مشروع استيطاني يشق قلب رام الله والبيرة لفصل شمالها عن جنوبها
الغد-نادية سعد الدين
تُطلق سلطات الاحتلال يدَ المستوطنين لتنفيذ مخططات استيطانية تستهدف تقطيع أوصال الضفة الغربية ومناطقها الحضرية، على شاكلة مشروع استيطاني جديد يشق قلب رام الله والبيرة لفصل ثماني قرى واثنين من الأحياء الفلسطينية الكبيرة شمالا عن المناطق الواقعة جنوبا، بما يشمل توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبدأ جيش الاحتلال باتخاذ الاستعدادات الأمنية لتنفيذ المشروع الرامي إلى فتح طريق (464) الاستيطاني في قلب منطقة رام الله والبيرة بالضفة الغربية، والذي يشتمل أيضا على إقامة نقاط وحواجز عسكرية وإعادة تنظيم الطرق، لعرقلة حركة الفلسطينيين ومنع وصولهم إلى المؤسسات الحيوية، وفق المكتب الوطني الفلسطيني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان.
وقال "المكتب الوطني"، في تقريره الصادر أمس، إن المشروع الاستيطاني يتزامن مع خطوات أخرى للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، عبر انتشار البؤر الاستعمارية وشرعنتها، وتوسيع شبكة الطرق المخصصة لخدمة المستوطنات، من شأنها أن تعمق تجزئة المجال الفلسطيني إلى مناطق أصغر وأكثر انفصالا عن بعضها، وتجعل التنقل بينها أطول وأكثر صعوبة.
ويرتبط المخطط بشكل وثيق بالبؤر الاستعمارية المحيطة بكتلة مستوطنتي "تلمون" و"دوليف"، الواقعتين غرب وشمال غرب رام الله، حيث أقيمت عدة بؤر رعوية وزراعية استيطانية في المنطقة المحيطة بهما، والتي استولت بدورها على مساحات واسعة من بساتين الزيتون وينابيع المياه التابعة للقرى الفلسطينية المحيطة.
وفي جنوب الضفة الغربية، تخطط سلطات الاحتلال لإقامة مستوطنة جديدة في جنوب تجمع مستعمرات "غوش عتصيون" الاستيطاني، أُطلق عليها اسم "غد نتان"، ضمن سياق المخططات الرامية إلى فرض تواصل استعماري جغرافي يمتد باتجاه مدينة الخليل والقدس والبحر الميت.
وتقع المستوطنة على الطريق الواصل بين "غوش عتصيون" والخليل ومستعمرة "كريات أربع"، بهدف توسيع سيطرة الاحتلال وتعزيز وجود المستوطنين في جنوب الضفة الغربية.
ويأتي ذلك في أعقاب مصادقة حكومة الاحتلال مؤخرا على إقامة 6 مستعمرات جديدة، من خلال شرعنة بؤر قائمة وتحويلها إلى مستعمرات مستقلة، في تجمع "غوش عتصيون" الاستعماري.
ويؤدي هذا التوسع الاستعماري المتسارع في تجمع "غوش عتصيون" إلى تأثيرات كارثية ومباشرة على حياة المجتمع الفلسطيني في محافظتي بيت لحم والخليل، حيث يُحكم الطوق على القرى والبلدات الفلسطينية ويحولها إلى معازل منفصلة.
كما يستهدف تقطيع الأوصال الجغرافية عبر عزل المدن والقرى الفلسطينية وفصل بيت لحم عن الخليل، من خلال إقامة المزيد من المستوطنات، مثل "غد نتان" و"معاليه عروغوت"، في جنوب الكتلة الاستيطانية، لمنع التواصل الجغرافي الفلسطيني الطبيعي والتاريخي بين مدينتي بيت لحم والخليل، وتحويل القرى إلى معازل ومحاصرتها بـ"كانتونات" مغلقة، حيث تحيط بها المستوطنات من جميع الجهات، ما يمنع تمددها العمراني الطبيعي.
ولفت "المكتب الوطني" إلى مصادقة سلطات الاحتلال على منح الصلاحية لمخططين استعماريين يشملان إقامة 567 وحدة استيطانية جديدة في محافظة الخليل، في أحدث حلقات التسارع الذي تشهده عمليات التخطيط والتوسع الاستعماري في الضفة الغربية خلال العام الحالي.
وتشتمل المصادقة على 342 وحدة في مستعمرة "عسائيل" المقامة على أراضي بلدة السموع، والتي أقر "كابينت" الاحتلال تحويلها إلى مستوطنة في عام 2023، بالإضافة إلى إقامة 225 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة "بيت حجاي" المقامة على أراضي بلدة دورا الفلسطينية.
وكانت سلطات الاحتلال قد دفعت بالمخططين في مراحل تخطيطية سابقة، قبل أن يجري نقلهما مؤخرا إلى مرحلة منح الصلاحية، وهي المرحلة التي تجعل المخططات نافذة وتفتح الطريق أمام استكمال إجراءات التنفيذ والبناء الاستيطاني.
وحسب تقرير "المكتب الوطني الفلسطيني"، فقد امتدت النشاطات والمخططات الاستيطانية الهدامة أيضا إلى شمال الضفة الغربية، حيث طرحت سلطات الاحتلال مؤخرا عطاء استعماريا جديدا لبناء 400 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة "كرني شومرون" شرق محافظة قلقيلية، ضمن مشاريع بناء متعددة بهدف توسيع المستعمرة القائمة وزيادة قدرتها الاستيعابية من المستوطنين.
وقال إن خطورة المشروع الاستيطاني تكمن في موقع مستوطنة "كرني شومرون" الاستراتيجي شمال غرب الضفة الغربية، الذي يسطو على مساحات واسعة من أراضي القرى والبلدات الفلسطينية شرق قلقيلية، مثل عزون وجينصافوط وكفر لاقف، ويعزلها ويحولها إلى جيوب محاصرة، ما يمنع تمددها العمراني الطبيعي، ويفصلها جغرافيا عن مدينتي قلقيلية ونابلس، ويفرض مزيدا من القيود على حركة الفلسطينيين، ويعمق تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية في المنطقة.
وأضاف أن التوسع الاستيطاني الدائم لهذه المستوطنة يهدف إلى دمجها مع المستعمرات المحيطة، مثل "قدوميم" و"معالي شومرون" و"إيمانويل"، لتحويلها إلى تجمع استعماري ضخم يربط عمق الضفة الغربية بداخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948.
ولا يقتصر هذا التوسع على الأبنية السكنية فقط، بل يرافقه شق طرق وتسييج مساحات إضافية، والاستيلاء على مئات الدونمات من الأراضي الزراعية الفلسطينية الخصبة وأشجار الزيتون، التي تشكل مصدر رزق أساسيا للفلسطينيين.
ويتزامن ذلك مع قرار سلطات الاحتلال تنفيذ المخططات الاستيطانية في المحافظة الفلسطينية، للاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين، في أعقاب إقرار حزمة من المشاريع شملت 18 منطقة نفوذ استعمارية جديدة في الضفة الغربية، حيث حظيت محافظة قلقيلية بنصيب وافر منها عبر توسيع البؤر الرعوية والزراعية الاستيطانية الواقعة شرقي المحافظة، وتحويلها إلى مستعمرات مستقلة أو أحياء تابعة لمستعمرات.