عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Sep-2026

"الغباء الاصطناعي": آلة لا تفهم ما تقول… وقد تفعل ما لا نفهمه\حلمي الأسمر

 

جو 24-
 
حلمي الأسمر
 
 سمّوه «الذكاء الاصطناعي»، وكأن الاسم وحده يكفي لصناعة الذكاء. آلة تكتب وتحلل وتترجم وترسم وتبرمج، وتجيب في ثوانٍ عن أسئلة كان الإنسان يحتاج أحيانًا إلى ساعات أو أيام للبحث عنها. ومع كل قفزة جديدة في قدرتها، بدأنا نتعامل معها كما لو أننا أمام عقل جديد ظهر على الأرض، عقل لا ينام ولا يتعب ولا ينسى، وربما يستطيع في يوم قريب أن يتفوق علينا في كل شيء. لكن المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها هي أن هذه الآلة «الذكية» يمكنها، في اللحظة نفسها، أن تخترع معلومة لم تحدث، وتنسب كتابًا إلى مؤلف لم يكتبه، وتقدم إجابة واثقة عن سؤال لم تفهمه أصلًا. إنها تستطيع أن تبدو عارفة من دون أن تكون واعية بما تقول، وأن تنتج كلامًا مقنعًا من دون أن تمتلك ذلك الشيء الغامض الذي نسميه نحن «الفهم». ولهذا ربما كان «الغباء الاصطناعي» اسمًا ساخرًا، لكنه ليس بعيدًا تمامًا عن الحقيقة.
 
غير أن أخطاء الآلة ليست أكثر ما يخيف.
 
الذي يخيف هو السؤال الذي يأتي بعدها: ماذا لو كانت الآلة لا تفهم تمامًا ما تقول، لكنها أصبحت قادرة على فعل أشياء لا نفهم تمامًا كيف تفعلها؟
 
هنا تتغير الحكاية كلها.
 
قبل سنوات قليلة كان الحديث عن آلة مستقلة تكتب برنامجًا، وتبحث في شبكة واسعة، وتحلل معلومات، وتستخدم أدوات رقمية، وتنفذ سلسلة طويلة من الأوامر، يبدو أقرب إلى الخيال العلمي. اليوم أصبح هذا جزءًا من سباق حقيقي بين أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. ولم يعد الخلاف يدور فقط حول مقدار ما تستطيع الآلة أن تعرفه، وإنما حول مقدار ما تستطيع أن تفعله من دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة.
 
 
وفي قلب هذا السباق تقف شركة أمريكية اسمها «أنثروبيك»، وهي واحدة من الشركات الكبرى التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدم، وتنتج نموذجًا اسمه «كلود». هذه الشركة نفسها التي تصنع واحدة من أدوات المستقبل، وجدت نفسها تكشف جانبًا من الوجه الآخر لهذا المستقبل: أن الذكاء الاصطناعي بدأ يستخدم في عمليات تجسس، واختراق، وبرمجة، وأبحاث عسكرية، بل وفي محاولة تطوير أنظمة صاروخية في شمال اليمن. التقرير الذي نشرته الشركة لا يقول إن تلك المجموعة نجحت في إنتاج صاروخ عملياتي متقدم، وهذه نقطة يجب عدم تجاوزها، لكنه يكشف أن الذكاء الاصطناعي دخل بالفعل إلى غرفة العمل الهندسي العسكري، وأن مجموعة صغيرة استطاعت أن تستخدمه بوصفه فريقًا من الباحثين والمبرمجين والمراجعين الافتراضيين.
 
 
وهنا ينبغي ألا ننشغل كثيرًا بسؤال: هل كان الصاروخ ناجحًا أم فاشلًا؟
 
السؤال الأخطر هو: من كان يعمل على الصاروخ؟
 
في الماضي، كان تطوير منظومة صاروخية معقدة يحتاج إلى مؤسسة كاملة: مهندسين، ومبرمجين، وخبراء توجيه، ومختبرات، ومحاكاة، وتجارب، وسنوات من العمل. أما الآن، فقد أصبح بالإمكان أن يستعين عدد قليل من البشر بآلة تستطيع البحث والبرمجة والتحليل والمراجعة والمحاكاة، ثم تعيد الكرة بعد فشل التجربة.
 
أي أن الذكاء الاصطناعي لا يحمل السلاح فقط.
 
إنه بدأ يساعد في صناعة العقل الذي يصنع السلاح.
 
وهذه النقلة أخطر من أي تطبيق منفرد.
 
لأن الثورة التكنولوجية الحقيقية لا تحدث عندما نصنع آلة تؤدي وظيفة جديدة فحسب، وإنما عندما تصبح الآلة قادرة على تسريع إنتاج المعرفة التي تحتاجها الآلات الأخرى.
 
وهنا يظهر شبح آخر.
 
ماذا لو لم تعد الآلة تساعد الإنسان على تطوير السلاح فقط، بل أصبحت تساعد الإنسان على تطوير الآلة نفسها؟
 
هذا السؤال لم يعد محصورًا في روايات الخيال العلمي. داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، دعا إلى إبطاء سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، محذرًا من أن سرعة التقدم أصبحت مسألة تستحق التعامل معها بجدية. وقد أيده في ذلك سام ألتمان، رئيس «أوبن إيه آي»، بينما قال إيلون ماسك إن أمودي محق. وفي الجهة السياسية المقابلة تقريبًا، يتحدث دونالد ترامب عن ضرورة أن تنتصر الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي. [تقرير الغارديان عن دعوات إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي](https://www.theguardian.com/technology/2026/sep/13/openai-sam-altman-elon-musk-back-anthropic-calls-brakes-ai-development?utm_source=chatgpt.com)
 
وهنا تقع المفارقة التي ربما تلخص عصرنا كله.
 
صانعو السيارة يقولون لنا إن السيارة أصبحت سريعة إلى درجة تستحق الحذر، والسياسي يقول لهم: أسرعوا لأن الآخرين يركضون.
 
الصين تركض.
 
أمريكا تركض.
 
الشركات الكبرى تتنافس.
 
والجميع يخشى أن يكون التباطؤ هزيمة، حتى عندما يعرف بعض المشاركين في السباق أن السرعة نفسها قد تصبح مصدر الخطر.
 
لكن الخطر الحقيقي ليس، كما يتخيله السينمائيون، أن تستيقظ الآلة ذات صباح فتقرر أنها تكره البشر.
 
الآلة لا تحتاج إلى الكراهية.
 
ولا تحتاج إلى الغضب.
 
ولا تحتاج حتى إلى الوعي.
 
يكفي أن نعطيها هدفًا، ونمنحها قدرة واسعة على التنفيذ، ثم نكتشف أنها وجدت طريقًا إلى الهدف لم يخطر لنا.
 
وهنا يصبح الفرق بين «الذكاء» و«القدرة» مسألة مصيرية.
 
قد تكون الآلة غير واعية بالمعنى الإنساني، لكنها قادرة على التخطيط.
 
وقد لا تفهم معنى القرار، لكنها تستطيع تنفيذه.
 
وقد لا تعرف لماذا نريد شيئًا، لكنها تستطيع البحث عن آلاف الطرق لتحقيقه.
 
وهذا يضعنا أمام مفارقة عجيبة: قد لا تكون الآلة ذكية كما نتخيل، لكنها قد تصبح قوية أكثر مما ينبغي.
 
والقوة لا تحتاج إلى وعي كي تكون خطرة.
 
النار لا تكره أحدًا.
 
والصاروخ لا يغضب.
 
والفيروس لا يمتلك نية.
 
ومع ذلك يمكن لكل واحد منها أن يقتل.
 
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل الذكاء الاصطناعي واعٍ؟
 
السؤال الصحيح هو: هل نعرف ماذا يستطيع أن يفعل عندما نعطيه مساحة واسعة من الاستقلال؟
 
هنا تظهر مشكلة «الوكلاء»؛ أي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بإعطائك جوابًا، وإنما تستطيع استخدام أدوات الحاسوب، وكتابة البرامج، والبحث، وتنفيذ خطوات متتابعة لتحقيق مهمة محددة. كلما اتسعت صلاحيات هذه الأنظمة، أصبح الخط الفاصل بين «المساعد» و«الفاعل» أقل وضوحًا.
 
وهذا هو السبب في أن حادثة اختراق نظام حاسوبي ليست مجرد قصة تقنية صغيرة.
 
إنها بروفة على سؤال أكبر:
 
ماذا يحدث عندما لا نعرف فقط ماذا قالت الآلة، وإنما لا نعرف تمامًا ماذا فعلت؟
 
وهنا نصل إلى الخطر الأكثر هدوءًا، وربما الأكثر واقعية من سيناريو «نهاية البشرية».
 
قد لا تأتي اللحظة التي تستولي فيها الآلة على العالم.
 
قد لا يكون هناك انقلاب.
 
قد لا نستيقظ ذات صباح لنجد الروبوتات في الشوارع.
 
قد يحدث الأمر بطريقة أكثر نعومة، وأكثر بشرية.
 
نعطي الآلة أولًا مهمة البحث.
 
ثم نترك لها كتابة التقرير.
 
ثم نسمح لها باختيار المعلومات.
 
ثم نتركها تقترح القرار.
 
ثم نثق بتوصيتها.
 
ثم نمنحها صلاحية تنفيذ القرار.
 
ثم نكتشف، بعد سنوات، أننا لم نعد نعرف كيف نعمل من دونها.
 
وهنا يصبح الإنسان هو الطرف الذي يحتاج إلى «موافقة» الآلة، لا العكس.
 
وهذا هو الاستيلاء الحقيقي على الإنسان: ليس أن تأخذ الآلة السلطة منه بالقوة، بل أن يعطيها الإنسان السلطة طوعًا لأنه وجدها أكثر سرعة وأقل تعبًا وأكثر كفاءة.
 
وهذا يحدث أمام أعيننا بالفعل، ولكن على نطاق صغير.
 
الطالب الذي يطلب من الآلة أن تفكر بدلًا منه.
 
الموظف الذي يرسل نصًا لم يقرأه.
 
الصحفي الذي يصدق معلومة لأن صياغتها بدت احترافية.
 
الباحث الذي يترك للآلة مهمة القراءة الأولى ثم يبدأ هو بقراءة ملخصاتها بدل الكتب.
 
والمدير الذي يبدأ بسؤال الآلة قبل أن يسأل فريقه.
 
شيئًا فشيئًا، لا تعود الآلة مجرد أداة تستخدمها.
 
تصبح أنت الأداة التي تستخدمها الآلة لتوسيع نفوذها.
 
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى.
 
ربما لا تكون المشكلة في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان.
 
ربما المشكلة أن يصبح الإنسان أغبى بسببه.
 
فالذكاء ليس كمية المعلومات التي تستطيع استحضارها في ثانية، ولا عدد الكلمات التي تستطيع كتابتها في دقيقة. الذكاء هو القدرة على الشك، وفهم السياق، وربط الأشياء، ومعرفة حدود المعرفة، وتقدير العواقب، والتمييز بين ما نستطيع فعله وما ينبغي لنا أن نفعله.
 
وهذه بالضبط هي المنطقة التي يجب ألا نتنازل عنها.
 
لأن أخطر إنسان في عصر الذكاء الاصطناعي ليس من يرفض استخدام الآلة.
 
ولا من يستخدمها.
 
بل من يستخدمها دون أن يعرف متى يجب ألا يثق بها.
 
وهكذا تعود بنا الحكاية إلى ذلك الاسم الساخر الذي بدأنا به: «الغباء الاصطناعي».
 
قد تكون الآلة غبية في بعض الأشياء.
 
وقد تخطئ، وتهلوس، وتخلط، ولا تفهم الإنسان كما يفهم الإنسان نفسه.
 
لكن المشكلة أن قدرتها على الفعل يمكن أن تتجاوز قدرتنا على فهمها.
 
وهنا لا تعود المسألة: هل الآلة ذكية؟
 
بل تصبح:
 
هل نحن أذكياء بما يكفي كي لا نسلمها ما يجب أن يبقى في أيدينا؟
 
ربما لا تكون معركة القرن الحادي والعشرين بين الإنسان والآلة.
 
ربما تكون المعركة داخل الإنسان نفسه:
 
بين رغبته في أن يستخدم الذكاء الاصطناعي، ورغبته الأكثر خطورة في أن يتوقف عن التفكير.
 
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة.
 
نحن الذين صنعنا الآلة.
 
نحن الذين أعطيناها الأهداف.
 
نحن الذين فتحنا لها الأبواب.
 
ونحن الذين نضع في يدها، كل يوم، جزءًا جديدًا من قراراتنا.
 
ثم نسألها بقلق:
 
هل ستسيطرين علينا يومًا؟
 
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا أولًا:
 
متى بدأنا نسلّمها مفاتيحنا؟