عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Aug-2026

الضفة الغربية.. جغرافيا توشك على الاختفاء

 الغد

الأراضي الفلسطينية - من على قمة تلة صغيرة في أرض قرية برقة الفلسطينية شمال الضفة الغربية، وتحديدا في شهر شباط (فبراير) الماضي، وقف مواطن فلسطيني وسط أرض زراعية قاحلة، مشيرا بيديه إلى حلقة من المستوطنات الإسرائيلية التي تحاصره. 
 
 
ومن على نفس التلة، روى آخر ويلات اعتداء تعرض له قبل 3 سنوات على أيدي مستوطنين ضربوه في كل أنحاء جسده ليرقد في العناية المركزة في أحد المستشفيات لأيام جراء نزيف في الدماغ. تحدث هذان الفلسطينيان وغيرهما، عن أراضيهم التي ينتزعها الاحتلال يوما بعد يوم، في حين تتحول المساحات القليلة المتبقية منها إلى بقع نائية معزولة تحاصرها البؤر الاستيطانية من جميع الجهات.
تطل التلة على عدة بؤر استيطانية، أهمها مستوطنة حومش التي لها حكاية تستحق أن تُروى. بدأت الأحداث هنا عام 1978، حين وضعت إسرائيل يدها على أرض تقع جنوب مدينة جنين في الضفة الغربية، بين قريتي برقة وسيلة الظهر، وأقامت عليها المستوطنة، التي بدأ يقطنها عشرات المستوطنين من اليهود، ومع مطلع التسعينيات أصبحت المستوطنة قبلة لأسر قادمة من دول الاتحاد السوفياتي السابق، قدر عددها بالعشرات.
في تلك الحقبة، زار نتنياهو منطقة "حومش" وقال "هذه منطقة جميلة لا تتركوها أبدا". وكانت المستوطنة وقتها تضم أكثر من 100 شقة سكنية، وفيها مجلس للخدمات وكنيس يهودي واستخدمت بشكل أساسي كمستوطنة سياحية، بسبب وجود ملاعب رياضية وبرك سباحة وناد وملاعب رياضية، إضافة إلى حدائق ورياض للأطفال.
"تم تفكيك مستوطنة حومش عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط الإسرائيلية"، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، فر سكان المستوطنة نتيجة هجوم الفلسطينيين عليها، مما سهَّل تفكيكها رسميا عام 2005 ضمن "خطة فك الارتباط" الإسرائيلية، التي فككت المستوطنات الإسرائيلية في غزة، إلى جانب 4 مستوطنات في الضفة هي حومش وغانيم وكاديم وسانور. ورغم إخلائها رسميا، فإن تواجد المستوطنين المتطرفين في حومش لم يتوقف لحظة، فقد استمروا في التدفُّق بشكل دوري للاعتداء على السكان وتدمير المنشآت الزراعية واقتلاع الأشجار، ضمن وجود استمد شرعيته ضمنيا من دعم حكومة الاحتلال الإسرائيلية.
وفي الربع الأول من عام 2023، أقر الكنيست تعديلا على قانون "فك الارتباط"، حيث تم تغيير اسمه من قانون "فك الارتباط" إلى قانون "تعويض ضحايا فك الارتباط"، وبموجب ذلك سمح للمستوطنين بالعودة إلى حومش. وفي آب (أغسطس) من العام نفسه، وقبل شهرين تقريبا على أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر)، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماسا يطالب بإخلاء معهد لتدريس التوراة في البؤرة الاستيطانية مانحة شرعية قانونية لإقامة مستوطنة جديدة فيها.
وبعد أيام معدودة، وبمساعدة من جيش الاحتلال، ضم المستوطنون مباني مدرسة في المنطقة ومناطق أخرى، وتحولت من "أراض فلسطينية خاصة" إلى ما يسمى "أراضي الدولة" المحتلة. وتزامن ذلك مع هجمات عنيفة على السكان الفلسطينيين، أصحاب الأراضي وسياراتهم بالرصاص والهراوات والحجارة.
هكذا، يمكن اعتبار مستوطنة حومش صورة نموذجية دقيقة لسيطرة الاحتلال الواسعة التي تجري الآن على أراضي الضفة الغربية.
نتنياهو "عراب" سياسة الضم
في 21 كانون الثاني (يناير) 2025، وبينما كان سكان مخيمات شمال الضفة الغربية يتابعون أنباء وقف إطلاق نار مؤقت في غزة، صُعِقوا بوجودهم داخل ساحة حرب شرسة مع الاحتلال، التي أعلنت لتوِّها "عملية السور الحديدي" في الضفة. وقتها، حاصرت مروحيات الأباتشي والآليات المدرعة منازلهم في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ولم يكد السكان يستوعبون المشهد، حتى جاءتهم الأوامر العسكرية كالصاعقة، تطالبهم بترك كل شيء خلفهم والنزوح فورا.
في مشهد مشابه لمشاهد النزوح القاسية لسكان غزة، خرج هؤلاء أمام الجرافات التي بدأت مباشرة بهدم الطرق والمباني، فيما اتجه مئات الجنود وعناصر من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) وحرس الحدود نحو اقتحام البيوت ونهب الممتلكات وتدمير البنية التحتية. تسببت العملية في تدمير آلاف الوحدات السكنية ونسف مبان كاملة، ونزوح عشرات الآلاف من السكان من مخيمات جنين وطولكرم. في النهاية، أدت أعمال التجريف وشق الطرق إلى إحداث تغيير جذري في الخرائط القديمة للمخيمات المستهدفة.
"تسببت عملية السور الحديدي في تدمير آلاف الوحدات السكنية، ونزوح عشرات الآلاف من السكان من مخيمات جنين وطولكرم"
وأوضحت دولة الاحتلال لاحقا نيتها منع إعادة بناء أي منزل، وحظر عودة خدمات الأونروا، واشتراط "فحص أمني دقيق" لكل من يفكر بالعودة. والأخطر من ذلك الدعوات السياسية والإعلامية للاحتلال لـ"إعادة توطين" نحو 50% من سكان المخيمات خارجها بشكل دائم، في محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد وخفض الكثافة السكانية الفلسطينية.
كانت هذه العملية ذروة سنام سياسات "عراب" الضم، نتنياهو، التي بدأت تتبلور مع عودته للسلطة عام 2009، عندما طرح خطة لضم أجزاء من الضفة الغربية بالكامل، وبدأ عملية "تقنين" رسمي للبؤر الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية الخاصة. 
علاوة على ذلك، شنَّت دولة الاحتلال حربا اقتصادية شرسة، حيث سحبت تصاريح عمل أكثر من 100 ألف فلسطيني، وتركتهم وعائلاتهم بلا مصدر رزق، محاصرين في اقتصاد ينهار. وقد دفع هذا الوضع بالكثيرين إلى بيع ممتلكاتهم أو الاستدانة لتوفير أساسيات الحياة. وحذر البنك الدولي من أن اقتصاد الضفة الغربية معرض "للانهيار الكامل".
الانفجار وسيلة لحسم الصراع
قبل 18 شهرا تقريبا، وقف خطيب صلاة الجمعة جبر حميدات على منبر مسجد في يطا في جنوب الخليل، وقال لجموع المصلين: "إذا بقينا نتفرج على المستوطن وهو يستولي على الأراضي البعيدة، فغدا سيكون في أراضينا القريبة". بعد عام واحد فقط، تحققت هذه النبوءة بمرارة؛ حيث بات المستوطنون على مقربة 300 متر من بيت حميدات. أما أرضه الزراعية التي تبلغ مساحتها حوالي 13 فدانا وتقع في شرق يطا، فقد حُرم من الوصول إليها.
يصب كل ما سبق في مسار جعل الأرض الفلسطينية "مهجورة" لتسهيل تصنيفها على أنها "أراضي دولة" والسيطرة عليها. وقد وجدت هذه السياسة تتويجها القانوني في 8 شباط (فبراير) 2026، عندما أقر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي سلسلة قرارات "جذرية" تمنح اليهود حق شراء الأراضي في الضفة كما لو كانوا يشترون في تل أبيب. هذه القرارات المتسارعة تفتح الباب على مصراعيه لسرقة الأراضي عبر جمعيات استيطانية ممولة، أي أن العملية في جوهرها عملية ضم فعلي للضفة الغربية، دون التفوه بكلمة "الضم" التي تزعج الغرب والمنظمات الحقوقية الدولية.
الهدف الواضح ليس ترحيل الفلسطينيين بواسطة الشاحنات، كما حدث في النكبة الأولى، بل جعل الانفجار المحرك الفعلي لعملية "التهجير الصامت"، أو ما تسميه الدوائر اليمينية بـ "الهجرة الطوعية". وهي إستراتيجية تقوم على جعل كلفة البقاء أعلى من القدرة البشرية على التحمل، فيُجبر الفلسطيني على الرحيل بنفسه.
في ظل "عقيدة الانفجار" تلك، يتجه مستقبل الضفة الغربية نحو واقع لا رجعة فيه، إذ إن التحولات الحالية ليست قرارات عابرة، بل إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى ابتلاع الأرض وتصفية القضية
 ديموغرافيا.-(وكالات)