عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Feb-2026

منتدى الإعلام السعودي... ومسألة القيم*د. عبد الحق عزوزي

 الشرق الاوسط

سعدت بالمشاركة في «منتدى الإعلام السعودي» لهاته السنة في دورته الخامسة، والذي كان في موضوع، «الإعلام في عالم يتشكّل»، وهو منتدى غني وجامع وشامل، ذو أهداف نبيلة وعالمية، ويحقق باستمرار ثقافة النحل في الإنتاج والإبداع، ومما يدل على ذلك حصوله على شهادة موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، بوصفه أكبر حدث إعلامي في العالم من حيث عدد الحضور، بعد أن بلغ عدد زواره 65603 زائرين، في تأكيد جديد على مكانته المتصاعدة بوصفه منصة دولية فريدة في صناعة الإعلام.
 
في كلمته الافتتاحية، أعلن وزير الإعلام السعودي، الأستاذ سلمان الدوسري، إطلاق 12 مبادرة نوعية، أبرزها معسكر الابتكار الإعلامي «سعودي مب»، إلى جانب مبادرتَي «تمكين» و«نمو» لدعم الأفكار الريادية، وتحويل المشاريع الإعلامية إلى نماذج عمل مستدامة.
 
كما أعلن إصدار وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» بالشراكة مع «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا)؛ لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة والممارسات المهنية، وإطلاق وكالة الأنباء السعودية (واس) بوصفها مركزاً للدراسات الإعلامية واستطلاعات الرأي.
 
كما أعلن أيضاً إطلاق مشروع موسوعة «سعوديبيديا» بمحتوى مترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والألمانية، ويضم أكثر من 70 ألف مقالة. وتحدَّث عن النسخة الثانية من ملتقى صُنّاع التأثير «إمباك» التي ستُعقَد في مدينة القدية بمشاركة أكثر من 2000 صانع محتوى ومؤثر من 90 دولة.
 
كما شهد المنتدى «معرض مستقبل الإعلام» (فومكس) الناجح، الذي ضم أجنحة للعارضين من المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة المحلية والدولية، لعرض مساهماتها وابتكاراتها في مجالات الإعلام والراديو والتلفزيون. وشمل المعرض منطقة للإطلاق تُتيح للشركات عرض أحدث ابتكاراتها وتقنياتها الإعلامية، وإبرام الشراكات الاستراتيجية، كما قدّم مسرح «فومكس» جلسات نقاش وحوار وورش عمل بحضور خبراء محليين ودوليين، مع مساحة لتوقيع اتفاقات التعاون والشراكات التي تدعم تطوير منظومة الإعلام المستقبلية.
 
في مشاركتي بجلسة «الرقابة الذاتية: تقاطعات الحرية والمسؤولية الإعلامية»، التي أدارتها الإعلامية المقتدرة رنا أبتر، توقفت عند أبجديات العالم الافتراضي الذي أحدث ثورة حقيقية في مجال التواصل الاجتماعي المحلي والعالمي، والتقليص من حدود الجغرافيا الكلاسيكية، وما يعطيه لكل شرائح المجتمع من إمكانية التفاعل الآني واللحظي مع كل ما يُدوَّن أو يُصوَّر، وأصبح كل واحد منا بإمكانه أن يتفاعل مع الخبر بالليل والنهار من دون صعوبة. ومَن يملك مقاليده، فقد ملك كل شيء، وبإمكانه توجيه اختيارات الناس بمَن في ذلك الناخبون، والتأثير على الاستقرار الاجتماعي للدول، ناهيك عن تأثيراته السلبية عندما يضع مثلاً مشاعر الأطفال والمراهقين للبيع أو للتلاعب بها، سواء من قبل المنصات الرقمية أو الخوارزميات في عالم افتراضي أضحى رفيقاً يومياً للطفل والمراهق، وهو ما أشرنا إليه في مقالة سابقة.
 
ووسائل التواصل والإعلام الجديدة أحدثت بذلك شبه قطيعة مع الإعلام التقليدي، السمعي والبصري، لأنه من جهة لم تعد النخب هي الفئة الوحيدة التي تكتب وتشرح وتنظر وتؤثر، ولأن شبكات التواصل الاجتماعي أضحت عالماً يلجه الملايين من الناس ومن كل الأعمار.
 
ماذا يعني هذا كله؟
 
أضحى هذا العالم الافتراضي بحراً لا ساحل له، وأضحت شبكات التواصل الاجتماعي عالماً يصعب مراقبته أو ضبطه، لأن الدول لا تملك بنى تحتية متكاملة تمكنها من مراقبة المحتوى الرقمي أو إيقافه، كما أن شبكات التواصل الاجتماعي هاته قد تؤثر على البيئة الداخلية وعلى البيئة الاستراتيجية الدولية على حد سواء.
 
وهنا تكمن المسؤولية؛ وهي مسؤوليتان من دون منازع: مسؤولية فردية ومسؤولية جماعية؛ وتشملهما مسألة القيم، أي المبادئ والمعايير الإنسانية، والمثل العليا التي تجمع الأفراد والمجتمعات، وتعمل بوصفها ميزاناً إيجابياً يؤطر السلوك والتصرفات المعنوية والمادية، وتشمل الفضائل الأخلاقية والاجتماعية التي توجه سلوك الفرد وتُحدد استقامته، وتُعد بمثابة إطار مرجعي ينظم حياة الأفراد وتفاعلهم مع المجتمع، مما يُحقق التوازن والثبات في تصرفاتهم... والمسؤولية الجماعية تكمن في وضع ضوابط قانونية وتشريعات دولية توقف ما يجري من تسول وانحراف وتضليل رقمي، وهاته ضرورة قصوى في عالم يتشكل، ولكنها صعبة التحقيق، لأن السؤال المطروح هو: كيف يمكن خلق توازن بين حرية التعبير ومأسسة مفاهيم القيم المتعارف عليها دولياً، وأعني بذلك كيفية تقنين وضبط محتوى آليات التواصل الاجتماعي بما يتماشى مع مسائل القواسم المشتركة التي تجمع كل الناس، وهذا طبعاً ليس بمقدور دولة لوحدها أو منظمة واحدة، بل يستلزم ذلك وعياً جماعياً، وتعزيزاً للتكتلات من كل المستويات لتكون قوة ضغط على كبريات الشركات الرقمية العالمية ومؤلفي الخوارزميات الذين يجب أن ينطلقوا من القواسم المشتركة التي تجمع الخلائق، وليس من الأرباح التي يعدها لهم ذوو النفوذ وأصحاب الشركات.