الاخبار-
عمر نشابة
يعمل الإعلام اللبناني منذ أكثر من ستة عقود ضمن منظومة قانونية تعود إلى قانون المطبوعات لعام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع لعام 1994. لكن تغيّرت وسائل الإعلام خلال هذه الفترة وظهرت المنصات الرقمية وتبدلت طبيعة الملكية والتمويل فيما بقي الإطار التشريعي عاجزاً عن مواكبة هذه التحولات. لذلك، فإن اقتراح قانون الإعلام الجديد الذي أقرته اللجان النيابية المشتركة الأسبوع الماضي يمثل خطوة إصلاحية مهمة لأنه يقدم، للمرة الأولى، إطاراً تشريعياً موحداً ينظم المطبوعات والإذاعات والتلفزيونات والمواقع الإلكترونية والإعلام العام والإعلانات واستطلاعات الرأي والهيئة الوطنية للإعلام في قانون واحد. كما يتضمن أحكاماً متقدمة نسبياً في مجالات حرية التعبير وشفافية الملكية والتمويل وحماية المصادر الصحافية وحق الرد والتصحيح والفصل بين الإعلان والتحرير ومنع التوقيف الاحتياطي في قضايا الإعلام.
غير أن الأمر لا يتعلق بما إذا كان القانون أفضل من القوانين السابقة، بل بما إذا كان قادراً على معالجة الأزمات التي يعانيها الإعلام اللبناني اليوم. فالمشكلة الأساسية في الإعلام اللبناني ليست غياب النصوص التي تدعو إلى الدقة أو التوازن أو النزاهة بل هيمنة القوى السياسية والمالية والطائفية على المؤسسات الإعلامية. لذلك، فنجاح أي قانون إعلام يقاس بمدى قدرته على تفكيك هذه الهيمنة لا بمجرد الإشارة إلى المبادئ الأخلاقية في العمل الإعلامي.
يحقق مشروع قانون الإعلام الجديد تقدماً في تنظيم الممارسة الإعلامية، لكنه لا يذهب بعيداً في إعادة تنظيم بنية السلطة داخل القطاع الإعلامي. هو يفرض شفافية أوسع في الإعلان عن الملكية والتمويل لكنه لا يمنع فعلياً السيطرة السياسية أو الاقتصادية على وسائل الإعلام. فالمادة الرابعة تسمح للأحزاب السياسية بامتلاك وسائل إعلام كما تسمح للمؤسسات الدينية والجمعيات والنقابات والبلديات بذلك. لكن كيف يمكن الحديث عن استقلالية التحرير في مؤسسة يملكها حزب سياسي، فالحزب يكون صاحب القرار النهائي في تعيين الإدارة وتحديد السياسة التحريرية واختيار أولويات التغطية الإعلامية؟
صحيح إن مشروع القانون الجديد يفرض على المؤسسات احترام التوازن والنزاهة والاستقلالية، لكن هذه المبادئ تصبح صعبة التحقيق عندما يكون المالك نفسه طرفاً سياسياً. فالانحياز الإعلامي لا ينتج دائماً من نشر أخبار مضللة أو كاذبة بل قد يكون في اختيار الأخبار التي تنشر وفي تجاهل أخبار أخرى وفي ترتيب العناوين وانتقاء الخبراء والضيوف وتحديد زوايا التصوير الفوتوغرافي مثلاً وتكرار بعض الروايات وإهمال غيرها. وكلها ممارسات لا يستطيع القانون الجديد ضبطها بسهولة لأنها تقع في صميم العمل التحريري اليومي.
وينطبق الأمر نفسه على التمويل. صحيح أن المشروع يوسع نطاق الإفصاح عن مصادر الأموال والهبات والقروض، إلا أن الشفافية وحدها لا تمنع النفوذ. فالقوة الاقتصادية لا تمارس فقط عبر امتلاك الأسهم، بل أيضاً من خلال الإعلانات والرعاية التجارية وتمويل البرامج وتغطية النفقات التشغيلية. ويمكن لجهة سياسية أو مالية أن تؤثر في السياسة التحريرية من دون أن تمتلك الحصة الأكبر من رأس المال. ولذلك، فإن الكشف عن الممولين لا يكفي وحده لضمان استقلال المؤسسة الإعلامية.
يعترف مشروع القانون الجديد بحق الصحافي في رفض أي تدخل يخالف ضميره المهني أو مدونات السلوك، وإقراره باستقلالية التحرير وحماية المصادر الصحافية. غير أن هذه الحقوق تبقى حقوقاً نظرية إذا لم تترافق مع ضمانات تنفيذية فعالة. فالنص لا ينشئ آلية واضحة لحماية الصحافي الذي يتعرض لضغوط من مالك المؤسسة أو مموليها، ولا يحدد بصورة دقيقة وسائل إثبات هذا التدخل، ولا يوفر حماية خاصة من الفصل التعسفي أو الانتقام المهني. ونتيجة لذلك قد يجد الصحافي نفسه أمام معادلة صعبة: القانون يعترف بحقه في الاعتراض، لكنه لا يحميه عملياً إذا مارس هذا الحق.
أما الهيئة الوطنية للإعلام، التي يمنحها المشروع صلاحيات تنظيمية واسعة، فتشكل بدورها إحدى أبرز نقاط القوة ومصادر القلق في آن. ينص المشروع على استقلال الهيئة المالي والإداري، ويمنحها دوراً محورياً في تنظيم القطاع وإعداد مدونات السلوك ومراقبة الالتزام بها. إلا أنّ استقلال المؤسسات لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل بطريقة تشكيلها وآليات تعيين أعضائها وضمانات استقلالهم عن القوى السياسية. إذا خضعت الهيئة للمحاصصة الحزبية والطائفية، فإنها قد تتحول من أداة لتنظيم الإعلام إلى امتداد للنظام السياسي الذي يفترض بها مراقبة تأثيره في الإعلام.
وتبرز إشكالية أخرى في اعتماد مدونات السلوك المهنية. فالمشروع يتبنى فكرة إيجابية تقوم على إشراك المؤسسات الإعلامية والأكاديميين والنقابات والمجتمع المدني في إعداد هذه المدونات، وهو اتجاه يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية. غير أن النص لا يوضح بصورة كافية حدود القوة القانونية لهذه المدونات. فهل هي قواعد أخلاقية إرشادية، أم أنها ستصبح أساساً لفرض عقوبات تنظيمية أو قانونية؟ هذا الغموض قد يفتح الباب أمام استخدام مفاهيم أخلاقية عامة، مثل «التوازن» أو «المصلحة العامة» أو «القيم الأسرية»، بصورة انتقائية أو سياسية، إذا لم تقرن بضمانات تحد من التأويل.
كما أن المشروع، رغم أهميته، لا يواكب التحولات الكبرى التي فرضها الإعلام الرقمي. فهو ينظم المواقع الإلكترونية المهنية، لكنه لا يقدم معالجة متكاملة للحملات الرقمية المنسقة، ولا للإعلانات السياسية عبر المنصات الاجتماعية، ولا للمؤثرين الذين يمارسون عملاً إعلامياً واسع التأثير، ولا للمحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي أو تقنيات التزييف العميق. وهذه الملفات أصبحت اليوم من أخطر التحديات التي تواجه أخلاقيات الإعلام، ولا سيما في الفترات الانتخابية أو خلال الأزمات السياسية.
إن القيمة الحقيقية لأي قانون إعلام جديد لا تكمن فقط في حماية حرية التعبير بل في ضمان استقلال الإعلام عن السلطة السياسية والاقتصادية. القانون الجديد يطالب المؤسسات بالاستقلالية لكنه يسمح في الوقت نفسه باستمرار البنية التي تجعل هذه الاستقلالية صعبة التحقيق. ويعزز الشفافية، لكنه لا يضع قيوداً كافية على النفوذ المالي والسياسي. ويمنح الصحافي حقوقاً مهمة، لكنه لا يوفر له الحماية الكافية إذا اصطدم بمالك المؤسسة أو ممولها.
وبالتالي، فالقانون الجديد يمثل تطوراً تشريعياً مقارنة بالقوانين السابقة، لكنه لا يشكل الإصلاح البنيوي الذي يحتاجه الإعلام اللبناني. فهو ينظم المهنة بصورة أفضل، لكنه لا يفكك منظومة النفوذ التي تتحكم فيها. ومن دون معالجة مسألة ملكية وسائل الإعلام، وآليات تمويلها، وضمان الاستقلال الحقيقي للهيئة الوطنية للإعلام، وحماية الصحافيين من الضغوط السياسية والاقتصادية، سيبقى استخدام الإعلام كأداة للصراع السياسي قائماً، ولو تغيرت النصوص القانونية التي تحكمه.