الغد-ديمة محبوبة
لا شك في أن نجاح وتفوق الطلبة يحتاج في جميع المراحل الدراسية إلى خطط واستراتيجيات واضحة ومحددة، وتحديدا لطلبة الثانوية العامة، فالنجاح لا يصنعه الحظ في أيام الامتحانات، بل يبنى عبر أدوات محددة تبدأ مبكرا، وتساعد بتنظم الوقت وتحقيق الهدف.
في غرفتها الضيقة، حيث تتراكم الكتب والدفاتر على الطاولة، تجلس الطالبة سلمى، وفي قلبها مزيج بين الترقب والحماس، هاتفها مليء بتنبيهات الفيديوهات التعليمية من معلمين مختلفين، وكل منهم يرى أن طريقته هي أسرع مفتاح للنجاح.
تتوقف سلمى عن الانتقال بين الشروحات، وتسأل نفسها "هل أحرص على متابعة كل شيء، أم ألتزم بمصدر واحد أثق به؟".
هذا الصراع اليومي يعيشه كثير من طلبة الثانوية العامة، في عالم يتميز بتعدد المصادر وسرعة المعلومات، فتصبح الدراسة بذكاء أكثر من شعار، فهي خطة مدروسة تنقذ الوقت وتضمن الفهم العميق. إذ وضعت سلمى استراتيجية بسيطة تعتمد على معلم تثق بشرحه، ثم تمارس حل نماذج امتحانات سابقة حتى تصبح تفاصيلها واضحة كأنها بديهية.
وفي جامعة عمان الأهلية، يروي الطالب تيسير أبو الهيجاء تجربته في اجتياز مرحلة الثانوية العامة، بقوله "لم أكن أواظب على السهر، بل كنت أركز على الأسئلة المتكررة من الأعوام الماضية، أقرؤها وأفهم نمطها، وأحاول أن أكون متوقعا للأسئلة يوم الامتحان".
ويضيف أنه لم يكن جهدا مضاعفا، بل "ذكيا" كما وصفه، واستخدام المعطيات الحقيقية لتحديد وجهة الدراسة.
وفي كلمات ذات طابع واقعي، أوضح الخبير التربوي د. عايش النوايسة، أن نتائج التوجيهي هي جزء من رحلة طويلة، وليست وجهتها النهائية.
ويشدد على أهمية دور الأسرة في هذه اللحظة الحاسمة. ويقول "يجب أن نتعامل مع نتيجة التوجيهي كأي اختبار في الحياة، وليست نهاية المطاف، وأن الدعم النفسي للأهل، سواء جاءت النتيجة ممتازة أو دون المتوقع، هو ما يصنع الفارق في بناء الثقة واستمرارية النجاح".
ويؤكد أن الطالب اليوم لديه تحديات كبيرة جدا في الطريقة التي يدرس بها. ويقول "نسمع أحيانا من الأهالي ابني مجتهد، وحصل على معدل مرتفع أو ابني رسب بثمان مواد، وعلى النقيض هناك طلاب يشتكون من صعوبة النجاح أو اضطرارهم لإعادة المواد".
ويضيف أن الإشكالية الحقيقية تكمن في وجود نمطين من الطلاب، النمط الأول: الطلاب المتفوقون، الذين يحققون أعلى العلامات، وغالبا ما يعتمدون اعتمادا كاملا على الكتاب المدرسي ومصادره الرسمية فقط، مثل دليل الأنشطة ودليل المعلم، إضافة إلى مراجعة أسئلة الأعوام السابقة، وهؤلاء لا يستخدمون مصادر خارجية، ولا يلجؤون إلى مذكرات مختصرة أو وسائل مساعدة، بل يلتزمون بالمنهج كما هو.
ويبين أن هذه الطريقة تجعلهم يركزون بشكل مباشر على المحتوى المطلوب في الامتحانات، وبالتالي يكون أداؤهم عاليا جدا ويحققون النتائج التي ترضيهم وترضي الأهل. وهذا النمط من الدراسة هو الأكثر شيوعا بين الطلاب المتفوقين، بعيدا عن الأساليب التجارية أو الدعايات التعليمية.
وفي تجربة أخرى للطلبة في مرحلة الثانوية العامة، تؤكد الطالبة مريم، أن تنظيم الوقت كان مفتاحها الرئيسي للنجاح والتفوق. وتوضح، قسمت يومي إلى فترات قصيرة للتركيز، مع راحة بسيطة، كنت أدرس وحدة، أراجعها ثم أطبق أمثلة على ما درسته، وهذا النوع من التركيز هو جوهر النجاح وكنت دائما أسأل نفسي.. ماذا علي أن أعرف حقا؟ قبل أن أغرق في بحر من المعلومات".
أما الطالب حسام، فقرر أن يعيش تجربته الذكية والناجحة منذ بداية العام الدراسي، بتصميمه على أن يغلق الباب أمام أي تشتيت، فلم يهتم أو يشترك في مجموعات البطاقات التي يتبادلها الطلاب، ولم يكدس عشرات "الدوسيات" على مكتبه واكتفى بكتاب المنهاج، ودفتر ملاحظاته، وملف صغير يحتوي على أسئلة مختارة من امتحانات سابقة. ويقول "كنت أؤمن أن التركيز على المنهاج الرسمي وحل أسئلة حقيقية من الأعوام الماضية، أفضل من ضياع وقتي بين شروحات وملخصات لا تنتهي".
وفي نهاية العام، حصل حسام على معدل مرتفع، وأثبت أن البساطة والتركيز قد يكونان سلاحا أقوى من أي تقنيات أخرى.
ويؤكد الخبير النوايسة، أن التوقعات المبالغ فيها من قبل الأهل قد تدمر ثقة الطالب قبل أن تعلن نتيجته، لذا يدعو الأهل إلى تقديم الدعم من دون ضغوط، وأن يعلموا أبناءهم أن الفشل جزء طبيعي من الحياة، يمكن تجاوزه بتحسين الأداء أو إعادة المحاولة في دورة تكميلية.
وتبين الطالبة الجامعية علياء، أنها كانت تجمع الأسئلة المتكررة، وترتبها حسب الموضوع والمستوى، وتعاود حلها في أوقات مختلفة، حتى أصبحت جزءا من حصيلتها الذهنية. وتقول "نجاحي لم يكن في حفظ نظري فقط، بل في فهم الآلية التي يسأل فيها السؤال، ووصلت من خلال هذه الطريقة إلى أعلى الدرجات من دون أن أشعر بالإرهاق المزمن".
لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو ما قاله د. النوايسة "إن الثانوية العامة ليست محطة فاصلة بين طالب وآخر، بل نقطة ارتكاز لتأسيس عقلية التحليل والتفكير، وإن كانت هي اللحظة التي يقاس بها التحصيل، فإن القيمة الحقيقية تكمن في الوعي بمن نريد أن نكون بعد هذه المرحلة، وربط ذلك بمفهوم التخصصات المطلوبة في سوق العمل الجديد، مثل الذكاء الاصطناعي والمجالات التقنية، ولا يجعل الأمر فقط انتقالا أكاديميا، بل تخطيطا مستقبليا مدروسا".
ولإضفاء بعد أعمق على الموضوع يروي سامر، الذي أنهى الثانوية قبل عامين، أنه اعتمد على قاعدة "الثلاثة أضعاف"، شارحا أنه خصص وقتا لقراءة الدرس، ثم ضعف هذا الوقت للتدريب على أسئلة شاملة، وأخيرا فترة مساوية للمراجعة السريعة قبل النوم.
ويؤكد أنه بهذه الطريقة، لم ينس ما درسه، وكان يشعر أن المعلومات ثابتة في ذهنه.
النوايسة، يرى أن مثل هذه الاستراتيجيات الفردية ضرورية، لكنها تحتاج إلى بيئة داعمة من المعلمين والأهل على حد سواء، فالمعلم الذي يشجع الطالب على التفكير النقدي، والأهل الذين يهيئون جوا نفسيا هادئا، كلاهما يساهم في زيادة فرص النجاح.
ويضيف أن الثانوية العامة ليست اختبارا للذاكرة فقط، بل اختبار لإدارة الوقت، والضغط النفسي، والقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تحت الضغط.
وفي النهاية، يتضح أن الذكاء في الدراسة لا يكمن في عدد الساعات أو الكم الهائل من المصادر، بل في اختيار ما يدرس بعناية، وتركيز المجهود على الأهداف الحقيقية.
والتفكر في الطلبة الذين نجحوا بأن "لا يكفي أن تدرس، بل عليك أن تدرس بذكاء، وأن تحيط نفسك بدعم من يؤمن بقدرتك، لأن الثقة بالنفس هي الخطوة الأولى في طريق أي نجاح.