الغد
معاريف
جاكي خوجي 3/10/2026
على عادة رؤساء مصر عبر الأجيال، وصل عبد الفتاح السيسي هو الآخر إلى حفل تخريج دورة من الضباط في الأكاديمية القومية. وكان ذلك يوم الخميس الماضي، إذ لم يكتفِ السيسي بحضور حفل منح الأوسمة لضباط الشرطة الجدد، بل وقف أمام الكاميرات أيضا.
الفترة عاصفة، والتوقيت رمزي. فقبل بضعة أيام من ذلك، أحيت مصر الذكرى الثالثة والخمسين لحرب يوم الغفران. والانتخابات المرتقبة في إسرائيل تقلق القيادة المصرية، مثلما تقلق حكومات المنطقة، من إيران مرورا بالسعودية وصولا إلى لبنان والأردن ورام الله. الجميع في حالة ترقب لمعرفة الحكومة التي ستتشكل في القدس، والوجهة التي ستأخذ المنطقة بأكملها إليها.
وبعيدا عن ذلك، يتبين أن الحوثيين يشكلون تحديا عسيرا على السعودية. وقد عرضت مصر على السعوديين المساعدة في اعتراض الصواريخ.
روى السيسي أنه، منذ توليه الحكم عام 2013، أجرى عدة محادثات مع رئيس وزراء إسرائيل. وكشف أنه قال خلال لقاءاته معه: "إن إقامة دولة فلسطينية تمثل فرصة لتحقيق الاستقرار لنا جميعا، وتتيح الاندماج الحقيقي لإسرائيل في المنطقة". لكن بنيامين نتنياهو لم يقتنع، بحسب ما لخّص السيسي بخيبة أمل. غير أن اللحظة الأكثر إثارة للاهتمام في روايته جاءت بعد ذلك.
قال السيسي: "نتنياهو يعرف جيدا أن مصر لن تشكل في أي وقت تهديدا لإسرائيل". ثم روى: "ذات مرة، سألني: لماذا تتسلح؟ ولماذا تشتري السلاح؟ قلت له إنني لم أعتقد في حياتي أن قوة إسرائيل تشكل تهديدا لي، وأعتقد أنك أنت أيضا يجب أن تنظر إلى قوة مصر على أنها لا تهددك. نحن نعيش في منطقة مضطربة، وعلينا أن نكون أقوياء كي نحمي السلام، ليس مع إسرائيل فحسب، بل مع المنطقة كلها".
كانت تلك لحظة نادرة أتاحت إلقاء نظرة على حديث دار خلف الأبواب المغلقة بين زعيمين لدولتين إقليميتين تربطهما حدود مشتركة. فقد عبّر نتنياهو عن مخاوف يشاطرها كثير من الإسرائيليين إزاء تسلح مصر بأسلحة متطورة وتعزيز قواتها في سيناء. ولا يغير من الأمر أن الحديث جرى قبل عقد من الزمن، وربما أكثر؛ إذ لم يحدث منذ ذلك الحين تغيير جوهري في العلاقات، بل ربما ازدادت حدة التوتر. فهناك شراكة من جهة، وشكوك من جهة أخرى.
وجزء من الإجابة عن سؤال نتنياهو ورد بالفعل في تصريحات السيسي، كما نقلها في ذلك الخطاب. أما الجزء الآخر، فيكمن في القدس، أو بالأحرى في تل أبيب.
صحيح أن إسرائيل حليف لمصر من الناحية الأمنية، لكن سياستها الإقليمية تمنح استخدام القوة العسكرية مكانة مركزية تفوق بكثير ما تمنحه للخيار السياسي. ولا تستطيع دولة ذات تأثير ومكانة كمصر أن تسمح لنفسها بالتخلف عسكريا، في وقت تجاور فيه قوة عسكرية عظمى لا تشعر بالارتياح تجاه محيطها.
فإسرائيل ليست وحدها التي تمتلك جيشا متقدما وأسلحة متطورة. وفي ميزانيتها السنوية، يحتل الأمن المرتبة الأولى، متقدما حتى على التعليم. كما يتجند رجال ونساء للقتال، ويبدو المجتمع الإسرائيلي، في نظر القاهرة، وليس القاهرة وحدها، مجتمعا عسكريا يعيش أفراده في ظل التجنيد والاستعداد الدائم. وهذا واقع يختلف عن الصورة التي اعتادت مصر أن ترى نفسها من خلالها في حياتها اليومية.
ومرة كل بضع سنوات، تجد إسرائيل نفسها في حرب، ويطلق مسؤولون وناطقون باسمها أحيانا تصريحات يصعب تقبلها، حتى من جانب الأصدقاء. وعندما تصدر من القدس تصريحات عن مسؤولين أو وزراء بشأن ترحيل الفلسطينيين إلى دول المنطقة، فإن ذلك يستفز دولا عديدة.
وقبل أسبوعين، قال الوزير بتسلئيل سموتريتش، في مقابلة صحفية، إن مصر لا تدخل حربا ضد إسرائيل لأنها تعرف أنها ستخسر سيناء إلى الأبد. وأضاف: "لكن لا، لن تكون هناك معاهدة أخرى، ولا يوجد بيغن". وقد لاقت هذه الكلمات صدى في القاهرة؛ فعبارة "لا يوجد بيغن" تعني أن السياسة الإسرائيلية تغيرت. ووفقا لهذا التصور، لم تعد إسرائيل اليوم تسعى إلى إبرام المعاهدة نفسها التي وقعتها حكومة الليكود عام 1979، والتي انسحبت بموجبها من سيناء بالكامل في إطار اتفاق سلام شامل.
الخوف من طرف ثالث
لن تهاجم إسرائيل مصر اليوم، وهذا أمر يدركه المصريون أيضا. لكن عالمنا يشهد تغيرات مستمرة، ولا يمكن الجزم بكيفية تصرف حكومة مستقبلية برئاسة مرشح من اليمين المتطرف، إذا نجحت في تشكيل ائتلاف حاكم. وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن مثل هذا السيناريو ليس مستبعدا.
ولا يقتصر خوف المصريين على التطرف في السياسة الإسرائيلية أو في توجهاتها الأمنية، بل يشمل أيضا احتمال أن ينجح الفلسطينيون في جر الطرفين إلى مواجهة عسكرية.
ومن السيناريوهات التي تخشاها مصر منذ عهد حسني مبارك ذلك المتعلق بسيناء: أن يتمكن آلاف اللاجئين من غزة من إسقاط الحواجز واجتياز الحدود، ما يضطر القوات المصرية إلى التوجه بأعداد كبيرة نحو منطقة رفح، فتجد نفسها، من دون أن تقصد، في مواجهة مع جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين على الجانب الآخر من الحدود. وحتى قبل بضع سنوات، كانت مثل هذه السيناريوهات تبدو خيالية، أما اليوم فلا أحد يستطيع استبعادها تماما.
ويُعد الخوف من هجوم إسرائيلي أحد الأسباب الرئيسية وراء تأهب الجيش المصري، لكنه ليس السبب الوحيد. ففي عام 2011، أُطيح بحسني مبارك بعد ثلاثين عاما في الحكم، ودخلت مصر منذ ذلك الحين مرحلة مضطربة اتسمت بالتمرد وسفك الدماء.
واكتشفت القيادة في القاهرة ما كانت تعرفه دائما: أن جيرانها ليسوا بالضرورة مصدر دعم، بل إن بعضهم قد يزيد الأخطار التي تواجهها في الداخل. فقد كانت ليبيا غارقة في حربها الداخلية، وكذلك السودان. أما الولايات المتحدة، بقيادة باراك أوباما، التي بدت صديقة لمصر، فقد تخلت عنها في لحظة الحقيقة ووقفت إلى جانب الشارع الغاضب. كذلك أرسلت قيادة حماس في قطاع غزة رجالا منها لمساعدة جماعة الإخوان المسلمين في صراعها من أجل تغيير النظام.
أما السعودية والإمارات العربية المتحدة، فقد سارعتا إلى مساعدة مصر من خلال المنح والقروض التي دعمت خزينة الدولة الآخذة في الاستنزاف. ووقفت إسرائيل هي الأخرى إلى جانب القاهرة، من خلال تقديم مساعدة عسكرية في مواجهة الجماعات الجهادية في سيناء.
لكن لا يوجد عدو أخطر من العدو الداخلي. وقد تركت هذه الصدمة أثرا عميقا في وعي نظام الضباط؛ إذ تعلم أفراده من تجربتهم أن لحظة قد تأتي تهتز فيها الأرض من تحت أقدامهم، فيجدون أنفسهم وحدهم في مواجهة الخطر، ومعهم مئة مليون مواطن ينتظرون منهم توفير احتياجاتهم وإطعامهم يوما بيوم.
وإلى كل ذلك، ينبغي أن تضاف اعتبارات المكانة والامتيازات داخل المؤسسة العسكرية. فالمؤسسة العسكرية والأمنية تقيس مكانتها بما تحصل عليه من موارد وامتيازات، وبحجم المخصصات التي ترصدها الدولة لها، ونوعية المعدات التي تزودها بها القيادة. ولضمان تأييد الضباط وولائهم، تحرص القيادة على توفير أحدث الوسائل القتالية الممكنة، إلى جانب رواتب وامتيازات معتبرة لكبار الضباط ومتوسطي الرتب.
فالجيش الذي يحصل أفراده على ما يكفيهم يكون أكثر انضباطا. وهذا صحيح في الديمقراطيات الغربية، وصحيح بدرجة أكبر في دول منطقتنا، حيث لا تقتصر وظيفة المؤسسة الأمنية على حماية الدولة، بل تمتد أيضا إلى ضمان استقرار النظام واستمراره، وحماية الحاكم ونفوذه.
وعندما نتساءل عما إذا كانت مصر تخطط لمهاجمة إسرائيل يوما ما، ينبغي أن ننظر إلى المصالح. لقد عبّر السيسي عن موقفه بوضوح أمام ضباط الشرطة الجدد: لا مصلحة له أو لرجاله في خوض حرب مع إسرائيل في الوقت الراهن. فهم يدركون القدرات المتقدمة للجيش الإسرائيلي، ويعرفون أن اندلاع حرب، حتى لو قرروا خوضها، قد يؤدي على الأرجح إلى نتائج كارثية عليهم.
وبالنسبة إلى القاهرة في عهد السيسي، تمثل إسرائيل المستقرة عنصرا مهما في أمن مصر، ليس انطلاقا من الحرص على مصالح إسرائيل، بل من أجل حماية المصالح المصرية. فعدم الاستقرار على الجانب الإسرائيلي من الحدود، كما رأينا منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، يهدد الأمن القومي للدول المجاورة.
وقد أثبتت معاهدتا السلام الموقعتان مع مصر والأردن أهميتهما خلال الحرب في غزة. فقد حافظت القيادة الأردنية على هدوء الحدود، فيما حافظت مصر، رغم تعرضها لأضرار مالية ومخاوف أمنية كبيرة على حدودها، على الاستقرار في سيناء، ونسقت مع إسرائيل خطوات ومهام تتعلق بقطاع غزة.
وماذا عن المستقبل؟ ما دام في إسرائيل حكم يتسم بالتعقل والاعتدال ويلتزم بالاتفاقات، وما دام الاستقرار قائما في مصر، فإن إرث مناحيم بيغن وأنور السادات سيواصل إثبات جدواه. فالخطر لن يأتي من المعتدلين لدى الطرفين، بل قد يأتي، إن أتى، من الدوائر المتطرفة أو من تصاعد نزعات متطرفة تهدد النظام القائم.