عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Apr-2026

عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل مروعة وعنصرية

 الغد

إيريك لويس* - (الإندبندت) 2026/4/23
تدخل إسرائيل طوراً أكثر خطورة في الأزمة الفلسطينية بإقرار قانون يفرض الإعدام خلال 90 يوماً على الفلسطينيين وحدهم، في تكريس واضح لعقوبة تقوم على التمييز وتستثني الإسرائيليين اليهود والمستوطنين. يأتي ذلك فوق حصيلة دموية هائلة من الضحايا في غزة، ليجمع بين القتل واسع النطاق للمدنيين وشرعنة عقوبة عنصرية مرشحة لإنتاج مزيد من الشهداء وتقويض أي ادعاء بالاحتكام إلى سيادة القانون.
 
 
بأي معيار موضوعي يمكن تصوره، ندخل الآن مرحلة جديدة في الأزمة الإسرائيلية - الفلسطينية. وقد أثبتت إسرائيل، على الرغم من صغر مساحتها، أنها تمتلك واحداً من أكثر الأجهزة العسكرية والأمنية فاعلية في العالم. وإلى جانب ذلك، من الواضح أنها تتمتع بنفوذ كبير على القوة المهيمنة عالمياً: الولايات المتحدة.
لكن امتلاك القدرة على ممارسة القوة وإعمال الفتك لا يبرر استخدامها فعلاً، ولا سيما حين يتجاهل، مرة أخرى ومن دون مساءلة، الحظر المفروض على قصف المدنيين.
لا حاجة إلى قول إن أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) يجب إدانتها. فـ"حماس" كيان شرس يضحي بشعبه من أجل تعزيز سلطته وتحقيق أوهامه الخلاصية. ويهاجم "حزب الله" المدنيين ويرهب شعبه في لبنان. أما إيران، فقد غذت الإرهاب واستبدت بسكانها على مدى ما يقرب من نصف قرن.
ولكن، بعد سنوات من الزعم بأن أرقام الضحايا الصادرة عن وزارة الصحة في غزة مبالغ فيها على نحو فادح، أقرت إسرائيل في كانون الثاني (يناير) بأن هذه الأقام صحيحة في جوهرها. وقد قتل أكثر من 70 ألفاً من سكان غزة، وكان أكثر من نصف هؤلاء من النساء والأطفال. وسواء كان العدد الفعلي 70 ألفاً أم 75 ألفاً، كما ذكرت إحصائيات مجلة "ذا لانسيت"، فإن عدد القتلى يظل هائلاً. كما أصيب أكثر من 165 ألفاً بإصابات مختلفة.
وهكذا، يكون نحو 10 في المائة من سكان غزة قد سقطوا ضحايا للهجوم، قتلى أو جرحى. ومع هذه الأرقام، لا يمكن الزعم على نحو معقول أن إسرائيل كانت تستهدف "حماس" فحسب. ويشكل القتل العشوائي وغير المتناسب للمدنيين على نطاق واسع، حين ترتكبه دولة، جريمة حرب جسيمة. لكن ذلك لا يخفف شيئاً من فظاعة السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، حين قتل أكثر من 1.300 شخص. ولا يبرر أي من الأمرين الآخر، لا في القانون الدولي ولا في الأخلاق الإنسانية المشتركة.
إذا كان ذلك كله مقلقاً، فإن الرعب مقبل على التضاعف. فقد أقر نظام نتنياهو تشريعاً يجعل عقوبة الإعدام إلزامية على الفلسطينيين الذين يرتكبون هجمات مميتة ضد إسرائيليين. وبحسب القانون، يجب تنفيذ حكم الإعدام خلال 90 يوماً، شنقاً. وبصرف النظر عن الموقف من عقوبة الإعدام أو من إسرائيل، فإن ثمة شيئاً جديداً ومرعباً في قانون يفرض هذه العقوبة فقط على أفراد من جماعة واحدة، وفقط بجريرة قتلهم أفراداً من الجماعة الأخرى.
لم تنفذ إسرائيل، في تاريخها الممتد نحو 80 عاماً، سوى عمليتي إعدام: واحدة بتهمة الخيانة، في محاكمة عسكرية لضابط إسرائيلي تبين لاحقاً، بعد وفاته، أنها كانت خاطئة؛ والأخرى بحق أدولف أيخمان، مجرم الحرب النازي الذي نسق بحماسة معسكرات الموت في الهولوكوست، وذلك بتهمة الإبادة الجماعية.
وحتى وقت قريب، كانت إسرائيل واحدة من سبع دول ألغت عقوبة الإعدام في "الجرائم العادية"، بما فيها جريمة القتل. لكن الأمر لم يعد كذلك. ولعل من الجدير بالملاحظة أن العكس لا ينطبق: فإذا قتل إسرائيلي يهودي فلسطينياً، أياً تكن الظروف، فلا يمكن الحكم عليه بالإعدام.
يَفرض القانون الجديد عقوبة الإعدام على الأشخاص المدانين بهجمات إرهابية مميتة ممن يقيمون في مواقع محددة يعرفها القانون باسم "المنطقة"، و"المنطقة" هي "يهودا والسامرة"، وهي التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية. وفي المحاكم العسكرية، تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الأصلية، ولا يحاكم أمام هذه المحاكم إلا الفلسطينيون، ولا يشترط القانون حتى أن تطلب النيابة العامة عقوبة الإعدام.
ويتعين على المحكمة أن تقضي بالإعدام إذا حوكم المتهم بالإرهاب أمام محكمة عسكرية، حيث تُنظر غالبية هذه القضايا، مع بقاء احتمال الحكم بالسجن المؤبد قائماً في حال توافرت "ظروف خاصة" غير معرفة. أما في المحاكم المدنية، فيمكن محاكمة الإسرائيليين والفلسطينيين بتهم إرهابية، لكن القانون لا يسري إلا على من "يتعمد التسبب في وفاة شخص بهدف إنكار وجود دولة إسرائيل"، وهي صياغة وُضعت لاستبعاد الإرهابيين اليهود. وإذا كان ثمة أي لبس، فإن العقوبة لا تنطبق على المواطنين أو المقيمين الإسرائيليين الذين يعيشون في "المنطقة"، مما يعني عملياً استبعاد جميع المستوطنين. ووفق ما أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فإن القانون "يكرس فعلياً عقوبة الإعدام للفلسطينيين وحدهم".
من الصعب معرفة من أين يبدأ المرء في تناول فجاجة هذا التشريع، فضلاً عن غبائه، وما ينطوي عليه من كراهية صريحة للآخر ونزعة عنصرية واضحة. هل سيردع الهجمات الفلسطينية؟ على الأرجح لن يفعل، بل سيصنع شهداء. وهل سيعزز صورة إسرائيل بوصفها دولة يحكمها مظهر من مظاهر سيادة القانون؟ وهل سيعزز التأييد لإسرائيل باعتبارها جزيرة ديمقراطية في صحراء استبدادية؟ وهل سيولّد تعاطفاً مع إسرائيل أو مع اليهود عموماً؟
استشهد وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بالولايات المتحدة بوصفها نموذجاً، زاعماً أن مشروع القانون صيغ على غرار النموذج الأميركي "الصحيح والعادل" لعقوبة الإعدام. وبطبيعة الحال، سارعت إدارة ترامب إلى تأييد هذا الموقف، حيث أصدرت وزارة الخارجية بياناً قالت فيه إنها "تثق" في أنها ستكون هناك "محاكمات عادلة"، وإن لإسرائيل "حقاً سيادياً" في تحديد القوانين والعقوبات المتعلقة بالإرهاب.
لكن بن غفير مخطئ تماماً. إن إجراءات عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، مهما شابها من عيوب، تحظر فرض هذه العقوبة تلقائياً، وتُلزم بالنظر في الظروف المخففة، وفي ما إذا كانت العقوبة متناسبة مع الجريمة وظروفها. كما لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تنفيذ حكم بالإعدام خلال 90 يوماً، لأن إجراءات الاستئناف تتيح التحقق مما إذا كانت العقوبة قد فُرضت على نحو صحيح.
منذ العام 1973، حُكم على أكثر من 200 أميركي بالإعدام ممن ثبتت براءتهم لاحقاً، أي بمعدل شخص واحد في مقابل كل عملية إعدام نفذت. ولا يتيح الاندفاع نحو المشنقة الذي يفرضه القانون الإسرائيلي أي إمكانية لتصحيح المظالم القضائية. كما أن الولايات المتحدة لن تسمح بقانون يجيز إعدام أفراد من جماعة دينية أو عرقية واحدة فقط بينما يستثني الأكثرية من التعرض لهذه العقوبة. وقد رأينا نحن، في المجتمع اليهودي، هذا من قبل.
سيكون هذا القانون مخالفاً للدستور في الولايات المتحدة على نحو فاضح، ومناقضاً لمبادئ العمومية والإجراءات القانونية الواجبة التي تميز أي نظام قانوني متحضر. وثمة سؤال عادل يوجه إلى حكومة نتنياهو: أما آن لكم أخيراً أن تشعروا بالخجل؟
 
*إيريك لويس Eric Lewis: محامٍ وكاتب بريطاني بارز، يُعرف بعمله في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو شريك في مكتب دولي للمحاماة في نيويورك. يركز على قضايا العدالة الدولية، وسيادة القانون، والنزاعات المعاصرة، وخاصة في الشرق الأوسط. عمل على قضايا قانونية معقدة تتعلق بالعقوبات، والجرائم الدولية، والتقاضي العابر للحدود، ويُعرف بمواقفه النقدية للسياسات التي يرى أنها تنتهك مبادئ القانون الدولي أو تُكرّس التمييز.