عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Mar-2026

توازن باكستان في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

 الغد

مع دخول الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، وجدت عدة دول سياساتها الخارجية على المحك. ومن بين أكثر الدول التي تواجه تحديات كبيرة باكستان. فكونها حليفاً وثيقاً للسعودية وجارة لإيران — إذ تشترك معها في مئات الكيلومترات من الحدود — وضعت إسلام آباد نفسها بين خيارين صعبين.
 
 
 
 
ونظراً لاتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي (SMDA) مع السعودية، التي تستوجب استجابة عسكرية لأي اعتداء على أي من الطرفين، فإن حسابات السياسة الخارجية الباكستانية تحتاج إلى إعادة ضبط كبيرة، وفقا لمؤسسة أوبزرفر للأبحاث.
 
 
حافظت باكستان على علاقة طويلة الأمد مع السعودية، إذ قدمت دعماً عسكرياً للمملكة لعقود. إضافة إلى ذلك، يعمل عدد كبير من المواطنين الباكستانيين في السعودية ويرسلون تحويلات مالية حيوية تدعم الاقتصاد المحلي. ويبلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 5 مليارات دولار، ما يمثل حصة كبيرة من التجارة الخارجية لباكستان.
 
 
كما ظلت السعودية مصدراً للمساعدات المالية لباكستان التي تعاني من تحديات اقتصادية مزمنة.
 
 
 
وفي السنوات الأخيرة، استثمرت السعودية أيضاً في قطاع المعادن ومشاريع البنية التحتية الرئيسية في باكستان، بما في ذلك الكهرباء، ما زاد من أهميتها الاستراتيجية لإسلام آباد. وقد ظهرت اتفاقية SMDA عقب هجوم صاروخي إسرائيلي على قطر، ما عكس تزايد شكوك السعودية في التزام الولايات المتحدة بأمن شركائها في الخليج. وقد استفادت باكستان من هذا الترتيب أيضاً، إذ تُرجم إلى زيادة في الاستثمارات السعودية داخل البلاد.
 
 
من جهة أخرى، تجمع باكستان وإيران علاقة طويلة ومعقدة. ويبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 3 مليارات دولار، مع سعي الجانبين لرفعه إلى 10 مليارات.
 
 
 
وقبل الحرب، كانت العلاقات تتحسن تدريجياً، كما يتضح من 25 زيارة رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين خلال العامين الماضيين. ومع ذلك، شهدت العلاقات توترات متقطعة، حيث شهد عام 2024 تبادلاً محدوداً للضربات الصاروخية بين البلدين. ورغم ذلك، فإن القرب الجغرافي يجعل العلاقة بينهما ذات أهمية كبيرة.
 
 
 
قيود باكستان
 
في الوضع الحالي، ومع تعرض السعودية لضربات متعددة من إيران، هناك احتمال أن تلجأ الرياض إلى باكستان للحصول على دعم عسكري.
 
 
وقد أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالفعل عن “التضامن والدعم الكاملين” لبلاده مع السعودية. وفي الوقت نفسه، أجرى شريف اتصالاً بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عقب إعلان مجتبى خامنئي قائداً أعلى جديداً لإيران. والسؤال الأساسي هنا هو: ما الاعتبارات التي يجب على باكستان موازنتها إذا ما قررت الدفاع عن السعودية؟
 
 
بالنسبة لإسلام آباد، هناك عدة قيود تعقّد أي قرار بالانخراط المباشر في الصراع. أولاً، رغم التزامها المحتمل بموجب اتفاقية SMDA، فإن باكستان منخرطة بالفعل في توترات مستمرة مع أفغانستان، وهو ملف لم يحظَ باهتمام كبير مقارنة بالحرب في إيران. وقد فرضت هذه التوترات تكاليف عسكرية وتشغيلية كبيرة، ما يتطلب تركيز موارد أمنية كبيرة على هذا الجبهة. والانخراط في صراع ثانٍ سيشكل ضغطاً شديداً على قدراتها.
 
 
ثانياً، لا تستطيع باكستان تجاهل موقعها الجغرافي وفتح جبهة حرب طويلة مع إيران. فقد أظهرت إيران قدرات عسكرية متقدمة، وتحدت أنظمة الدفاع الأميركية والإسرائيلية والخليجية. كما أبدت استعداداً قوياً لضرب خصومها. وبالنسبة لباكستان، فإن خطر تصعيد طويل مع جار مثل إيران غير مرغوب، خصوصاً في ظل تحدياتها الأمنية مع أفغانستان والهند.
 
 
ثالثاً، يجب على باكستان مراعاة الحساسيات السياسية الداخلية، بما في ذلك وجود شريحة كبيرة من السكان المتعاطفين مع إيران. إذ يشكل الشيعة نحو 20% من السكان، أي حوالي 35 مليون شخص، ولهم روابط دينية واجتماعية طويلة مع إيران.
 
 
 
وقد يسافر كثير منهم إليها بانتظام، كما شارك بعضهم سابقاً في القتال إلى جانب قوات مدعومة من إيران في سوريا. ومن شأن المشاركة في صراع ضد إيران أن تثير توترات داخلية، خاصة مع تاريخ البلاد في العنف الطائفي بين السنة والشيعة.
 
 
 
قرارات صعبة
 
بالنسبة لباكستان، كما هو الحال بالنسبة لدول أخرى مثل الهند وعدة دول خليجية، لا توجد إجابات سهلة في هذه الحرب. ورغم القيود، تعتمد باكستان بشكل كبير على السعودية في الدعم الاقتصادي، خاصة في ظل هشاشة وضعها الاقتصادي الداخلي. كما لا يمكنها تحمل اضطرابات في واردات الوقود من الخليج، التي تلبي جزءاً كبيراً من احتياجاتها للطاقة.
 
وفي الوقت نفسه، فإن تفاوض باكستان مع إيران لضمان مرور آمن لشحنات الوقود عبر مضيق هرمز يعكس استمرارها في التعامل البراغماتي مع طهران رغم دعمها السياسي للسعودية، وذلك للحفاظ على أمنها الطاقي.
 
 
 
كما أن الاستثمارات الصينية الكبيرة ضمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) تمثل عاملاً مهماً. فإيران، التي تصدر معظم نفطها إلى الصين وتتلقى دعماً استخباراتياً منها، لن يكون من مصلحتها استهداف هذه الاستثمارات أو إضعاف شريك رئيسي.
 
 
في النهاية، يبدو أن باكستان تتبع نهجاً حذراً ومتوازناً تجاه كل من إيران والسعودية. ومن المرجح أن تسعى لتجنب التصعيد، خاصة مع اتخاذها إجراءات تقشف داخلية للحفاظ على موارد الطاقة. لذلك، فإن الانخراط العسكري المباشر خيار تحاول تجنبه، مفضلةً المسار الدبلوماسي لخفض التوترات. كما تبدو السعودية أيضاً مترددة في تفعيل اتفاقية الدفاع، لأن ذلك يتطلب إعلان حرب، وهو تصعيد تحرص الرياض على تجنبه لتفادي الانخراط الأعمق في العمليات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.