الغد-عزيزة علي
صدر كتاب بعنوان "بيت لحم في العهد الفرنجي: 1099-1291" للمؤلف إبراهيم فوزي عودة، يتناول دراسة تاريخية معمّقة لمدينة بيت لحم خلال فترة الحكم الفرنجي في سياق الحروب الفرنجية في المشرق الإسلامي. ويقدّم الكتاب معالجة شاملة لمختلف الجوانب السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للمدينة، مستندًا إلى مصادر متنوعة بلغات متعددة نتيجة ندرة الدراسات التي تناولت بيت لحم بشكل مستقل.
ويهدف الكتاب، إلى إبراز المكانة الدينية والتاريخية لبيت لحم، وتحليل طبيعة العلاقات بين الفرنجة والسكان المحليين والطوائف المسيحية المختلفة، إضافة إلى تسليط الضوء على التحولات التي شهدتها المدينة خلال تلك المرحلة، وما رافقها من صراعات وتفاعلات سياسية واجتماعية، أثرت في تاريخها وموقعها ضمن المشهد العام لبيت المقدس والمنطقة.
في مقدمة الكتاب يقدم المؤلف، عرضًا لاهتمام المؤرخين في الشرق والغرب بدراسة فترة الحروب الفرنجية، التي تعد إحدى حلقات الصراع التاريخي الطويل بين الشرق والغرب. وقد تناولت العديد من الدراسات والتحليلات هذه الحروب من جوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.
ورغم كثافة ما كُتب حول هذه المرحلة، إلا أنها ما تزال تمثل مجالًا خصبًا للبحث والدراسة، لما خلفته من آثار واسعة ومتنوعة ونتائج متشعبة امتدت عبر رقعة جغرافية شاسعة، وفي منطقة ذات أهمية حساسة في الشرق العربي.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاهتمام العام بحروب الفرنجة، إلا أن مدينة بيت لحم لم تحظَ بالقدر الكافي من عناية المؤرخين والباحثين، إذ إن ما ورد عنها في المصادر المعاصرة، لم يتجاوز في الغالب إشارات عابرة ضمن سياق الحديث عن بيت المقدس.
وأشار المؤلف، إلى أن ندرة المعلومات المتوافرة عن بيت لحم دفعت إلى التوسع في الحديث عن بيت المقدس، كونها ملاصقة لها جغرافيًا ومرتبطة بها تاريخيًا. وتجدر الإشارة إلى أن شحّ المصادر العربية التي تناولت بيت لحم قد دفع إلى الاعتماد على مصادر بلغات عدة، من بينها اللاتينية، واليونانية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية. كما تم الاعتماد على بعض المصادر المكتوبة باللغة اليونانية، التي ساهمت في توفير معلومات مهمة حول الطوائف المسيحية الشرقية.
وأتاح ذلك إبراز الأهمية الدينية لبيت لحم، ودورها في العلاقات الفرنجية، إضافة إلى تسليط الضوء على الصراع المذهبي بين الأرثوذكس واللاتين، وتأسيس أول أسقفية لاتينية في المدينة. كما تناولت الدراسة طبيعة العلاقة بين المسيحية الفرنجية والمسيحية الشرقية من جهة، وبينهما وبين السكان المحليين من جهة أخرى، حيث اتضح أن هذه العلاقات كانت ذات أبعاد سياسية أكثر من كونها دينية بحتة.
في خاتمة الدراسة، أوضح المؤلف أهمية موقع بيت لحم ومدى تأثرها بالأحداث التي شهدتها مدينة بيت المقدس. كما يشير إلى أن ندرة المعلومات عن بيت لحم في المصادر والمراجع تُعد سمة مميزة لهذه الدراسة.
ورغم محدودية المعلومات المتاحة، فقد أمكن من خلال مراجعة عدد من المصادر والمراجع التي تناولت بيت لحم بشكل مباشر أو غير مباشر استكمال هذه الدراسة، التي تُعد من أولى الدراسات العلمية المتخصصة في بيت لحم خلال عصر الحروب الفرنجية. وقد تبيّن بوضوح أن الصراعات والنزاعات في المنطقة ساهمت في سقوط بيت لحم بيد الفرنجة. ويرى المؤلف، أن هذه الدراسة أبرزت الأهمية الدينية لبيت لحم، إذ شكلت مسرحًا مهمًا للصراعات بين الفرنجة حول إنشاء أسقفية لاتينية فيها، وذلك في إطار السعي إلى إضعاف الوجود الأرثوذكسي في البلاد الذي كان مركزه مدينة بيت المقدس. وربما لهذا السبب لم يتمكن الفرنجة اللاتين من تأسيس أسقفية لاتينية في بيت المقدس، فاتجهوا إلى بيت لحم لتكون مركزًا بديلًا ومنافسًا لبيت المقدس نظرًا لأهميتها الدينية، وهو ما يتجلى في تتويج بلدوين الأول ملكًا على بيت المقدس في كنيسة المهد ببيت لحم.
في زمن الفرنجة كانت بيت لحم تابعة لملك بيت المقدس، وقد جاء هذا التداخل في الحدود والأهمية على حساب مكانتها الخاصة. إذ تناول المؤرخون بيت المقدس بالعديد من البحوث والدراسات، بينما تفرقت أهمية بيت لحم داخل هذه الدراسات بوصفها جزءًا مكملًا لها أو عنصرًا تابعًا ضمنها.
بيّنت الدراسة وجود تمييز في تعامل الفرنجة مع المسلمين والمسيحيين المحليين في بيت لحم وغيرها من المناطق، إذ عمدوا إلى مصادرة أراضيهم، مع السماح لهم بالعمل فيها كمستأجرين. كما يُذكر أن البطريرك دايمبرت البيزي قام بطرد بعضهم من الأديرة تمهيدًا للاستيلاء عليها. وتتبعت الدراسة فئات السكان في منطقة بيت لحم، ولغاتهم وأنشطتهم، ومدى وجود علاقات مصاهرة بين الفرنجة والمسيحيين المحليين من جهة، وبين الفرنجة والمسلمين من جهة أخرى.
وأظهرت كذلك تعدد أنواع المحاكم، بما يعكس اختلاف الفئات الاجتماعية، والتفاوت بين الفرنجة وفق طبقاتهم من جهة، والسكان الأصليين من جهة أخرى.
وأوضح عودة أن الدراسة سعت إلى إبراز دور المقاومة ضد الفرنجة منذ بداية وجودهم في منطقة بيت لحم، وهو جانب حاولت المصادر الفرنجية الالتفاف عليه، من خلال تقديم صورة سلبية للمقاومة ووصمها بقطاع الطرق، أو الإشارة إلى خطورة الطرق والرعب الذي كان يحيط بالحجاج والمسافرين الفرنجة عبر منطقة بيت لحم. ويُعدّ ذلك مؤشراً على وجود مقاومة فعلية ضد الفرنجة في المنطقة، حالت دون تمكنهم من السيطرة عليها بشكل كامل.
كما لم تقتصر الدراسة على الجانب التاريخي، بل شملت أيضًا عملًا ميدانيًا في النواحي العمرانية، حيث تمّ توثيق وزيارة المواقع العمرانية والدينية والتاريخية التي تناولتها المصادر أو وصفها الرحالة الذين زاروها. وقد دعمت الصور هذا التوثيق الميداني للعمارة في بيت لحم. وقد ساعد في ذلك كون الباحث من أبناء منطقة بيت لحم، الأمر الذي أتاح له معرفة مباشرة بالمكان. ومن الممكن أن تُعدّ النواحي العمرانية موضوعًا مستقلًا للدراسة، نظرًا لما تحتويه من آثار امتزج فيها التاريخ بالدين والحضارة والفن. وأشار المؤلف، إلى أنه قسّم هذه الدراسة إلى فصول عدة؛ حيث تناول في الفصل الأول دراسة تحليلية نقدية لأهم مصادر البحث، التي تنوعت بين الكتب الفرنجية، وكتب التاريخ الإسلامي، والوثائق، وكتب الرحالة، والمعاجم، وكتب التراجم والجغرافيا، وكان من الضروري الرجوع إلى هذه المصادر لاستكمال جوانب الدراسة المختلفة.
أما الفصل الثاني، فقد خصّصه لبيت لحم قبل قدوم الفرنجة، حيث تناول الموقع والحدود والتسمية والتضاريس والموارد المائية في المنطقة. كما تطرق إلى تاريخ بيت لحم قبيل العهد الفرنجي، مسلطًا الضوء على الصراع السلجوقي الفاطمي الذي مهّد لدخول الفرنجة إلى منطقة بيت لحم.
أما الفصل الثالث، فقد تناول الأوضاع السياسية في المنطقة قبيل دخول الفرنجة، التي ساهمت في تهيئة الظروف لنجاحهم في تأسيس إمارة لهم في الشرق الإسلامي. كما ألقى الضوء على تطور فكرة الزحف الفرنجي نحو الديار المقدسة، والظروف التي أتاحَت لهم احتلال بيت لحم، أثناء تقدمهم للسيطرة على بيت المقدس.
وأشار كذلك إلى استقبال سكان بيت لحم للفرنجة، الذين أولوا المدينة أهمية خاصة نظرًا لمكانتها الدينية لدى مختلف الطوائف المسيحية، سواء الشرقية أو الغربية.
والفصل الرابع تناول الأحوال السياسية في فلسطين بشكل عام، واستخلص منها طبيعة العلاقات الفرنجية والصراعات الداخلية بينهم، إضافة إلى النزاع بين الملوك والبطاركة حول تثبيت الكنيسة اللاتينية في الشرق، وأثر ذلك على بيت لحم. كما عرض العلاقات الفرنجية الإسلامية بصورة عامة، ومظاهر مقاومة منطقة بيت لحم للوجود الفرنجي.
أما الفصل الخامس، فقد تناول الأحوال الدينية، مبينًا الأهمية الدينية لبيت لحم لدى الفرنجة، بما في ذلك تأسيس أسقفية في المدينة. كما عالج موضوع الإقطاعات الكنسية، ومن ضمنها إقطاع أسقفية بيت لحم.
أما الفصل السادس، فقد خُصص للأحوال الاجتماعية والقضائية؛ حيث ركّز القسم الأول على التفاعل الفرنجي مع بيئة المنطقة، وطبيعة حياتهم اليومية وعلاقتهم بالإنسان والبيئة المحلية. وتناول القسم الثاني أنواع المحاكم التي كانت قائمة في بيت لحم خلال العهد الفرنجي، واختصاصاتها والصلاحيات الممنوحة لها.
أما الفصل السابع والأخير، فقد خُصص للحديث عن الحالة الاقتصادية والعمرانية في بيت لحم، حيث استهلّه المؤلف بعرض النشاط الزراعي بوصفه عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المحلي، مبينًا الأساليب الزراعية المتبعة وأنواع المحاصيل التي اشتهرت بها بيت لحم في العهد الفرنجي. كما تناول الثروة الحيوانية في ضوء طبيعة البيئة المحلية، سواء أكانت زراعية أم رعوية، ثم تطرق إلى الصناعة، باعتبارها امتدادًا للبيئة المحلية واعتمادها على الإنتاج الزراعي الذي عُرفت به المنطقة.