الراي
في الثالث من أيلول 2026، التقى قداسة البابا لاون الرابع عشر رئيس وأعضاء مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية (CELRA)، الذي يضم رعاة الكنيسة اللاتينية في رقعة واسعة تشمل بلاد الشام ومصر والقرن الأفريقي ودول الخليج.
وقد حملت الكلمة البابوية رؤية واضحة من الكرسي الرسولي إلى المسيحيين في هذه البلدان: لا تخافوا، ولا تيأسوا، بل واصلوا مسيرة الحضور والعطاء والشهادة، بالرغم من الصعوبات والهجرة وتناقص الأعداد في بعض المناطق.
وجاءت العبارة الأبرز: "لا تخافوا لأنّ عددكم قليل. عطاء الكنيسة لا يُقاس بالأعداد، ولا بالهيكليات، ولا بالإمكانات، بل بالأمانة للإنجيل".
إنها رسالة تشجيع بالغة الأهمية للمسيحيين الذين يشكّلون جزءًا أصيلًا من تاريخ هذه المنطقة ونسيجها الحضاري والإنساني. فالإيمان المسيحي هنا ليس مستوردًا ولا طارئًا، بل هو متجذر في أعماق تاريخ هذه البلدان المقدسة، التي شهدت انطلاقة المسيحية الأولى، ومنها حمل الرسل البشارة إلى العالم.
ومن هنا، لا ينبغي أن تتحوّل القلة العدديّة إلى خوف أو انكفاء، بل إلى دافع لمزيد من الحضور الإيجابي وخدمة الإنسان والمجتمع. وقد عبّرت كلمة البابا عن ذلك بوضوح: الجماعة الصغيرة تستطيع أن يكون حضورها ثمينًا، "لا لأنها تسعى إلى السلطة، بل لأنّها تخدم، ولا لأنها تفرض نفسها، بل لأنها تشهد، ولا لأنها تجيب على العنف بعنف آخر، بل لأنها تواجه القوة بالمحبة".
كما توقفت الكلمة أمام شهداء الإيمان والخدمة في المنطقة، من العراق وسوريا إلى اليمن، مؤكدة أن تضحياتهم تبقى نورًا ودعوة إلى عدم الاستسلام للخوف واليأس.
وفي الوقت نفسه، جاء التشديد على أهمية العائلات والشباب والتنشئة المسيحية، وعلى المدارس والمستشفيات وأعمال المحبة باعتبارها جزءًا أساسيًا من رسالة الكنيسة وخدمتها لجميع أبناء المجتمع دون تمييز.
ولم يغب الحوار الإسلامي–المسيحي والوحدة بين الكنائس عن هذه الرؤية. فالحوار، كما جاء في الكلمة، "لا يعني التخلي عن هويتنا، بل أن نعيش حياتنا كاملة دون الخوف من اللقاء". وهي قاعدة بالغة الأهمية في منطقتنا التي تحتاج إلى مزيد من اللقاء والتعاون وصناعة السلام.
أما الرسالة الختامية فهي رسالة رجاء: "لا تخافوا من أن تزرعوا من دون أن تروا الثمار فورًا. أنتم عليكم أن تزرعوا، والله هو الذي يُنمي". إنها دعوة لمسيحيي الشرق في منطقتنا إلى مواصلة المسيرة بثقة وأن يبقوا متجذرين في إيمانهم وأوطانهم، أوفياء لتاريخهم، منفتحين على شركائهم في المواطنة، وبالأخص أخوتهم المسلمين، عاملين من أجل العدالة والمصالحة والسلام. فالمهم ليس كم عددهم، بل ماذا يقدمون لأوطانهم، وكم يبقون أمناء للإيمان والرسالة الانسانية والحوارية والروحية.
طبعًا، لم يكن اللقاء مجرّد إصغاء، بل كان حوارًا مع قداسة البابا. وقد استهلّ الحديثَ غبطةُ البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين وهو رئيس مجلس الاساقفة اللاتين. ثم أُتيح، بلا شك، للأساقفة القادمين من البلدان العربية تبادلُ الآراء حول السنوات المقبلة، وإمكانية زيارة البابا للمنطقة في المرحلة المهمّة القادمة. ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه الأردن للاحتفال بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح عام 2030، فيما تستعد القدس للاحتفال بمرور ألفي عام على قيامة السيد المسيح عام 2033. وهذا يتطلّب، أولًا وأخيرًا، استقرارَ الإقليم، ومنحَ الشعب الفلسطيني حقَّه في الحرية والاستقلال، لكي تتمكّن الأرض المقدسة من الاحتفال بقلوب مملوءة بالفرح والسرور، وتكون مؤهلة لاستقبال ملايين الحجاج في أجواء من الطمأنينة والسلام.