاعات في تموز/يوليو 2025، كشف معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 79% من الصهاينة لا تعنيهم المجاعة في غزة. كما أظهرت سلسلة استطلاعات أجراها معهد INSS أن 71% من اليهود يريدون صفقة، فيما اعتبر 61% أن عودة المحتجزين تمثل النصر، ورأى 19% أن ضم غزة أو إعادة الاستيطان فيها هو النصر، بينما وافق 8% على أن تتولى السلطة الفلسطينية إدارة القطاع.
كما أظهر استطلاع أجرته جامعة بنسلفانيا في آذار/مارس 2025 أن 82% من الصهاينة يدعمون طرد سكان غزة.
وبعد هذه الأرقام، يمكن تلخيص الرأي العام الصهيوني في أنه يفضّل إنهاء الحرب، لكن إن لم يتحقق ذلك، فإنه يرى أن من حق الجيش أن يفعل ما يشاء بالمدنيين، محمِّلًا المسؤولية كاملة لحماس وحدها. وهذا المنطق المريض سمح للصهاينة بالتنصّل من أي شعور بالذنب تجاه الإبادة، وطالما أنهم يرفضون الاعتراف بأنهم حوّلوا غزة إلى مكان غير قابل للحياة وحرموها من الغذاء، فلن تكون هناك أي حاجة – في نظرهم – لإنهاء الإبادة.
ويُعبّر غالبية الصهاينة عن عدم تأثرهم بمعاناة غزة ومجاعتها، وبشكل عام تحظى سياسات نتنياهو وعصابته المجرمة بتأييد واسع بينهم، بما في ذلك المقولة الداعية إلى قتل جميع السكان.
لذلك نصل إلى قناعة مفادها أنّ أي تصوير لوجود ضغوط داخلية على نتنياهو هو محض كذب، قد يكون سببه الجهل – إذا افترضنا حسن النية – أو محاولة تحميل وزر الإبادة لنتنياهو وحده، وتنزيه الشعب الصهيوني الذي يُراد إظهاره بريئًا من الدم، لتعود بعدها العلاقات بينه وبين العالم إلى سابق عهدها، وتعود تلك الدولة المجرمة لتتزيّا بلباس «حمامة السلام».