عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Oct-2026

كيف تحولت عملية ترامب ضد إيران إلى حرب دائمة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هاريسون بيرغر* - (رسبونسيبل ستيتكرافت) 14/9/2026
تكشف الحرب على إيران إخفاق واشنطن في تحقيق أهدافها بالعقوبات والضربات العسكرية، وتضعها بين مواصلة القصف الدوري أو إعلان النصر والانسحاب. لكن الخيارين لا يعالجان أزمة مضيق هرمز التي أصبحت مرتبطة بمطالب إيرانية تشمل رفع العقوبات وكبح إسرائيل ووقف التصعيد الإقليمي. ومع تراجع مصداقية ترامب في عقد الصفقات، تتجه الحرب نحو استنزاف طويل الأمد وتداعيات اقتصادية عالمية متفاقمة، قد تضطر واشنطن في نهايته إلى قبول شروط رفضتها سابقًا.
 
 
***
في حين تكافح الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الأربعة الرئيسية من حربها على إيران -إسقاط النظام؛ وتفكيك الصواريخ الباليستية بعيدة المدى؛ والقضاء على تخصيب اليورانيوم؛ ووقف دعم طهران لوكلائها الإقليميين- شرع المسؤولون الأميركيون في طرح سلسلة من النظريات التي سبق وأن جُرّبت من قبل وفشلت، بحثًا عن سبل لتحقيق هذه الأهداف.
خلال الأسابيع الماضية، تابع الأميركيون حكومتهم وهي تحاول تحقيق نصر اقتصادي على إيران من خلال ما سُميت "عملية المنبوذ الاقتصادي"، عن طريق تشديد نظام العقوبات الذي خنق الاقتصاد الإيراني طوال عقود من دون أن ينجح في تسوية النزاع الأساسي.
والآن، مع تعثر هذه الاستراتيجية، رأينا إدارة ترامب تعود إلى استراتيجيتها الأقدم المتمثلة في توجيه ضربات عسكرية إلى إيران. لكنّ هذه الضربات أخفقت هي الأخرى في تحقيق الأهداف المنشودة منها.
وأمام احتمال أن تنتهي الولايات المتحدة إلى هزيمة من صنع يدها، اقترحت واشنطن الآن مسارين جديدين للمضي قدمًا.
الأول، الذي أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الأربعاء، 16 أيلول (سبتمبر)، يتمثل في خيار تمديد سلسلة الضربات المتقطعة الحالية وإضفاء طابع رسمي عليها. ويطلق مسؤولون أميركيون على هذا النهج اسم "جزّ العشب"، وهو استراتيجية تقوم على تنفيذ جولات دورية من القصف واستخدام القوة المفرطة، على غرار ما فعلته إسرائيل في غزة قبل أن تشن حملتها واسعة النطاق والتي تبدو بلا نهاية عقب هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ولدعم هذا الخيار، مددت وزارة الدفاع الأميركية انتشار قواتها في الشرق الأوسط حتى العام 2027.
ويتمثل الخيار الثاني، الذي أفادت تقارير بأن البيت الأبيض يدرسه، في أن تعلن الولايات المتحدة النصر ثم تنسحب من المواجهة. وقد ذكرت "وول ستريت جورنال" أن ترامب يميل إلى هذه الفكرة. ومن بين مؤيدي هذا الخيار جو كينت، المدير السابق لـ"المركز الوطني لمكافحة الإرهاب"، الذي استقال احتجاجًا على حرب إيران، ودافع على منصة "إكس" عن ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة "ضبط شروط الاتفاق" مع إيران "من خلال سحب قواتنا وسفننا من المنطقة". وتتزايد شعبية الدعوة إلى أن تنسحب الولايات المتحدة وتعلن "النصر" حتى داخل أوساط المؤسسة السياسية الأميركية.
ولكن بالنظر إلى القيود التاريخية التي حدّت من قدرة العقوبات على تحقيق نتائج سياسية، إلى جانب المطالب الإيرانية الراهنة، يبدو أن هذه الاستراتيجية أيضًا لن تكون كافية على الأرجح لإعادة فتح مضيق هرمز وتفادي التداعيات الاقتصادية التي ستترتب على الاقتصاد العالمي جراء النفوذ الذي تتمتع به إيران على هذا الممر المائي.
لطالما شكك علماء السياسة منذ وقت طويل في قدرة الضغط الاقتصادي والعقوبات الأميركية على تغيير النتائج السياسية، خاصة عندما لا يكون لدى الدولة المستهدفة سبب وجيه للاعتقاد بأن هذه الإجراءات ستُرفع مقابل نوع من السلوك الجيد. ويسارع باحثون، مثل ديفيد سيغل، إلى الإقرار بأنها "لا تنجح"، بينما أقر مسؤولون أميركيون، مثل جانيت يلين، بالنقطة نفسها، مشيرين إلى أن العقوبات المفروضة على إيران تسببت في "أزمة اقتصادية حقيقية"، لكنها أفضت في أحسن الأحوال إلى نتائج سياسية "أقل بكثير مما كنا نرغب فيه".
وكما يشرح سيغل -الذي درس في أحدث أبحاثه فشل العقوبات الأميركية على روسيا في دفع سلوك الدولة الروسية نحو ما يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)- فإن "الدول المستهدفة بالعقوبات تكون لديها حوافز قوية لعدم الاستسلام، بل إنها تستفيد أحيانًا من ارتفاع مستوى الدعم السياسي لها في الداخل لأنها تستطيع عندئذ أن تلقي باللوم، بصورة مقنعة، على قوة إمبريالية أجنبية في ما تعانيه من متاعب اقتصادية". ويرى سيغل أن هذا التصور "أصبح على الأرجح أكثر صدقًا اليوم من أي وقت مضى، لأن الدول الخاضعة للعقوبات تستطيع اللجوء إلى الصين".
وتتراجع احتمالات نجاح الضغط الاقتصادي في إعادة فتح مضيق هرمز أكثر بالنظر إلى أن أحد الشروط الإيرانية المسبقة لفتح المضيق هو رفع العقوبات، وهو ما يتطلب تصويتًا في الكونغرس، حيث سيواجه هذا المقترح معركة شاقة.
لكن السبب الرئيسي لفشل خيار الانسحاب وإعلان النصر في إعادة فتح المضيق والتخفيف من حدة الكارثة الاقتصادية الوشيكة، ربما يتمثل في أن إيران ربطت حرية الملاحة في هذا الممر المائي بقيام الولايات المتحدة بلجم إسرائيل، في حين أظهرت الولايات المتحدة لوقت طويل عدم استعدادها للقيام بذلك.
لم يتطلب الاتفاق الأميركي-الإيراني المبرم في 17 حزيران (يونيو) من الولايات المتحدة سوى فرض انسحاب إسرائيلي من لبنان، لكن واشنطن أخفقت في تنفيذ هذا الالتزام. والآن، أدت الاستفزازات اللاحقة التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى دفع إيران نحو توسيع مطالبها المتعلقة بوقف إطلاق النار لتشمل ساحات أخرى: العراق واليمن وفلسطين.
ويزداد تعقيد التوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق وينهي الحرب مع تنامي الاعتقاد في مختلف أنحاء العالم بأن صاحب كتاب "فن الصفقة" عاجز ببساطة عن إبرام الصفقات. وأظهرت نتائج استطلاع أجرته مجلة "بوليتيكو" في العام 2025 وشمل دبلوماسيين من 15 دولة، أن مسؤولين أجانب وصفوا آلية ترامب في عقد الصفقات بأنها "رد فعلية، من دون اتجاه واضح". وفي الوقت نفسه، أخفق ترامب حتى الآن في إنهاء الحرب بالوكالة في أوكرانيا التي كان قد تعهد بإنهائها "خلال 24 ساعة" من توليه منصبه. كما أخفق البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق سلام في غزة.
في ظل هذه الظروف، تبدو حرب إيران الأوسع نطاقًا متجهة بسرعة نحو ما وصفه الرئيس التنفيذي لشركة شحن دنماركية لصحيفة "فايننشال تايمز" بأنه "حالة جمود على الطريقة الأوكرانية". وفي حديثه إلى الصحيفة في آب (أغسطس)، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة "تورن" أن "قيادة الخليج أدركت أنها في حاجة إلى الاستعداد لوضع ممتد لا يستمر أيامًا أو أسابيع فقط، وإنما أشهرًا أو سنوات"، مضيفًا: "مع تصرف الولايات المتحدة على هذا النحو، أعتقد أن تخيل عودة العالم في المستقبل المنظور إلى ما كان عليه قبل عشر سنوات هو ضرب من العيش في عالم الأحلام".
سرعان ما ستشعر الأسر الأميركية بتبعات هذا "الوضع الممتد" بدرجة أكبر بعد أن دفعت سيطرة إيران على مضيق هرمز أسعار الديزل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وبذلك سيتطلب تفادي كارثة اقتصادية من الولايات المتحدة قبول شروط لم تكن مستعدة لقبولها حتى الآن. أما مجرد إعلان النصر ثم الانسحاب، فلن يحل المشكلة.
 
*هاريسون بيرغر Harrison Berger: صحفي مستقل، ينشر مقالاته في أبرز المنشورات. عمل سابقًا باحثًا ومنتجًا في برنامج "سيستم أبديت" الذي يقدمه غلين غرينوالد. تتركز كتاباته على الحريات المدنية والسياسة الخارجية الأميركية، يحمل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والدراسات الروسية من كلية يونيون في نيويورك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Trump's Iran operation turned into a forever war