عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Sep-2026

الحرب في منطقة الشفق

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
أندرو ب. نابوليتانو – (كونسورتيوم نيوز) 4/9/2026
 
لا تتعلق المسألة بما إذا كان الرئيس قويًا بما يكفي لممارسة السلطة، وإنما بما إذا كان متقيّدًا بما يكفي للامتثال للقوانين التي أقسم على احترامها.
 
لا تنتهي الحرب الفاشلة عندما تتوقف الطائرات المسيّرة عن التحليق. إنها تخلق خطرًا جديدًا: حكومةً ترفض الاعتراف بالهزيمة؛ ورئيسًا يسعى بعد أن فشل الخارج، إلى تحقيق انتصارات تُظهر القوة في أماكن أخرى.
تَعرض الحرب ضد إيران حالة نموذجية لحدود القوة العسكرية، والمخاطر التي ينطوي عليها تجاوز الرئيس لسلطاته، والحكمة الثابتة لمبدأ فصل السلطات الذي نص عليه الدستور. وكانت حربًا بلا تفويض؛ وغير دستورية؛ وغير قانونية؛ ومفتقرة إلى الاتساق الاستراتيجي؛ وفشلًا جيوسياسيًا، وفق المعايير التي ينبغي أن تُقاس بها الحروب.
قيل للشعب الأميركي أن استخدام القوة سيحقق أهدافًا واضحة. أن إيران ستُجبر على الاستسلام. وأن الأمن الأميركي سيتعزز بطريقة ما. وأن منطقة الشرق الأوسط ستصبح أكثر استقرارًا.
لكنّ ما حدث بدلًا من ذلك هو أن الولايات المتحدة أنفقت موارد هائلة، واستهلكت ذخائر شحيحة مسبقًا، وعمّقت حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وفشلت في تحقيق النتيجة السياسية التي وعد بها الرئيس دونالد ترامب. وفي الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور فقط حذّر كبار المسؤولين العسكريين ترامب من أن تمديد العمليات واسعة النطاق يهدد باستنزاف قدرات عسكرية حيوية وبإضعاف قدرة أميركا على الاستجابة في أماكن أخرى.
تستطيع الولايات المتحدة تدمير المباني، والقضاء على الأهداف، ونشر الطائرات والسفن والصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات في أي مكان على وجه الكوكب. لكن الحرب ليست لعبة فيديو يؤدي فيها تدمير أصول العدو تلقائيًا إلى استسلامه سياسيًا. إن الحرب هي صراع إرادات، ومجتمعات، وثقافات، وعرض للقدرة على الاحتمال.
إليكم السؤال الدستوري الذي كان ينبغي أن يُطرح قبل إسقاط القنبلة الأولى: من أعطى الرئيس سلطة بدء هذه الحرب؟ الدستور لم يفعل.
تنص المادة الأولى من الدستور، القسم الثامن، على أن الكونغرس -وليس الرئيس- هو صاحب سلطة إعلان الحرب. وقد رفض واضعو الدستور عمدًا النموذج البريطاني الذي كان الملوك فيه قادرين على جرّ الأمم إلى النزاعات استنادًا إلى تقديراتهم الشخصية أو طموحاتهم أو مصالحهم السياسية. وحذّر جيمس ماديسون من أن السلطة التنفيذية هي "الفرع الأكثر مصلحة بالحرب"، ولذلك وضع الدستور قرار الدخول في حرب خارج نطاق السلطة الدستورية للرئيس.
الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهو يقود القوات بعد صدور قرارات قانونية من الكونغرس. لكنه لا يملك سلطة تحويل هذا اللقب إلى تفويض شخصي له ببدء الحروب.
وقد أقرّت المحكمة العليا هذا المبدأ مرارًا. في قضايا مثل قضية "شركة يونغستاون شيت آند تيوب ضد سوير"(1)، رفضت المحكمة فكرة أن الرئيس هاري ترومان يمتلك سلطة غير محدودة لمجرد استناده إلى ذريعة الأمن القومي. وحذّر القاضي روبرت جاكسون، في رأيه المشترك الشهير، من أن السلطة التنفيذية تكون أشد خطرًا عندما تعمل في "منطقة الشفق"، حيث يحاول الرؤساء توسيع سلطاتهم إلى ما وراء الحدود الدستورية ومن دون موافقة الكونغرس.
وتقع حرب إيران تحديدًا في تلك المنطقة من الشفق؛ حيث تصطدم طموحات السلطة التنفيذية بالقيود الدستورية.
قد تجادل الإدارة بأن التهديدات الحديثة تستلزم قدرًا من المرونة. وقد استخدم رؤساء من الحزبين هذا المبرر على مدى عقود. لكن المرونة لا تعني التمتع بسلطة غير محدودة. فقد كُتب الدستور في المقام الأول لمواجهة اللحظات العصيبة، وليس السهلة. وتم تصميمه لكبح الرؤساء حتى عندما يعتقدون أن لديهم أسبابًا قاهرة للتصرف.
في الحرب الحالية، خلق الفشل العسكري في الخارج مأزقًا سياسيًا في الداخل. وأصبح على الرئيس الذي وعد بالنصر أن يواجه الآن حقيقة أن النصر لم يتحقق من الأساس. ويكمن الخطر في ما سيحدث تاليًا.
يعلّمنا التاريخ أن القادة السياسيين الذين يتعرضون لإذلال علني في الخارج غالبًا ما يسعون إلى إظهار القوة في مكان آخر. وقد يقود الفشل في السياسة الخارجية إلى ارتكاب تجاوزات في الداخل. وقد يحاول القادة الذين يعجزون عن تحقيق النتيجة المنشودة في الخارج إثبات قوتهم من خلال إجراءات يتخذونها في الداخل.
وهنا تعود الحرب إلى الوطن. ربما يتجه الرئيس- مدفوعًا بالإحباط الناجم عن المحدِّدات العسكرية- إلى تشديد جذري في إنفاذ قوانين الهجرة، وفرض رسوم جمركية حظرت المحكمة العليا فرضها، ونشر القوات العسكرية داخل البلاد في انتهاك للقانون، والاستيلاء على النفط المملوك لأجانب، وتأكيد سلطات تنفيذية تصطدم بحرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات.
لكن الدستور لا يجيز للرئيس أن يستبدل خيبة الأمل بالقانون. في الأساس، يكفل "التعديل الخامس" ألا يُحرم أي شخص -وليس الأميركيين وحدهم- من الحياة أو الحرية أو الممتلكات من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. ويكفل "التعديل السادس" لجميع الأشخاص —وليس الأميركيين وحدهم— الذين تسعى الحكومة إلى سلبهم الحياة أو الحرية أو الممتلكات، الحق في محاكمة علنية أمام هيئة محلفين محايدة -إلى جانب سائر الضمانات الدستورية. ولا يتم توفير هذه الحماية لأن المتهمين أبرياء بالضرورة، وإنما لأن سلطة الحكومة ستكون خطرة أكثر مما ينبغي إذا عملت من دون قيود.
إن الأدلة ليست إدانة. والاتهام ليس ذنبًا. والتأكيد الرئاسي ليس حكمًا قضائيًا. ولا يجوز للسلطة التنفيذية ببساطة أن تحدد أشخاصًا بزعم أنهم مجرمون -في زوارق سريعة أو في أماكن أخرى- وتعلن أنهم أعداء، ثم تفرض عليهم عقوبة من دون محاكمة. إن هذا نظام رفضته الثورة الأميركية.
وينطبق المبدأ نفسه على استخدام القوة العسكرية داخل الولايات المتحدة. كان واضعو الدستور شديدي الارتياب بشأن استخدام الجيوش الدائمة في إنفاذ القانون. وأفضى ذلك الارتياب إلى وضع ضمانات دستورية، ثم إلى إقرار تشريعات تحظر إسناد مهام إنفاذ القانون المدني إلى القوات المسلحة.
إن الجيش موجود للدفاع عن الأمة في مواجهة التهديدات الخارجية، وليست مهمته أن يكون شرطة رئاسية. كما أن الكونغرس -وليس الرئيس- هو الذي يحدد الجرائم ويضع العقوبات. ولا يستطيع الرئيس أن يستحدث فئات جديدة من الأعداء ثم يقرر مصائرهم بأمر تنفيذي. ففي نهاية المطاف، لا يمنح الدستور تخويلاً لنظام ملكي يمتلك حاملات طائرات.
لا شك في أن كل جيل يواجه إغراء مبادلة الحرية بالأمن. ويُقال لكل جيل أن القواعد المعتادة لا يمكن أن تنطبق لأن الأزمة بالغة الخطورة، والعدو شديد الخطورة، واللحظة تفرض تحركًا عاجلًا. كان واضعو الدستور يعرفون هذه الحجة جيدًا، وقد رفضوها.
لقد كُتب الدستور تحديدًا لأن مسؤولي الحكومة قد يعتقدون في بعض الأحيان أن أهدافهم تبرر استخدام سلطات استثنائية. وفي الحقيقة، ليس فصل السلطات، وسلطة الكونغرس في إعلان الحرب، والرقابة القضائية، وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، عوائق أمام قيام الحكومة بمهامها بفاعلية. إنها ضمانات تحول دون أن تتحول الحكومة نفسها إلى التهديد الذي أُنشئت للحيلولة دونه.
ولا يتعلق السؤال الجوهري بما إذا كان الرئيس قويًا بما يكفي لممارسة السلطة، وإنما بما إذا كان متقيّدًا بما يكفي بحيث يمتثل للقوانين التي أقسم على احترامها.
هذا هو مصدر الخوف على الجمهورية عندما تعود الحرب إلى الوطن. وبصياغة تقتبس معنىً من الكاتب هرمان ملفيل: احذروا الرئيس الذي يذرف الدموع بينما يكشف عن يده الحديدية.
*أندرو ب. نابوليتانو: قاضٍ سابق في المحكمة العليا بولاية نيوجيرسي، شغل منصب كبير المحللين القضائيين في قناة "فوكس نيوز"، ويقدم بودكاست "الحكم على الحرية". ألّف سبعة كتب عن الدستور الأميركي، أحدثها كتاب "ميثاق الانتحار: التوسع الجذري في سلطات الرئاسة والتهديد القاتل للحرية الأميركية" Suicide Pact: The Radical Expansion of Presidential Powers and the Lethal Threat to American Liberty.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: War in the Twilight
ملاحظة المترجم:
(1) "شركة يونغستاون شيت آند تيوب ضد سوير" Youngstown Sheet & Tube Co. v. Sawyer: قضية نُظرت أمام المحكمة العليا الأميركية في العام 1952، وتتعلق بحدود السلطة الرئاسية، وبشكل خاص محاولة الرئيس هاري ترومان الاستيلاء على مصانع الصلب أثناء إضراب عمالها.