عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-May-2026

القلق واغتراب الذات في رواية «بيت العنكبوت» لشريفة التوبي

 الدستور

منذر كامل اللالا
 
«أنا الكائن الحر السائر بين زرقتين، في جسر معلق بين ماء وسماء»   شريفة التوبي
 
يقول هاروكي موراكامي: «حين تخرج من العاصفة، لن تعود الشخص نفسه الذي دخلها»، وهي عبارة تصلح مدخلا دقيقا لقراءة رواية «بيت العنكبوت» للروائية العُمانية شريفة التوبي، الصادرة حديثا عن الآن ناشرون وموزعون؛ حيث لا تخوض الساردة الوحيدة « وردة « تجربتها من أجل النجاة منها، بقدر ما تعيشها بوصفها مسارا يعيد تشكيلها من الداخل، عبر تراكم طويل من القلق والتشظي والخذلان، وهي تستعيد تفاصيل علاقة زوجية امتدت لعشرين عامًا؛ علاقة تختصرها بمرارة في قولها: «وفق حسبة رياضية بسيطة لعمري الزمني، عشت أربعة وعشرين عامًا ومتُّ عشرين»، في إشارة كثيفة إلى حياة استُنزفت قبل أن تُعاش.
 
منذ اللحظة التي تعلن فيها الساردة انشقاقها عن الصمت: «وما كنت أظن يوما أني سأكتب  وأنا البعيدة كل البعد عن الكتابة وأهلها»، تتحول الكتابة إلى فعل وجودي يتجاوز الحكي، ليغدو محاولة للفهم، وربما للنجاة، ومن هنا يبرز السؤال الضمني الذي يحرّك النص: هل يمكن للكتابة أن ترمّم ما تصدّع في الداخل، أم أنها مجرد كشف متأخر عن عمق الجرح؟.
 
تشتغل الرواية على تفكيك التجربة لا على سردها؛ إذ لا تتقدم الأحداث وفق خط زمني مستقيم، بل تتشكل عبر تقاطعات مستمرة بين الحاضر والماضي، حيث تتجاور اللحظة الآنية مع الذاكرة، وتتداخل الوقائع مع الانفعالات، ولا يبدو هذا التشظي الزمني مجرد تقنية شكلية، بل انعكاسا مباشرا لتشظي الوعي، بحيث تتحول الحكاية إلى حالات شعورية متراكبة، لا إلى وقائع متتابعة، وفي هذا السياق، لا يعود المكان إطارا جامدا للأحداث، بل يغدو كيانا حيا يعكس اضطراب الشخصية وتحولاتها؛ فالمشهد السردي يُبنى بوصفه تجربة حسية ونفسية معا، تتداخل فيها اللغة الشاعرية مع التوتر الداخلي، مما يمنح النص كثافة تتجاوز سطح الحكاية إلى عمق التجربة الإنسانية.
 
انطلاقا من ذلك، تميل الرواية إلى تفكيك الحكاية أكثر من بنائها؛ إذ يتكسر المحكي عبر تداخل الاسترجاع والاستباق، ويتراجع منطق التنامي التقليدي لصالح بنية مفتوحة تقوم على التشظي وعدم الاكتمال، وهو ما يضع النص ضمن أفق الرواية الحداثية التي تراهن على زعزعة يقين القارئ لا طمأنته، وعلى هذا المستوى، لا يبدو تكسير البنية السردية مجرد خيار أسلوبي، بل تعبيرا عميقا عن تشظي الذات وانكسار يقينها، حيث يتماهى الشكل مع المضمون، ويغدو التفكك السردي انعكاسا مباشرا لتفكك الداخل، ومن ثم تتحول تقنية تقطيع الأحداث إلى رؤية جمالية وفكرية ترى التجربة الإنسانية الداخلية بوصفها شبكة من اللحظات المتداخلة، لا خطا مستقيما يمكن الإمساك به.
 
ومن هنا، لا يعود القارئ متلقيا سلبيا، بل شريكا في إنتاج المعنى، يحاول لملمة شظايا السرد وبناء علاقات بين المقاطع المتناثرة، فالرواية لا تقدم حكاية مكتملة بقدر ما تطرح بنية مفتوحة تستدعي قارئا فاعلا، ينخرط في فعل التأويل بحثا عما يتوارى خلف النص من دلالات نفسية وتصدّعات داخلية ووعي متوتر.
 
ضمن هذا الأفق، تنشغل الرواية بتفكيك التجربة الأنثوية من منظور نفسي عميق؛ فهي لا تقدم سيرة خارجية، بل رحلة داخلية لامرأة تحاول ترميم ما تصدّع فيها. ومنذ الإهداء: «إنه لأمر مدهش أن تكوني امرأة»، يتحدد أفق النص بوصفه مساءلة للهوية، وهو ما يتقاطع مع طرح سيمون دي بوفوار: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك».
 
تتحرك «وردة» داخل شبكة من التحولات النفسية والسردية، تتأرجح فيها بين الأمان والخذلان، بين الحب والخيانة، بين الحضور والتلاشي، في محاولة لفهم ما حدث وما يمكن أن يحدث، ليظل السؤال المركزي معلقا: من أنا؟ غير أن الرواية لا تقدم إجابة، بل تفتح أفقا للبحث، حيث تتحول الذات بوعيها وذاكرتها إلى مركز للصراع، وتغدو البنية الأسرية والزوجية الضاغطة هي الحاضن الذي يتشكل داخله الألم، ويتجلى ذلك في قول الساردة: «احتلني الألم مرة أخرى، ألم أشد من ذي قبل  ألم كسر جناحا كان محلقا من أجنحة روحي  إنه الخذلان»، حيث يتحول الخذلان من واقعة عابرة إلى بنية شعورية دائمة، ويتعزز هذا التحول في قولها: «كل يوم كنت أكبر عاما  لقد أصبح بيتي قبرا
 
 دفنت فيه  أحلامي ومشاعري»، في إشارة إلى انزياح البيت من فضاء للأمان إلى فضاء للاختناق الوجودي.
 
ويكتسب السرد قوته من ضمير المتكلم، وهو ما ينسجم مع تصور جيرار جينيت بأن الخطاب السردي يعيد تنظيم التجربة وفق وعي السارد. لذلك لا تأتي الذاكرة متماسكة، بل متشظية: «ذاكرتي تتسرب  كما ينسكب ماء من كوب زجاجي مكسور»، في صورة تختزل تفكك الذات نفسها.
 
ضمن هذا التشظي، لا يظهر القلق كحالة عابرة، بل كبنية تحكم إدراك « وردة « للذات؛ فقولها: «أضحك من خوفي على خوفي» يكشف عن قلق دائري يتغذى على ذاته، وهو ما يمكن قراءته في ضوء تصور سيغموند فرويد للقلق بوصفه إشارة إلى خطر داخلي، غير أن الرواية تدفع بهذا المفهوم إلى أقصى حدوده، حيث يصبح القلق نمط عيش دائم، يتجلى في الانتظار، وفي تحوّل الزمن إلى عبء، والليل إلى كيان ضاغط ينهش السكون.
 
ولا يقف القلق عند حدوده النفسية، بل يمتد إلى بعده الاجتماعي، كما في قولها: «إن أكثر ما نخشاه نحن النساء  الطلاق  لأنه يسلبنا كرامة أن نكون زوجات»، حيث يصبح الخوف نتاجا لبنية ثقافية، وهو ما ينسجم مع مفهوم بيير بورديو عن «العنف الرمزي» بوصفه عنفا غير مرئي يُمارس عبر القبول والتطبيع.
 
ومع تصاعد التجربة، يتحول القلق إلى اغتراب ذاتي حاد، حيث تفقد « وردة « صورتها تدريجيا: «ما كانت تغريني المرايا قدر ما تغريني مرآة عينيه  ولا أرى صورتي فيها»، لتصل إلى لحظة التلاشي: «من أكون؟ لا شيء  لا أحد  ضاع وجهي بين آلاف الوجوه». هنا لا يكون الاغتراب نتيجة فقدان الآخر، بل نتيجة الذوبان فيه، حيث تصبح الذات رهينة لاعتراف خارجي ينهار مع أول خذلان.
 
ولا يقتصر هذا الانهيار على الداخل النفسي، بل يمتد إلى الجسد والمكان؛ فالجسد يتحول إلى حامل للألم، بينما يفقد البيت معناه الرمزي: «لقد أصبح بيتي قبرا»، وفي هذا التحول تتكثف دلالة العنوان نفسه؛ فـ«بيت العنكبوت» لا يحيل إلى مجرد هشاشة عابرة، بل إلى بنية توهم بالتماسك وهي في جوهرها واهنة، قابلة للانهيار عند أول اختبار، ليغدو بيت العلاقات وبيت الذات معا فضاء للاحتواء الظاهري والتفكك العميق في آن.
 
بهذا المعنى، يمكن قراءة الرواية بوصفها رواية اغتراب داخلي بامتياز، حيث لا يتأسس الألم على غربة مكانية، بل على انكسار يحدث داخل الذات نفسها، فالنوستالجيا هنا لا تتجه نحو مكان مفقود، بل نحو ذات مفقودة، تحاول «وردة» استعادتها في عالم يضيق كلما ظنت أنه يتسع لها، ويتخذ الزمن طابعا دائريا يعكس وعيا قلقا يعود باستمرار إلى جراحه الأولى، كاشفا عن ذات مثقلة بأسئلة لا تجد لها استقرارا.
 
ومع تكرار التجارب القاسية، تصل «وردة» إلى إنهاك وجودي كامل: «أنا مرهقة حتى الموت»، حيث يتداخل القلق مع العجز، ويغدو الصبر استنزافا مستمرا، غير أن الرواية لا تنتهي عند هذا الانهيار، بل تفتح أفقا لإدراك متأخر يتجلى في قولها: «الحذاء لم يكن على مقاسي  ولا الطريق طريقي»، وهي لحظة وعي تكشف أن الخلل لم يكن في القدرة على الاحتمال، بل في المسار ذاته.
 
في ضوء ذلك، تكشف «بيت العنكبوت» عن نفسها بوصفها نصا يشتغل على القلق واغتراب الذات بوصفهما بنية معيشة لا حالة طارئة، حيث تعيش الشخصية داخل القلق وتفقد نفسها وهي تحاول الحفاظ على ما يدمّرها، ومع لحظة الخروج   بعد الطلاق   لا تبدو النجاة انتصارا، بل وعيا مؤلما يتكثف في صرختها الأخيرة: «يا الله  يا الله»، حيث تختلط الخسارة بالتحرر، ويتحوّل الألم إلى معرفة، وإلى إدراك متأخر لحقيقة واحدة: لم يكن الخلل في القدرة على الاحتمال، بل في الطريق الذي لم يكن يوما طريقها.