الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نيل كويليام؛ وسانام وكيل* - (فورين أفيرز) 6/4/2026
شارف العصر الذي كانت فيه دول الخليج تعتمد على القوى الخارجية لإدارة أمن المنطقة على الانتهاء. ومن أجل حماية مصالحها، سيتعين على هذه الدول بناء قدراتها الجماعية، وإدارة تنافساتها، وصياغة توازن القوى بنفسها.
ربما تكون إسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان أطلقتا الحرب على إيران، لكنّ دول الخليج العربية هي التي تحملت العبء الأكبر من رد طهران. منذ 28 شباط (فبراير)، أمطرت الجمهورية الإسلامية فنادق ومطارات الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما استهدفت بنيتها التحتية النفطية والغازية. وأعلنت شركات الطاقة الوطنية في البحرين والكويت وقطر حالة "القوة القاهرة" لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
بالنسبة لدول الخليج، شكّل هذا الصراع لحظة حاسمة لمراجعة الحسابات. وعلى الرغم من أنها لا تعلن ذلك على الملأ، فإن الحرب دفعت القادة في مختلف أنحاء المنطقة إلى إعادة تقييم علاقتهم بالولايات المتحدة ورئيسها، دونالد ترامب. كان العديد من القادة في الخليج قد رحّبوا بإعادة انتخاب ترامب لأنهم استحسنوا أسلوبه القائم على "الصفقات" في السياسة الخارجية. وفي اختلاف عن رؤساء أميركيين آخرين في السنوات الأخيرة، لم يُعر ترامب اهتمامًا كبيرًا لسجل حقوق الإنسان المتعثر في المنطقة، وكان مستعدًا للمضي قدمًا في الصفقات الاقتصادية من دون اكتراث بتضارب المصالح. بل إن بعض الحكومات الخليجية شعرت بأنها تملك تأثيرًا عليه: في أيار (مايو) 2025، على سبيل المثال، تمكنت المملكة العربية السعودية من إقناع ترامب برفع العقوبات عن سورية ودعم رئيسها الجديد.
لكنّ تحذيرات قادة الخليج في هذه الجولة من القتال لم تلقَ آذانًا صاغية. وكانوا قد جادلوا في الأشهر التي سبقت الحرب ضد فتح جبهة صراع جديدة مع إيران، وحثّوا ترامب على مواصلة التفاوض مع القادة الإيرانيين. مع ذلك، وعلى الرغم من الزيارات الشخصية التي قام بها ولي العهد السعودي وقادة الإمارات وغيرهم من المسؤولين الإقليميين، مضى ترامب قدمًا في الهجمات. وفي نهاية المطاف، منح وزنًا أكبر لرغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالما سعى إلى إطلاق عملية مشتركة كبرى وحاسمة ضد إيران.
يزداد وعي قادة الخليج بأن نزعة ترامب إلى إبقاء نفسه غير قابلًا للتنبؤ ربما تكون خطيرة، وأن رغبات الولايات المتحدة كثيرًا ما تتعارض مع مصالحهم. لكن الابتعاد عن الولايات المتحدة لن يكون سهلًا. لا توجد دولة أخرى يمكن أن تحل محلها. وعلى سبيل المثال، فشلت محاولات التقارب الحذِر مع إيران في وقف هجمات طهران. كما أن التعاون الهادئ مع إسرائيل لم يمنع مسؤوليها من زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. ولذلك، تبقى حكومة واشنطن هي الوحيدة القادرة والراغبة في تقديم الحماية، في الوقت الراهن على الأقل.
مع ذلك، يجب على دول الخليج أن تسعى إلى استعادة قدر من الاستقلالية. ولتحقيق ذلك، ينبغي لقادتها أن يتكاتفوا ويتوافقوا سريعًا على استراتيجية تهدف إلى الحد من التصعيد، والحفاظ على المرونة، وحماية النمو الاقتصادي بما يضمن استمرار أجنداتهم الداخلية. وسيتعين عليهم تجاوز استراتيجيتهم السابقة القائمة على "الموازنة المُدارة" -الاعتماد على الولايات المتحدة مع الانخراط الانتقائي مع إيران وإسرائيل- والعمل بدلًا من ذلك على تأسيس توازن إقليمي جديد. كما سيحتاجون إلى فتح قنوات دبلوماسية جديدة بين القوى المتنافسة في المنطقة، وإلى بناء شراكات إقليمية أفضل وأكثر استدامة مع دول غير الولايات المتحدة، فضلًا عن تعزيز الروابط في ما بينهم.
حرب الخليج الثالثة
ثمة الكثير في مشهد الشرق الأوسط الراهن مما يثير قلق قادة الخليج. لكن تصاعد عدوانية إسرائيل يشكل مصدر قلق خاصًا. في الماضي، رأى بعض المسؤولين الإقليميين -خاصة في الإمارات والبحرين- في نظرائهم الإسرائيليين شركاء مفيدين في مجالي الأمن والاقتصاد. لكنّ إسرائيل تخلّت الآن عن كل أشكال الحذر وأصبحت فاعلًا مزعزعًا للاستقرار. وكان رفضها الانخراط الجاد مع تطلعات الفلسطينيين إلى تقرير المصير قد أثار الاضطرابات في السابق، وهو يكاد يضمن مزيدًا من العنف في المستقبل. كما تظل إسرائيل ملتزمة باستمرار بإضعاف إيران، ولا يبدو أنها تكترث لما إذا كانت الدول العربية ستتعرض لهجمات في الأثناء. بل إنها أبدت استعدادًا لضرب هذه الدول لتحقيق أهدافها. في أيلول (سبتمبر) 2025، استهدفت القوات الإسرائيلية مجمّعًا سكنيًا في قطر كان يستضيف مفاوضين من حركة "حماس" كانوا يجرون محادثات مع الولايات المتحدة.
وبعد أسابيع قليلة من ذلك الهجوم، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يُلزم الولايات المتحدة بالدفاع عن قطر بهدف طمأنة دول الخليج إلى أنها لن تتحول إلى أضرار جانبية تحت مظلة واشنطن. لكنّ هذا الالتزام لم يفعل الكثير لحماية دول الخليج عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما التالية على إيران بعد بضعة أشهر فقط. وقد ساعدت واشنطن في اعتراض بعض الهجمات الإيرانية على الدول العربية، لكنها أعطت الأولوية إلى حد كبير للدفاع عن إسرائيل. وبذلك تجد دول الخليج نفسها وهي تتعرض لوابل من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. ولم تعد قادرة على نقل منتجاتها عبر مضيق هرمز، كما فقدت سمعتها كملاذ تجاري آمن.
بالنسبة لدول الخليج، يسلط هذا الوضع الضوء على مشكلة قديمة: اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة في الحماية إلى حد يسمح لواشنطن بأن تفعل بها تقريبًا ما تشاء. وتعتمد هذه الدول على المعدات الأميركية، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي "باتريوت" و"ثاد"، لحماية نفسها، ما يجعلها في حاجة دائمة إلى استرضاء واشنطن من أجل إعادة التزويد، وشبكات القيادة، والتدريب، والاستخبارات، والدعم اللوجستي. كما تعتمد دول الخليج أيضًا على (وتستضيف) عددًا من القواعد العسكرية الأميركية الكبرى. وبذلك تحتفظ الولايات المتحدة بسيطرة كاملة على ما إذا كانت التزاماتها الأمنية ستُطبق، ومتى، وكيف. وقد صنف المسؤولون الأميركيون كلًا من البحرين، والكويت، وقطر والسعودية على أنها "حلفاء رئيسيون من خارج الناتو"، وهو تصنيف يمنحها امتيازات مثل الأهلية لاقتراض المعدات العسكرية الأميركية أو شراء بعض الذخائر. ومع ذلك، لا تملك دول الخليج سوى هامش محدود من التأثير في السياسات التي تمس أمنها واستقرارها الاقتصادي.
على المدى القريب، سيتعين على دول الخليج تعميق تعاونها العملياتي مع واشنطن في مجالات الدفاع الصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري عبر الخليج العربي والبحر الأحمر. ومهما تكن نتيجة الحرب الحالية، فإن منطقة الخليج ستكون أكثر عرضة للمخاطر من أي وقت مضى، وبالتالي ستظل بحاجة إلى الدعم الأميركي. لكن شعوب الخليج بدأت تتساءل عن مدى موثوقية الولايات المتحدة، وعن جدوى استضافة قواعدها العسكرية. ومن أجل حماية أنفسهم بشكل أفضل، يتعين على قادة الخليج أن يسعوا الآن إلى انتزاع قدر من الاستقلالية من واشنطن من خلال تعزيز التعاون -أولاً وقبل كل شيء- في ما بينهم. وكانت دول الخليج قد وضعت خططًا لتحقيق ذلك منذ سنوات، لكن المنافسات السياسية، وتداخل هياكل الدفاع الوطني، والمخاوف من التفريط في السيادة، حالت دون تحقيق تكامل فعلي بين هذه الدول. لكنّ الأزمة الراهنة توفر دافعًا واضحًا للتغيير. وينبغي لدول الخليج أن تشرع في دمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتوسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإنشاء شبكات إنذار مبكر مشتركة -وهي مجالات يكون فيها التنسيق ممكنًا وملحًا في آن معًا.
كما ينبغي لحكومات الخليج أن تعقد ترتيبات أمنية مع دول أخرى. وقد عززت الإمارات العربية المتحدة مسبقًا علاقاتها الدفاعية مع الهند، ووقّعت السعودية العام الماضي اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان. كما وقّعت السعودية وقطر والإمارات اتفاقيات دفاع مع أوكرانيا عقب زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي الأخيرة إلى الخليج. ويمكن للأردن والسعودية العمل مع مصر لتسيير دوريات مشتركة في البحر الأحمر، وتنسيق أمن الموانئ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية لحماية الملاحة التجارية. كما يمكن لدول الخليج أن تنسّق مع تركيا في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، أو أن توسّع بحذر تعاونها القائم مع الصين.
من المرجح أن تكون هذه الترتيبات الجديدة "محدودة الأطراف"، بمعنى أن تضم عددًا قليلًا من الدول وتركز على مهمة محددة مثل تأمين ممر مائي، أو تنسيق الدفاع الصاروخي، أو تطوير أنظمة لمواجهة الطائرات المسيّرة. وغالبًا ما يكون إنشاء مثل هذه المجموعات المرنة، المتمحورة حول قضايا بعينها، أسهل مقارنةً بإقامة أطر أمنية إقليمية شاملة. كما أنها أقل صرامة من التحالفات الرسمية. ولن يجري استبدال الولايات المتحدة بوصفها الشريك الأمني الرئيسي للخليج، لكن وجود شركاء آخرين يمنح دول الخليج مزيدًا من الثقل والقدرة على المناورة في تعاملها مع واشنطن.
عالقة في الوسط
لكي تحمي نفسها، سيتعين على دول الخليج أن تتجاوز مجرد تشكيل شراكات دفاعية وأن تتموضع أيضًا في قلب الجهود الدبلوماسية بين القوى الرئيسية في المنطقة. وليست هذه مهمة جديدة على الخليج: على مدى أكثر من عقد لعبت سلطنة عُمان وقطر والإمارات أدوار وساطة إقليمية. وعلى الرغم من فشلها في منع اندلاع الجولة الأخيرة من القتال، ما تزال دول الخليج ترى في الدبلوماسية وسيلة للتأثير في مآلات المنطقة من دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية.
يتوافق هذا النهج مع رغبة دول الخليج في منطقة تُدار فيها المنافسة الجيوسياسية بدلًا من تُحسم بشكل نهائي. ولتحقيق هذا الهدف، قد تسعى الحكومات الخليجية إلى إنشاء آليات أمنية مصممة لمنع التصعيد بين القوى المتنافسة. ومن غير المرجح في المستقبل القريب قيام بنية أمنية إقليمية شاملة، على غرار "اتفاقات هيلسنكي" -الاتفاق المهم الذي أُبرم في العام 1975 وأسهم في خفض التوتر بين الكتلة السوفياتية والغرب- بسبب الانقسامات السياسية العميقة بين إيران وإسرائيل وعدد من الدول العربية.
مع ذلك، تظل ترتيبات أكثر تواضعًا ممكنة، مثل وضع أطر للتنسيق البحري، وآليات اتصال، وأنظمة إنذار مبكر إقليمية تشمل دول الخليج ومصر والأردن وتركيا، وهي خطوات سيكون من شأنها تقليل مخاطر سوء التقدير والتصعيد. كما سيكون من شأن إنشاء خطوط اتصال عسكرية آمنة بين الجيوش، أو قنوات تواصل لإدارة الأزمات، أن يساعد الدول على توضيح نواياها بسرعة خلال اللحظات المتوترة، مثل إطلاق الصواريخ، أو انتهاكات المجال الجوي، أو المواجهات البحرية.
لدى إسرائيل، بطبيعة الحال، هدف مختلف. إنها تسعى إلى هزيمة عدوها الإيراني -لا مجرد احتوائه. لكن الجغرافيا وحدها تضمن أن تظل إيران عنصرًا حاضرًا في أمن الخليج، بصرف النظر عن مآلات الحرب الراهنة؛ ولذلك يدرك قادة الخليج أن الاستقرار طويل الأمد يتطلب، في نهاية المطاف، إدارة متجددة للعلاقة مع طهران -إن لم يكن انخراطًا دبلوماسيًا مباشرًا يهدف إلى منع التنافس من الانزلاق إلى مواجهات عسكرية متكررة. وقد عكس التقارب بين إيران والسعودية في السنوات الأخيرة إدراكًا أوسع في الخليج لكون الحوار مع طهران ضرورة لتنظيم التوترات. ولا يعني هذا التخلي عن التنافس؛ حيث تشير تقارير حديثة إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يدعم نهجًا أميركيًا أكثر حزمًا تجاه إيران في ظل اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران. لكنّ هذا الموقف يُفهم بشكل أدق باعتباره جزءًا من استراتيجية مزدوجة تمزج بين الردع والاستمرار في الانخراط أكثر من كونه تخليًا كاملًا عن الدبلوماسية. في الواقع، تؤكد مشاركة وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في اجتماعات دبلوماسية إلى جانب نظرائه من مصر وباكستان وتركيا، هذا التوجه. ويدرك قادة الخليج أنهم مضطرون إلى التعامل مع النظام الإيراني القائم وليس مع النظام الذي يتمنون وجوده.
لا تريد دول الخليج أيضًا أن تصبح إسرائيل القوة المهيمنة في المنطقة. وهي تشعر بقلق بالغ إزاء تزايد استعداد إسرائيل لشن الحروب، لما لذلك من تداعيات تمتد إلى محيطها. كانت حرب إسرائيل في غزة، وتسارع ضم الضفة الغربية، والعمليات البرية المستمرة في لبنان -حيث سيطرت على نحو 30 في المائة من الأراضي اللبنانية وتسببت في نزوح مليون شخص- كلها عوامل وضعت الحكومات الخليجية تحت ضغط سياسي داخلي كبير لإدانة إسرائيل. ولذلك تقتضي إدارة العلاقات مع إسرائيل توازنًا دقيقًا بين الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، وبين كبح السلوكيات التي تنذر بزعزعة استقرار المنطقة بشكل مستمر.
يشكل تحقيق توازن إقليمي شرطًا أساسيًا لتمكين دول الخليج من بلوغ هدفها الرئيسي: فك ارتباط اقتصاداتها بالنفط. وتعتمد "رؤية السعودية 2030"، واستراتيجية التنويع الاقتصادي في الإمارات، وبرامج مماثلة في أنحاء المنطقة، جميعها على تحقيق استقرار مستدام، وطرق تجارة يمكن التنبؤ بها، واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية. ولذلك تفضل دول الخليج نظامًا إقليميًا يتم فيه احتواء المنافسة الجيوسياسية، وتعميق الاندماج الاقتصادي ليشمل إيران وإسرائيل على حد سواء. وستكون العلاقات التجارية والاستثمارية القوية مع الطرفين كفيلة بأن تجعل جميع الأطراف مستفيدة من استقرار الشرق الأوسط، وبذلك حريصة على الحفاظ عليه. لكنّ تحقيق ذلك يظل صعبًا في ظل تفشي الصراعات.
شارف العصر الذي كانت فيه دول الخليج تعتمد على القوى الخارجية لإدارة أمن المنطقة على الانتهاء. ومن أجل حماية مصالحها، سيتعين على هذه الدول بناء قدراتها الجماعية، وإدارة تنافساتها، وصياغة توازن القوى بنفسها. وقد لا تكون هذه الإجراءات كفيلة بوقف الحرب الحالية التي تملي مسارها إلى حد كبير إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. لكنها تتيح لدول الخليج التأثير في البيئة التي ستتشكل فيها تداعيات هذا الصراع، والمساهمة في الحيلولة دون اندلاع مواجهة كبرى أخرى في المستقبل.
*نيل كويليام Neil Quilliam: زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس". سانام وكيل Sanam Vakil: مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Avoiding the Next Gulf War: How America’s Allies in the Region Can Get Out of the Cross Hairs