الضربات على الطاولة والمحادثات معلقة.. ماذا ينتظر إيران؟
الغد
عواصم - تتباين الإشارات بشأن المسار الذي ستتخذه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل رسائل متناقضة تجمع بين التهديد العسكري والاستعداد لاستئناف الاتصالات الدبلوماسية. ففي الوقت الذي يقول فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتوقع محادثات جديدة مع طهران هذا الأسبوع، يؤكد في الوقت نفسه أن استئناف الضربات يبقى مطروحا، وأنه رفض المقترح الإيراني الأخير لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
وفي المقابل، تؤكد طهران أنها لا تغلق باب التفاوض، لكنها تتمسك بشروطها، فق قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده مستعدة للدبلوماسية، وفي الوقت نفسه "مستعدة للحرب" إذا استؤنفت المواجهات، معتبرا أن الخيارين مطروحان أمام الرئيس الأميركي، وأن إيران لن تتخلى عن مصالحها أو عن حقها في الرد على أي هجوم.
وتعكس التطورات الأخيرة أن الاتصالات لم تتوقف تماما رغم إعلان ترامب رفض المقترح الإيراني. فقد التقى عراقجي وسطاء قطريين في نيويورك، أول من أمس، لبحث أفكار تتعلق بالشروط الإيرانية، وقال إن الجانب القطري سينقل ما جرى بحثه إلى الولايات المتحدة، وإن طهران تنتظر ردا أميركيا رسميا.
وأضاف أن اتصالات مماثلة تجري أيضا عبر وسطاء باكستانيين، لكنها أصبحت أكثر جدية منذ تقديم إيران مقترحها الأخير.
ويقوم المقترح الإيراني على خطة من سبع نقاط، تربط إعادة فتح مضيق هرمز باتخاذ واشنطن خطوات تتعلق بوقف الحرب والحصار البحري، وتخفيف القيود على صادرات النفط الإيرانية، والإفراج عن أصول وأموال إيرانية مجمدة. ووفقا لشرح عراقجي، يمكن تنفيذ الإجراءات المطلوبة خلال أربعة أو خمسة أيام، على أن يبدأ فتح المضيق، ثم تستأنف في اليوم السابع مفاوضات أوسع حول الاتفاق النهائي والملف النووي.
لكن واشنطن رفضت هذا الطرح بصيغته الحالية، وقال ترامب صراحة إنه "يرفض" المقترح الإيراني، معتبرا أن طهران تسعى إلى اتفاق بشأن المضيق لأنها تواجه ضغوطا متزايدة. كما نفى ترامب تقارير تحدثت عن تقديمه عرضا يتضمن تخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل تنازلات في الملف النووي.
وفي أحدث مؤشر على طبيعة الخلاف، قالت مصادر أميركية إن أي اتفاق لإنهاء الحرب لن يكون ممكنا من دون معالجة البرنامج النووي الإيراني. وهذا يعني أن واشنطن لا تنظر إلى قضية مضيق هرمز باعتبارها ملفا منفصلا عن بقية عناصر المواجهة، بينما تحاول طهران استخدام المضيق كبوابة لإطلاق مسار تفاوضي أوسع.
سلمان: طهران تريد تخفيف الحصار
وفي قراءة للخيارات الإيرانية، يرى الباحث السياسي جعفر سلمان أن الضغوط الاقتصادية تضيق هامش المناورة أمام طهران، مشيرا إلى العقوبات، وتقييد حركة الأموال، والقيود المفروضة على صادرات النفط والاتصالات المالية.
وبحسب قراءته، فإن تمسك إيران بالدبلوماسية يعكس رغبتها في الوصول إلى اتفاق يخفف الضغط الاقتصادي، من دون أن يعني بالضرورة استعدادها لقبول جميع الشروط الأميركية.
ويشير سلمان إلى أن الملفات التي تريد واشنطن إدراجها في أي تسوية تتجاوز البرنامج النووي لتشمل الصواريخ، والأذرع الإيرانية في المنطقة، ومضيق هرمز. ويرى أن المفاوضات لن تحقق اختراقا حقيقيا ما لم يحصل تقدم في هذه الملفات، فيما يبقى الخيار العسكري مطروحا إلى جانب الضغوط الاقتصادية.
مهدي: الدبلوماسية ليست تنازلا
في المقابل، يرفض أستاذ العلوم السياسية بجامعة قم أحمد مهدي تفسير العودة إلى الدبلوماسية باعتبارها نتيجة مباشرة للضغط الأميركي. ويقول إن طهران كانت منخرطة في المسار التفاوضي قبل تصاعد المواجهة، وإنها لا تريد الحرب لكنها لن تتخلى عن خطوطها الحمراء.
ويشير مهدي إلى أدوار قطر وعمان وباكستان في الوساطة، معتبرا أن استمرار إيران في طرح التفاوض يحرم واشنطن من تقديم رفض طهران للحوار مبررا لتصعيد عسكري جديد. ويؤكد أن الضغوط الاقتصادية ألحقت أضرارا بإيران، لكنها لم تدفعها، وفق تقديره، إلى التخلي عن مواقفها الأساسية.
كما يفسر مهدي توقف المواجهة السابقة بأنها ارتبطت، من وجهة نظره، بالضربات التي تعرضت لها قواعد أميركية في المنطقة، محذرا من أن استئناف الحرب قد يفتح جولة جديدة يصعب ضبط مسارها.
رابيل: الضغط الاقتصادي قبل الحرب الشاملة
أما أستاذ العلوم السياسية روبرت رابيل، فيرجح استمرار الضغط الاقتصادي الأميركي لإجبار إيران على تقديم تنازلات خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، مع إبقاء الضربات العسكرية ضمن الخيارات المتاحة.
ويرى رابيل أن الحرب الشاملة التي قد تتطلب تدخلا بريا ليست الخيار المطروح حاليا باعتباره المسار الأول، بينما تظل الضربات المحددة أو توسيع العمليات العسكرية احتمالا قائما. كما يشدد على أهمية حساب تداعيات "اليوم التالي" لأي تغيير كبير داخل إيران، خصوصا على السكان والاستقرار الإقليمي.
وبينما تتحدث واشنطن عن استمرار الضغط، تتمسك طهران بانتظار الرد الرسمي عبر الوسطاء. وفي الوقت نفسه، يواصل ترامب إرسال إشارات مزدوجة: توقع محادثات جديدة من جهة، وعدم استبعاد الضربات من جهة أخرى. وقال إنه "يفكر دائما" في إمكانية استئناف الضربات على إيران، ما يبقي المسار العسكري حاضرا في الحسابات.
وهكذا، يبدو أن إيران تنتظر حاليا معرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحويل الاتصالات غير المباشرة إلى تفاوض فعلي، وما إذا كان بالإمكان التوصل إلى صيغة تجمع بين وقف القتال وفتح مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات. وفي المقابل، تريد الولايات المتحدة اختبار مدى استعداد طهران لتقديم تنازلات تتجاوز المضيق.
وبينما يواصل الوسطاء تحريك الرسائل بين الطرفين، تبقى الضربات خيارا مطروحا على الطاولة، فيما لم تتحول المحادثات بعد إلى اتفاق واضح أو جدول زمني ملزم.
وتبقى العقدة الأساسية في قدرة الطرفين على الاتفاق على ترتيب الأولويات: هل يبدأ وقف الحرب ورفع الحصار، أم تقدم إيران أولا تنازلات في الملف النووي والقضايا الأخرى التي تطالب واشنطن بإدراجها في أي تسوية؟-(وكالات)