الغد
ألون بن مئير* – (مدونة بن مئير) 2026/2/19
يُشكل المهاجرون العمود الفقري لعظمة أميركا. إنهم يُحركون اقتصادها ويُثرون ثقافتها ويُعززون ريادتها العالمية. مع ذلك، وتحت ستار "جعل أميركا عظيمة مجددًا"، تُقوّض سياسات ترامب الإقصائية والعنصرية هذا الأساس، وتُعيق الابتكار، وتُشوّه سمعة الأمة الأخلاقية. ولفهم حجم وأهمية المهاجرين في الولايات المتحدة، وضرورة استمرار الهجرة، يُبيّن ما يلي بوضوح كيف يُساهمون بشكلٍ كبير في دعم قوتنا العاملة ودفع عجلة الابتكار وتأمين الميزة التنافسية لأميركا على الساحة العالمية.
الوضع الراهن للهجرة
يوجد أكثر من مليون عامل زراعي غير مسجلين في الولايات المتحدة، من بينهم حوالي 40 في المائة من عمال مزارع المحاصيل. ويُشكل المهاجرون ما يقرب من 70 في المائة من إجمالي العمال الزراعيين في الولايات المتحدة، مما يجعلهم لا غنى عنهم في القوى العاملة الزراعية، ويُؤكد مدى اعتماد الإنتاج الغذائي الأميركي على هذه القوى العاملة.
وقد بدأنا نشهد بالفعل آثار حملات مكافحة الهجرة على القطاع الزراعي الأميركي. ففي وادي كاليفورنيا الأوسط، توقف غالبية العمال الزراعيين عن الحضور بعد مداهمات مكثفة نفذتها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية في تموز (يوليو) 2025، مما أدى إلى تعفّن المحاصيل في الحقول بسبب نقص العمالة. ونتجت عن ذلك خسائر مالية فادحة وهدر في المواد الغذائية وانخفاض في إيرادات المزارع وارتفاع في أسعار المواد الغذائية.
بالإضافة إلى الزراعة، يُشكل المهاجرون من أميركا اللاتينية ومناطق أخرى نسبة كبيرة في قطاعات البناء والضيافة وتصنيع الأغذية؛ إذ يمثلون حوالي 33 في المائة من العاملين في مجال تصنيع اللحوم، وأكثر من 80 في المائة من العاملين في مجال تصنيع الأغذية. وفي قطاع الترفيه والضيافة، يشكل المهاجرون حوالي 18 في المائة من العاملين؛ وفي أماكن إقامة المسافرين (أي الفنادق) وحدها، تزيد نسبة المهاجرين عن 30 في المائة من العاملين.
القوى العاملة في مجالات العلوم
وفقًا للمؤسسة الوطنية للعلوم، يشكل العمال المولودون في الخارج حوالي 22 في المائة من القوى العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الولايات المتحدة. ومن بين وظائف العلوم والهندسة التي تتطلب شهادات دكتوراه، ينتمي حوال 43 في المائة إلى مولودين في الخارج. وفي مجالات علوم الحاسوب والرياضيات على مستوى الدكتوراه، تتجاوز هذه الشريحة نسبة 55 في المائة. ويُشكل المولودون في الخارج نحو 30 في المائة من أعضاء هيئة التدريس بدوام كامل في العلوم والهندسة بالجامعات الأميركية، وهم حاضرون بنسبة غير متناسبة في المؤسسات البحثية.
سوف يؤدي منع قبول العلماء من دول مثل الهند والصين والمكسيك والأرجنتين إلى نقص حادّ في الكفاءات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الرئيسية. وعلاوة على ذلك، يُشكل المخترعون ورواد الأعمال نسبة كبيرة من براءات الاختراع الأميركية والشركات الناشئة سريعة النمو والعاملين الحاصلين على شهادات عليا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وبالتالي، فإن فقدان الباحثين الأجانب سيُضعف البحث العلمي ويُقلل الابتكار ويُبطئ التقدم العلمي ويُضعف القدرة التنافسية التكنولوجية والاقتصادية للولايات المتحدة.
تشير الأبحاث حول ريادة الأعمال بين المهاجرين إلى أن المهاجرين ممثلون تمثيلاً زائداً بين مؤسسي الشركات الجديدة، بما في ذلك شركات التكنولوجيا المتقدمة والشركات الناشئة العملاقة، مما يُضاعف الضرر طويل الأمد الذي قد تُسببه السياسات التقييدية تجاه العلماء غير الأوروبيين.
المهاجرون في الجيش الأميركي
في العام 2017، بلغ عدد الأفراد المولودين في الخارج في الخدمة الفعلية حوالي 190 ألفًا، ما يمثل نحو 4.5 في المائة من إجمالي أفراد الخدمة الفعلية. وبحلول العام 2024، كان هناك حوالي 8.000 ممن لا يحملون الجنسية الأميركية يلتحقون بالجيش سنويًا. وفي العام 2022، بلغ عدد المحاربين القدامى المولودين في الخارج حوالي 731 ألفًا، أي ما يقارب 4.5 في المائة من إجمالي عدد المحاربين القدامى. وتاريخيًا، وما يزال، لعب الجنود المولودون في الخارج أدوارًا محورية في جميع الصراعات الأميركية الكبرى منذ حرب الاستقلال، وحصل المهاجرون على أكثر من 20 في المائة من جميع ميداليات الشرف، ما يؤكد عمق مساهمتهم في الدفاع الوطني.
تكريم ريغان للمهاجرين
ربما لا يستطيع أحد التعبير عن الأهمية البالغة للمهاجرين في الولايات المتحدة، وكيف جعلوا منها أرض الفرص التي جسدت الوعد الذي جعلها استثنائية، كما فعل الرئيس ريغان في خطابه الأخير للأمة، حين قال:
"بما أن هذا هو الخطاب الأخير الذي سألقيه كرئيس، أرى أنه من المناسب أن أختم بكلمة أخيرة، ملاحظة عن بلد أحبه. وقد وردت الفكرة بأفضل شكل في رسالة تلقيتها مؤخرًا. كتب لي رجل يقول: "يمكنك أن تعيش في فرنسا، لكنك لن تصبح فرنسيًا. يمكنك أن تعيش في ألمانيا أو تركيا أو اليابان، لكنك لن تصبح ألمانيًا أو تركيًا أو يابانيًا. أما أي شخص، من أي مكان في العالم، فيمكنه أن يأتي ويعيش في أميركا ويصبح أميركيًا" ".
"نعم، إن شعلة سيدة الحرية ترمز إلى حريتنا وتمثل تراثنا، والعهد الذي قطعناه مع آبائنا وأجدادنا وأسلافنا. إنها تلك السيدة التي تمنحنا مكانتنا العظيمة والمميزة في العالم. فقوة الحياة العظيمة لكل جيل من الأميركيين الجدد هي التي تضمن استمرار انتصار أميركا بلا منازع في القرن القادم وما بعده. قد تسعى دول أخرى لمنافستنا، ولكن في مجال حيوي مثل أن تكون منارة للحرية والفرص التي تجذب شعوب العالم، لا تضاهينا أي دولة على وجه الأرض.
"أعتقد أن هذا أحد أهم مصادر عظمة أميركا. فنحن نحتل مركز الصدارة بين الأمم لأننا، بشكل فريد، نستمد قوتنا من كل بلد ومن كل ركن من أركان العالم. وبذلك، نجدد أمتنا ونثريها باستمرار. وبينما تتشبث دول أخرى بماضيها البالي، نبثّ هنا في أميركا الحياة في الأحلام. نصنع المستقبل، والعالم يتبعنا نحو الغد.
"بفضل كل موجة من الوافدين الجدد إلى أرض الفرص هذه، نبقى أمة شابة على الدوام، تنبض بالطاقة والأفكار الجديدة، ودائماً في الطليعة، تقود العالم نحو آفاق جديدة. هذه الصفة حيوية لمستقبلنا كأمة. لو أننا أغلقنا أبوابنا أمام الأميركيين الجدد، لفقدنا ريادتنا العالمية سريعاً".
كيف انحدرنا من اعتراف الرئيس ريغان بنبل المهاجرين إلى ادعاء ترامب المُجرّد من الإنسانية: "إنهم يأكلون الكلاب… إنهم يأكلون القطط… إنهم يأكلون… إنهم يأكلون الحيوانات الأليفة…"؟ في هذا الانحدار الصارخ نرى الثمن الأخلاقي الباهظ للتخلي عن الحقيقة من أجل المصلحة السياسية.
لطالما كان المهاجرون شريان الحياة للتجربة الأميركية. وسيكون إغلاق أبوابنا أمام المهاجرين بمثابة إغلاق الباب أمام محرك الحيوية الأميركية. وإذا فتحنا حدودنا، مرحبين بالجميع بغض النظر عن العرق أو الدين، فإننا نطلق العنان لأعظم قوة لنا– أمة تولد من جديد، لا حدود لقدرتها على الحلم وتحقيق المستحيل.
* د. ألون بن مئير About Alon Ben-Meir: أستاذ متقاعد في العلاقات الدولية، عمل سابقا في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك وزميلًا أول في معهد السياسة العالمية. خبير في شؤون الشرق الأوسط وغرب البلقان، والمفاوضات الدولية، وحل النزاعات. خلال العقدين الماضيين، شارك بشكل مباشر في عدة مفاوضات سرية تضم إسرائيل والدول المجاورة وتركيا.