الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هيلا أميت* - (مجلة 972+) 7/1/2026
غادر أكثر من 150 ألف إسرائيلي البلاد خلال العامين الماضيين وحدهما -كثيرون منهم بتذكرة ذهاب فقط ومن دون أي خطط للعودة.
منذ تأسيس إسرائيل في العام 1948، نظر قادتها إلى توسيع عدد السكان اليهود بوصفه شأنًا حاسمًا لبقاء المشروع الصهيوني: وسيلة لضمان وجود أغلبية ديموغرافية دائمة على حساب السكان الفلسطينيين، ومصدرًا مستمرًا للجنود للدفاع عن حدود الدولة. وإلى جانب الجهود الرامية إلى رفع معدلات الولادة بين اليهود، شكّل تشجيع الهجرة اليهودية ركيزة أساسية في هذه الاستراتيجية. وتم تصميم المواطنة شبه التلقائية بموجب "قانون العودة"، إلى جانب الحوافز المالية، لاستقطاب اليهود من مختلف أنحاء العالم وترسيخهم بصورة دائمة في الدولة الجديدة.
تمثل الوجه الآخر لهذه السياسة في تعامل الدولة مع أولئك الذين يغادرون، والذي اتسم في كثير من الأحيان بالعداء الصريح. وكان يُشار رسميًا إلى اليهود المهاجرين إلى خارج البلاد بمصطلح "يورْديم" -أي "النازلون"- وهو تعبير صيغ في مقابل "أوليم"، الذين قيل إنهم "يصعدون" بهجرتهم إلى إسرائيل.
رسّخت الهرمية الأخلاقية الكامنة في هذه اللغة تصورًا للهجرة المعاكسة بوصفها فشلًا شخصيًا ووطنيًا وليس خيارًا حياتيًا محايدًا (يجدر التنويه، على سبيل المثال، إلى أن إسرائيل لا تسمح لمواطنيها المقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات الإسرائيلية، مما يجعل هذا التقسيم ملموسًا وعمليًا). وفي العام 1976، اشتهر عن رئيس الوزراء آنذاك، إسحاق رابين، توصيفه المهاجرين اليهود بأنهم "سقط المتاع الضعفاء"، وهو تعليق عبّر بوضوح عن ازدراء الدولة السائد لأولئك الذين يختارون الرحيل.
مع إقامة ما يقرب من نصف يهود العالم اليوم في إسرائيل، يمكن اعتبار هذا المشروع، من نواحٍ عديدة، ناجحًا. لكنّ تاريخ إسرائيل تميز أيضًا بموجات متكررة من الهجرة المعاكسة، والتي كانت تنشط عادة في لحظات الأزمات. ودفعت فترات الركود الاقتصادي، مثل ركود العامين 1966-1967، والصدمات الأمنية مثل "حرب تشرين"/ "يوم الغفران" في العام 1973، أعدادًا كبيرة من اليهود إلى مغادرة البلاد.
أصبحت الهجرة المعاكسة قضية أكثر إثارة للجدل في الخطاب العام الإسرائيلي خلال أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة، حين بدأت الدولة تتعقب المغادرين بطريقة أدق. وتزامنت هذه الفترة مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وشهدت تزايد هجرة الإسرائيليين الشباب، العلمانيين، ومن الطبقتين الوسطى والعليا -وهي الظاهرة التي عُرفت بـ"هجرة العقول". وقد أثارت هذه الظاهرة قلقًا واسعًا في أوساط الأكاديميين الإسرائيليين ووسائل الإعلام السائدة، حيث جرى تناولها في الغالب من زاويتين: ثقافية واقتصادية. وفي الرد على ذلك الاتجاه، أطلقت الدولة حملات ممولة من أموال دافعي الضرائب لتشجيع المهاجرين على العودة، في تحوُّل عن تركيزها السابق الذي انصب حصريًا على استقطاب اليهود الذين لم يسبق لهم العيش في إسرائيل.
لكن موجة خروج مختلفة كليًا برزت خلال العامين الماضيين، وشكل قطيعة حاسمة مع الفهم السابق للهجرة المعاكسة. وكان هذا التحوُّل قد بدأ قبل وقت طويل من السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وكان مدفوعًا جزئيًا بوجود حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة ومساعيها لإضعاف السلطة القضائية. لكنّ النزوح الذي أعقب هجوم "حماس" وما تلاه من العدوان الإسرائيلي الإبادي على غزة حوّل الرحيل إلى فعل أكثر فجائية وإلحاحًا. على نحو متزايد، لم يعد الإسرائيليون يغادرون فحسب، بل أصبحوا يفرّون -يشترون تذاكر ذهاب بلا عودة خلال أيام قليلة، وغالبًا من دون أي نية للعودة.
وفقًا لتقرير صدر عن الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، شهدت الهجرة من إسرائيل ارتفاعًا حادًا في العام 2023، حيث غادر 82.800 شخص البلاد بهدف إقامات طويلة الأمد في الخاج -بزيادة قدرها 44 في المائة مقارنة بالعام السابق. وسُجِّل ارتفاع حاد بشكل خاص في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 عقب اندلاع الحرب. واستمر النزوح خلال العام 2024، مع تسجيل ما يقرب من 50.000 مغادَرة في الأشهر الثمانية الأولى وحدها. وللمرة الأولى، سجّلت إسرائيل عددًا من المهاجرين لأمد طويل يفوق عدد العائدين، حيث شكّل العام 2023 أكبر فجوة بين المغادرين والعائدين في تاريخ الدولة.
واستمر هذا النمط خلال العام 2025. في تقريرها السنوي، أفادت "دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية" بأن نحو 70.000 إسرائيلي غادروا البلاد على مدار العام، في حين عاد 19.000 فقط. وأكّد هذه الأرقام تقرير صادر عن "مركز تاوب لدراسات السياسات الاجتماعية"، الذي خلص إلى أنه بعد سنوات من النمو المطّرد، تباطأ نمو السكان في إسرائيل في العام 2025. وعزا الباحثون هذا التحوّل أساسًا إلى الارتفاع الحاد في الهجرة، إلى جانب تراجع معدلات الخصوبة وازدياد معدلات الوفيات المرتبطة بالحرب.
وفي المجمل، غادر أكثر من 150.000 إسرائيلي البلاد خلال العامين الماضيين وحدهما، ليرتفع العدد إلى أكثر من 200.000 منذ تولّي الحكومة الحالية السلطة.
من أجل إعداد هذا المقال، أجريتُ مقابلات مع عدد من اليهود الإسرائيليين الذين غادروا البلاد خلال العامين الماضيين. وتشير شهاداتهم إلى فقدان عميق للثقة في المشروع الصهيوني ذاته -في ما قد ينذر بتفكك بنيوي أوسع. وتكشف الهجرة الجماعية في خضم ما تصفه الدولة بأنه أزمة وجودية تناقضًا مركزيًا: إذا كان من المفترَض في إسرائيل أن تكون ملاذًا آمنًا لليهود، فلماذا يختار هذا العدد الكبير منهم الفرار منها؟ إن هذا النزوح يطعن في ركائز أساسية من الأيديولوجيا الصهيونية ويكشف عن حدود سرديات المسؤولية الجماعية التي لطالما ربطت المجتمع الإسرائيلي بعضه ببعض.
"لم يبقَ هناك حقًا ما يمكن إصلاحه"
على مدى سنوات، كان آساف، البالغ من العمر 44 عامًا، يعتقد أن إحداث تغيير ذي معنى في إسرائيل-فلسطين ما يزال ممكنًا. وكان هو وزوجته من بين الأهالي الذين أسهموا في تأسيس المدرسة العربية-اليهودية ثنائية اللغة في يافا. وعمل صحفيًا في صحيفة "هآرتس" -التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها أحد المنابر القليلة ذات التوجه اليساري في إسرائيل- قبل أن يستقيل في العام 2021 احتجاجًا على ما وصفه بأنه رفض محرري صحيفته تصوير العنف ضد الفلسطينيين في يافا بدقة خلال الاضطرابات الواسعة في أيار (مايو) من ذلك العام. وكانت العائلة قد اتخذت قرارًا واعيًا بالعيش في يافا، ذات الكثافة الكبيرة من الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، بدلًا من الأحياء اليهودية المنفصلة التي تميّز معظم المدن الإسرائيلية.
لكنّ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وكل ما تلاه، أطفأ ما تبقّى من عزيمة آساف على البقاء.
عند الساعة 7:20 صباحًا من ذلك اليوم، حجز آساف تذاكر طيران له ولزوجته ولابنتيهما. وفي اليوم التالي، قرابة الظهر، استقلّوا إحدى آخر الرحلات التي سيّرتها شركة طيران غير إسرائيلية وغادروا البلاد، وكان كلٌّ منهم يحمل قطعة واحدة من أمتعة اليد. وكانت شقة أحد الأصدقاء في برلين بانتظارهم للأسبوع الأول.
بعد عامين، لم يعد آساف إلى إسرائيل، ولا حتى في زيارة عابرة. وكانت زوجته قد عادت مرات عدة من أجل توضيب متعلقاتهم وتسوية شؤونهم، لكنّ قرار الاستقرار في ألمانيا كان قد اتُّخذ مبكرًا، منذ كانون الأول (ديسمبر) 2023. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى، تنقلت العائلة بين ست شقق مختلفة، وفقد آساف عمله بعد أن اشترط عليه ربّ عمله الإسرائيلي الإقامة المادية داخل إسرائيل -وهو شرط يعتقد آساف أنه كان ذا دوافع سياسية.
وقال آساف لموقع "972+": "لم تكن لديّ أي أوهام بشأن الواقع، ولا بشأن مدى اختلاله وبشاعته، حتى قبل الحرب. كنا نعرف أن منظومة التعليم تتداعى، وأن النظام الصحي ينهار. وكنا نعرف أيضًا أن الجيش يرتكب في الأساس جرائم حرب. ولكن كان هناك، رغم كل شيء، هذا الوهم: أن الجيش سيفي، على الأقل، بالحد الأدنى من وظيفته -حماية المدنيين الإسرائيليين. وبحلول ما بعد ظهر السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، أدركنا أنه حتى هذا التصوُّر لم يكن صحيحًا. وإذا كان حتى هذا قد انهار، فإنه لا شيء يتبقى حقًا لإصلاحه".
ولاحظ آساف شيئًا آخر أيضًا في ذلك اليوم المشؤوم. وقال متذكرًا: "بدأ عدد كبير من الإسرائيليين يقولون أشياء مرعبة، ويتحدثون علنًا عن قتل الناس في غزة. لم يحدث ذلك بهذا الشكل من قبل. الآن مرّ عامان، ولم أعد. إنني أخشى السير في الشارع هناك وأنا أعلم أن كثيرين من الذين حولي شاركوا في ذلك".
وأضاف: "لم يكن الأمر وكأنه ظهر من العدم. كل هذا كان موجودًا أصلًا، ويتراكم. لكنّه أصبح، فجأة، مكشوفًا بالكامل. كانت مشاهدة مجتمع بأكمله وهو يتحول إلى نازي -كان ذلك أمرًا مخيفًا حقًا".
"أعلم أنني سأعيش في المنفى حتى نهاية أيامي"
في الأيام التي سبقت السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كان آريه، البالغ من العمر 73 عامًا، وزوجته يخططان مُسبقًا لزيارة برلين، لكنهما لم يكونا قد حجزا التذاكر بعد. وقال: "كان سؤال الانتقال إلى برلين مطروحًا بالفعل قبل الحرب. (أنا وزوجتي) متقاعدان، وابننا الوحيد يعيش هنا. فكرنا في تقسيم وقتنا".
وبينما كانا يتابعان الأخبار في ذلك الصباح، بدآ بمراقبة حركة الرحلات الجوية، ولاحظا أن شركات الطيران الأجنبية سارعت إلى إلغاء رحلاتها من إسرائيل وإليها. وخلال ساعات قليلة، اتخذا قرارًا سريعًا بالمغادرة قبل الموعد المخطط له، وحجزا تذاكر ذهاب فقط على متن طيران "إل عال" لرحلة بعد عشرة أيام. وقال: "حتى السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، لم أكن أرى أي سبب يدفعني إلى مغادرة البلاد نهائيًا".
ولكن ما إن اندلعت الحرب حتى أدرك آريه الاتجاه الذي تسير إليه الأمور. وقال: "في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، أي بعد شهر واحد من وصولنا (إلى ألمانيا)، قررتُ أنني لا أريد أن أكون جزءًا من الإبادة الجماعية التي بدأت إسرائيل في تنفيذها". وتابع: "شعرتُ بأن الطريقة الوحيدة -أو على الأقل الأفضل- لعدم التواطؤ في هذه الجريمة هي مغادرة البلاد".
أقام آريه في ألمانيا لمدة الأيام التسعين التي تسمح بها تأشيرته السياحية، وبعد ذلك عاد هو وزوجته لفترة وجيزة إلى إسرائيل بنيّة حزم أمتعتهما والانتقال نهائيًا. وكانت زوجته تحمل الجنسية الألمانية، وهو ما سهّل الإجراءات. وبعد بضعة أشهر، في أيار (مايو) 2024، عادا إلى برلين ليستقرا فيها بشكل دائم. سألته عمّا يعنيه البدء من جديد في سن متقدمة، وترْك مجتمع مألوف وحياة كاملة وراءه.
قال آريه: "لا أريد أن أبدو وكأنني أبالِغ، لكن الأمور جيدة. نحن متقاعدان، ولسنا في حاجة إلى بناء مسيرة مهنية أو البحث عن مصدر رزق. كل ما علينا فعله هو الاختيار من بين المعروض اللامتناهي من الفعاليات الثقافية. زوجتي تعرف الألمانية؛ أما أنا فلا أعرفها. أحاول أن أتعلمها، لكن الأمر ليس سهلًا".
وتابع: "أعرف أنني لن أكون ألمانيًا أبدًا -وأنني سأعيش في المنفى حتى آخر أيامي. لكنني لست الأول". وأضاف: "بالنسبة للمنفيين، نحن نعيش بأقصى درجات الامتياز الممكنة. دخلُنا لم يتغير: لدينا معاشان تقاعديان من إسرائيل، وبوصفنا مواطنين مسنين نتلقى مخصصات الشيخوخة من مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية. كما أننا نؤجّر شقة في القدس. وما دام الاقتصاد الإسرائيلي لا ينهار، فنحن بخير".
استذكر آريه قلق أصدقائه في إسرائيل من أن يعاني هو وزوجته من العزلة. وقال: "سألونا: ’من سيكون أصدقاؤكما في برلين؟ ومع من ستذهبان إلى السينما أو المسرح‘؟". لكن هذا القلق سرعان ما تبيّن أنه بلا أساس. "عندما وصلنا، اكتشفنا شيئًا لافتًا للغاية: الكثير من الأزواج في عمرنا من إسرائيل انتقلوا أيضًا إلى برلين؛ أشخاص مثقلون بالهموم نفسها، ويبحثون باستمرار بعضهم عن بعض".
اليوم، يتواصل آريه وزوجته اجتماعيًا بشكل منتظم مع ثلاثة أزواج إسرائيليين في برلين، جميعهم وصلوا خلال العامين الماضيين. وقال: "لم نكن نعرف أيًّا منهم في إسرائيل. وكلهم ينتمون إلى الطيف السياسي نفسه".
كنتُ على علم، بوصفي مقيمة في برلين، بوجود مجموعة على منصة "فيسبوك" تربط المتقاعدين الإسرائيليين في المدينة. وعندما سألت آريه عمّا إذا كان قد انضم إليها، قال إنه تعمّد الابتعاد عنها؛وأوضح أن للمجموعة صلات بوزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية، وأنه لا يرغب في المشاركة في أي نشاط له علاقة بالدولة الإسرائيلية.
لاحقًا علمتُ أنه على الرغم من أن المجموعة أُنشئت في البداية بمبادرة أفراد، فإنها سرعان ما تلقت دعمًا من منظمة تُدعى "زوسامن" (Zusammen، أي "معًا" بالألمانية). وكشف مقال حديث نُشر في صحيفة "هآرتس" أن المنظمة المظلّة التي تدير "زوسامن" ومبادرات مشابهة لها في أنحاء أوروبا هي "الجالية الإسرائيلية في أوروبا" (ICE)- تتلقى تمويلًا كبيرًا من الحكومة الإسرائيلية. وهذا مجرد مثال واحد على الكيفية التي تُواصل بها مؤسسات الدولة الإسرائيلية ترسيخ حضورها في حياة مواطنين اختاروا مغادرة البلاد.
حماية الأولاد
غادر مردخاي، البالغ من العمر 42 عامًا، إسرائيل مع زوجته وولديه في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ومثل حال كثيرين من المهاجرين الذين تحدثوا إلى "مجلة 972+"، يقول إن قرار المغادرة تبلور بشكل شبه فوري. بينما كانوا يتابعون الأخبار في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أصبح واضحًا بالنسبة له أنهم غير آمنين -"وأنه لا أحد يحمينا". حجزوا على أول رحلة ميسورة الكلفة عثروا عليها إلى خارج البلاد، وحطّوا في قبرص، ثم انتقلوا بعد أيام قليلة إلى أثينا. وبحلول تشرين الثاني (نوفمبر)، كانوا قد أدركوا أنهم لن يعودوا. وقال مردخاي: "في مرحلة ما فهمنا أن هذا الفصل من حياتنا في إسرائيل قد انتهى. كنا نريد حياة طبيعية لأطفالنا".
كما تشكّل قرارهم أيضًا بفعل مخاوف تتعلق بالسلامة الشخصية، مرتبطة بنشاطهم السياسي. فقد تطوّع مردخاي لسنوات مع منظمة غير حكومية تنقل مرضى فلسطينيين من الضفة الغربية إلى مستشفيات داخل إسرائيل، كما عمل مع منظمة تُشغّل مدارس ثنائية اللغة. وفي الأسابيع التي أعقبت 7 تشرين الأول (أكتوبر)، شاهد كيف أصبح نشطاء آخرون أهدافًا بصورة متزايدة. وقال: "كان هناك صحفي كاد أن يُعدم ميدانيًا لمجرد انتقاده ما كان يفعله الجنود الإسرائيليون في غزة. كانت آراؤنا السياسية علنية -على وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال عملنا. كان الشعور بعدم الأمان حقيقيًا".
وأضاف مردخاي أن المغادرة كانت أيضًا وسيلة لإبعاد أولاده عن "قبضة الجيش". وقد استقر ولداه الآن في اليونان، وهما يشعران بالارتياح لعدم اضطرارهما إلى مواجهة الخدمة العسكرية الإلزامية في إسرائيل. وقال إن الجالية اليهودية في أثينا سارعت إلى حشد الدعم لكثير من الإسرائيليين الذين وصلوا إلى المدينة في أعقاب 7 تشرين الأول (أكتوبر).
نوغا، البالغة من العمر 53 عامًا، غادرت إسرائيل إلى إيطاليا بعد عام من 7 تشرين الأول (أكتوبر)، برفقة طفليها. ومثل مردخاي، اتخذت القرار بدافع الرغبة في منع تجنيد أطفالها. وقالت: "كان ابني في الرابعة عشرة عندما غادرنا. كنت أخشى أنه لو بقينا، لكان قد مرّ بنظام تعليمي شديد العسكرة والقومية -غسل دماغ، وضغط اجتماعي- وفي النهاية كان سيصبح راغبًا في التجنيد".
ومنذ الأيام الأولى للحرب، تقول نوغا إنها كانت تخشى حجم الدمار الذي ستُنزله إسرائيل بغزة. غير أن ما دفعها في النهاية إلى الرحيل لم يكن الحرب بحد ذاتها فحسب، بل ردّة الفعل داخل مجتمعها خلال العام الأول من الإبادة. وقالت: "الجميع في حالة إنكار، كأنها لم تكن هناك حرب، وكأنهم لا يقتلون 30 طفلًا كل يوم". ووصفت نوغا لقاءات مع أصدقاء كانت فيها النقاشات اليومية التافهة تطغى على أي اعتراف بما يجري في غزة. وقالت: "كانوا يتحدثون عن أي مطعم يذهبون إليه صباح السبت، وماذا سيفعلون مع الأطفال. لم يكن أحد يتحدث عمّا نفعله نحن، كمجتمع، في غزة".
وأضافت نوغا: "لم أستطع أن أكون جزءًا من هذا المجتمع، ولا أريد لأبنائي أن ينشأوا فيه. نحن نربّي أطفالنا داخل هذا الواقع -حتى أننا لا نناقشه. شعرتُ بوحدة كاملة، كأنني لا أستطيع قول أي شيء. كنتُ مُجبرة على المشاركة في هذه الحياة الطبيعية الزائفة".
من الذي يستطيع الرحيل؟
من المهم التأكيد على أن معظم الإسرائيليين الذين أُجريتُ معهم مقابلات من أجل هذا المقال هم من اليهود الأشكناز -أي من المنتمين إلى الفئة المهيمنة الحاكمة في البلاد. ويحمل كثيرون منهم جنسية مزدوجة، غالبًا ما حصلوا عليها بسبب أصول أوروبية مرتبطة بعائلات نجت من المحرقة. وقد تمكن أولئك الذين لا يملكون جواز سفر ثانيًا مع ذلك من خلال إنشاء مسارات للخروج عن طريق التعليم العالي، أو التنقل المهني، أو جنسية أحد الزوجين.
وفي الوقت نفسه، من الضروري أيضًا الإشارة إلى أن شرائح واسعة من السكان اليهود في إسرائيل، ومعظمهم من اليهود غير الأشكناز، يفتقرون إلى أي خيار واقعي للهجرة. وهذه المجموعة، التي تمثل نحو نصف السكان اليهود في إسرائيل، هي في الغالب من المنحدرين من يهود جلبتهم سلطات الدولة إلى إسرائيل في العامين 1949-1950 من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وقد استُخدموا في السنوات الأولى للدولة كأدوات لرفع الحصة الديموغرافية اليهودية من السكان، وتعرضوا منذ ذلك الحين لتمييز اجتماعي واقتصادي مستمر وموثق على نطاق واسع.
مع ذلك، وبغضّ النظر عن هذه التراتبيات الداخلية، تظل كلتا المجموعتين أقل تعرضًا بكثير من الفلسطينيين للعنف اليومي الذي تطلقه إسرائيل في أرجاء البلاد. كما يحتفظ المواطنون اليهود الإسرائيليون بقدرتهم على المغادرة -ولو مؤقتًا- والعودة متى شاؤوا (في الواقع، يستحق الإسرائيليون العائدون بعد إقامات طويلة في الخارج مزايا سخية من الدولة). وبهذا المعنى، تعمل المواطنة الإسرائيلية بوصفها شكلًا من أشكال الامتياز الاستعماري: فهي تمنح أفراد المجموعة المهيمنة القدرة على التخلي عن المشروع عندما تصبح تكاليفه السياسية والمادية غير محتملة.
وقد تأمَّل عدد من الذين أُجريت معهم مقابلات بصراحة في هذا الامتياز. وقالت نوغا، وهي أم عزباء، إنها تفتقر إلى القدرة المالية والعاطفية لكي تصبح ناشطة بدوام كامل. وأضافت: "أشرفُ شيء هو البقاء جسديًا وحماية الفلسطينيين. لكنني لم أكن أستطيع فعل ذلك واقعيًا. البقاء، والعيش هناك يوميًا مع أبناء يفرض عليك المشاركة في الوضع وتطبيعه بمجرد وجودك".
ووصف آخرون، مثل عساف ومردخاي اللذين أمضيا سنوات في معارضة الفصل العنصري والاحتلال من داخل المجتمع الإسرائيلي، وصولهم إلى حالة من الإرهاق السياسي. وقد شعروا بأنهم فعلوا كل ما كان متاحًا لهم، وأن عدد الأشخاص في اليسار الإسرائيلي غير كافٍ لإحداث تغيير ذي معنى. وقال عساف: "نعم، كان يمكنني أن أبقى هناك وأن أموت هناك، وأن أدع أبنائي يموتون هناك. لكن ذلك لن يوقف الفظائع من الحدوث".
*الدكتورة هيلا أميت Hila Amit: باحثة وكاتبة مستقلة. أظهر كتابها الصادر في العام 2018 بعنوان "مَخرَج مثلي: سياسات الهجرة بسبب المثلية من إسرائيل" أن التوجه الجنسي والانتماء السياسي اليساري يلعبان دورًا مهمًا في قرارات مغادرة إسرائيل. وقد نال الكتاب جائزة جمعية دراسات نساء الشرق الأوسط للعام 2019. وهي مؤلفة عملين روائيين، وكذلك كتاب تعلّم اللغة العبرية النسوي المثلي "العبرية للجميع".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why Israelis are leaving in record numbers