الغد
هآرتس
مئير كراوس
28/11/2025
إن إقامة دولة فلسطينية يمثل مصلحة أمنية وسياسية وهوياتية واضحة لدولة إسرائيل، وإن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لإنهاء النزاع وإراقة الدماء وتحقيق الأمن لإسرائيل.
وهو أيضا الطريقة الوحيدة للحفاظ على الطابع اليهودي والديمقراطي لدولة إسرائيل، وتطبيق قيمها الأخلاقية، وصون مكانتها في أسرة الأمم.
في المقال الذي نشره آفي غارفنكل هنا قبل شهر ("هآرتس"، 28/10)، دعا الكُتّاب إلى مواجهة مخاوف الجمهور الواسع من أن تشكل الدولة الفلسطينية خطرا وجوديا على إسرائيل.
ووفقا له، فإن مؤيدي الدولة الفلسطينية ينظرون إلى مواقفهم كمسلمات إيمانية لا تحتاج إلى إثبات. أنا أرغب في مناقشة التحدي الذي طرحه غارفنكل أمام كل من يسعى لإنهاء النزاع بيننا وبين الفلسطينيين.
التحدي الحقيقي الذي يواجهنا هو، وبكل حق، ضمان وجود دولة إسرائيل بافتراض قيام دولة فلسطينية إلى جانبها. وهذا يتطلب نقاشا موضوعيا وعقلانيا يشمل كافة جوانب الأمن الوطني: العسكرية والسياسية والاقتصادية والقيمية. في المقابل، فإن الرفض المطلق لإمكانية تحقيق أمن إسرائيل بوجود دولة فلسطينية يصل هو الآخر إلى درجة الإيمان المطلق.
للفلسطينيين، كما لليهود، الحق في تقرير المصير في هذه البلاد، وهو حق يستحقونه بغض النظر عنا.
الفلسطينيون هم أبناء هذه الأرض منذ أجيال طويلة، ولديهم هوية وطنية مميزة ويرغبون في تجسيد هذا الحق.
القرار 181 للأمم المتحدة الصادر عام 1947 بشأن تقسيم البلاد إلى دولتين – دولة يهودية ودولة عربية – يرتكز على حق الشعبين في تقرير المصير.
إن رفض الفلسطينيين لذلك القرار في حينه كان خطأ تاريخيا جسيما، دفعوا ويدفعون ثمنه غاليا، ونحن أيضا دفعنا الثمن. ولكن هذا الرفض لا ينفي الحق الذي يستحقونه، خاصة بعد أن اعترفوا عام 1988 في إعلان استقلالهم بدولة إسرائيل، ووافقوا على قرار التقسيم وقرارات الأمم المتحدة 242 و338، والتي تعني ضمنا الموافقة على دولة ضمن حدود عام 1967.
إن اعتراضنا على حق الفلسطينيين في تقرير المصير يجرّ خلفه اعتراضا على حقنا نحن.
وهذا ليس خطرا مستقبليا، بل خطر آني؛ فهم يعترضون أمام أنظارنا على حق وجود دولة إسرائيل، وهذا التحدي سيتفاقم كلما تباطأنا في حل النزاع.
لضمان وجود دولة إسرائيل جنبا إلى جنب مع دولة فلسطينية، لا بد من ترتيبات توفر استجابة ملموسة للتحديات الأمنية، وتشمل: نزع سلاح الدولة الفلسطينية، وضع أسس تضمن استقرارها وتمنع إضعافها على يد جهات معادية، ومنح إسرائيل القدرة على التدخل لمنع المخاطر، بالإضافة إلى ضمانات دولية. وستتضمن هذه الترتيبات تفعيل حق العودة إلى الدولة الفلسطينية، وتحديد التزام أي قيادة فلسطينية بالسلام وإنهاء كافة المطالبات بين الطرفين.
سيكون هذا الواقع مختلفا جوهريا عن الواقع الذي كان قائما عند الانسحاب من لبنان أو الانفصال عن غزة؛ فقد نُفذت تلك الانسحابات من جانب واحد دون اتفاقات، ودون نقل مسؤولية الأراضي إلى جهة معينة، وبالتأكيد دون إنهاء للصراع. إن قيام دولة فلسطينية من شأنه أن يلبي التطلعات الوطنية الفلسطينية ويشجع الفلسطينيين الساعين للسلام – وهم موجودون – سيعزز مكانتهم في المجتمع ويتيح لهم الازدهار والتركيز على بناء دولتهم. بالتالي، توجد فرصة حقيقية لترسيخ رغبة فلسطينية واضحة في السلام مع إسرائيل من خلال إقامة هذه الدولة، الأمر الذي سيقلل بشكل كبير من دوافع النضال العنيف ضدنا.
ما دمنا نسيطر على الفلسطينيين، فسيستمرون في قتالنا وسنستمر نحن في قتلهم وتعريضهم للخطر. إن استمرار السيطرة على الشعب الفلسطيني يعني صراعا متواصلا ودورات تصعيد دموية متزايدة، الأمر الذي يستلزم تخصيص قوات وموارد ضخمة.
وطالما أدرنا الصراع، فإن القوى وغيرها من الفصائل المقاتلة ستلجأ إلى العنف لتقوية موقفها بهدف إضعاف إسرائيل.
البديل عن التنازل عن الأرض هو أن نظلّ عالقين في صراع دائم يكلفنا الدماء والأرواح والموارد. لقد اختبرنا هذا مرارا، وبعيدا عن محاولات إعادة كتابة التاريخ، يجدر بنا أن نتذكر أن كارثة 7 أكتوبر وقعت في سياق إدارة الصراع، وليس أثناء السعي لحله.
إن الفرصة الوحيدة لتحقيق السلام والأمن لإسرائيل تكمن في تقسيم البلاد وإقامة دولة فلسطينية.
إن استمرار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لما يقرب من قرن، واستمرار وضع الاحتلال هذا لمدة ستين عاما تقريبا، قد أضر بمكانة إسرائيل الدولية بشكل كبير. فقد اعترفت أكثر من 150 دولة بالدولة الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، تعيد دول عديدة تقييم علاقاتها مع إسرائيل وتدرس اتخاذ خطوات – علنية وسرية – لتقليص هذه العلاقات والضغط على إسرائيل للمضي قدما في التسوية.
وقد تكثفت هذه الخطوات مع حرب غزة، ويمكن أن تلحق ضررا بالغا بأمن إسرائيل واقتصادها.
إن إنهاء الاحتلال والمضي قدما في إنهاء الصراع وإقامة دولة فلسطينية سيحدث تغييرا جذريا في مكانة إسرائيل الدولية وسيعيد الثقة بها.