"عشيات وادي اليابس".. قراءة في بنية الديوان الشعري عند عرار
الغد-عزيزة علي
يقدّم كتاب "قصيدة الديوان الشعري: مفهومها ودلالاتها: عشيات وادي اليابس لعرار (مصطفى وهبي التل) أنموذجا"، للدكتور إبراهيم الكوفحي، دراسة نقدية جديدة تسلط الضوء على مفهوم "قصيدة الديوان الشعري" بوصفه أحد المفاهيم الحديثة في قراءة النصوص الشعرية، والقائم على اختيار الشاعر إحدى قصائده لتكون عنوانا للمجموعة الشعرية بأكملها، بما يعكس مركزيتها داخل البناء الفني للديوان.
ويركّز الكتاب، الصادر عن دار الخليج للنشر والتوزيع، على تحليل قصيدة "عشيات وادي اليابس" بوصفها نموذجا لهذا المفهوم، من خلال تتبع بنيتها الدلالية والموضوعات التي تطرحها، ودراسة علاقتها ببقية قصائد الديوان، بما يبرز دورها في الكشف عن ملامح التجربة الشعرية للشاعر الأردني مصطفى وهبي التل، وتفسير تداخل القضايا الذاتية والاجتماعية والوطنية في شعره.
وفي مدخل الكتاب، الذي جاء بعنوان "حول قصيدة الديوان الشعري"، يشير الدكتور إبراهيم الكوفحي إلى أن ظاهرة عنونة القصائد والدواوين الشعرية تُعد ظاهرة حديثة نسبيا، لم تتبلور بشكل واضح إلا في مرحلة متأخرة من تاريخ الأدب العربي، ربما قبل نحو قرن من الزمن، حين بدأ الشعراء العرب يولون اهتماما متزايدا بوضع عناوين لأعمالهم الشعرية، سواء على مستوى القصيدة المفردة أم الديوان الكامل.
ويؤكد الكوفحي أن العناية بالعنوان لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مجموعة من العوامل التاريخية والحضارية التي أثّرت في مسار الإبداع العربي الحديث شعرا ونثرا، وفي مقدمتها اتساع دائرة الاتصال بالآداب والثقافة الغربية، ولا سيما مع تنامي حركة الترجمة، ودخول أشكال أدبية جديدة، وتعدد التيارات الفنية والفكرية باختلاف اتجاهاتها ومشاربها.
ويرى، في الوقت نفسه، أنه على الرغم من معرفة العرب قديما بمفهوم العنونة في مختلف ميادين التأليف والتصنيف، فإن عنونة الأعمال الشعرية تحديدا ظلّت محدودة الحضور طوال القرون السابقة، باستثناء الإشارات التي كانت ترد في مجاميع الشعر من خلال مطلع القصيدة أو رويّها أو مناسبتها أو غرضها. ويُعزى هذا الغياب، في نظره، إلى جملة من الأسباب التاريخية، إضافة إلى طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين المبدع والمتلقي في تلك المراحل.
ومن أبرز تلك الأسباب اعتماد الشعر العربي على المشافهة وانتقاله عبر السماع، الأمر الذي قلّل الحاجة إلى وضع عناوين تؤطّر التجربة الشعرية. وقد استمر هذا التقليد حتى بعد انتشار نشر القصائد في الصحف وتلقيها بالقراءة بدلا من السماع، حيث اجتهد محررو الصحف في وضع عناوين للقصائد، ثم سار الشعراء على النهج نفسه لاحقا.
ويشير المؤلف إلى أن الشعراء العرب المعاصرين يختلفون في طرائق اختيار عناوين دواوينهم وصياغتها، وقد تتعدد هذه الطرائق لدى الشاعر الواحد عبر مسيرته الإبداعية، إذ نادرا ما تأتي عناوين أعماله ضمن نسق ثابت أو تسلسل منطقي محدد، مما يجعل التنوع في أساليب العنونة السمة الأبرز لدى معظم الشعراء.
ومهما يكن، فإن عناية الشعراء بالعنوان بوصفه عنصرا أساسيا في العمل الأدبي أمر لا خلاف عليه، إذ يحرص كثير منهم على أن يكون العنوان معبرا عن رؤيتهم الخاصة ومرتبطا بمضمون المجموعة الشعرية ودلالاتها. ولهذا لا يأتي العنوان ارتجالا أو عفو الخاطر، بل يُنتقى بعناية وتأمل.
ومن الأساليب الشائعة في تسمية الدواوين الشعرية إطلاق اسم إحدى القصائد على الديوان بأكمله، سواء وردت هذه القصيدة في بدايته أو نهايته أو في أي موضع آخر منه، تبعا لاختلاف الشعراء في ترتيب قصائدهم. ويقترح المؤلف إطلاق مصطلح "قصيدة الديوان الشعري" على القصيدة التي يحمل الديوان اسمها دون غيرها من القصائد التي يضمها.
ولا شك في أن "قصيدة الديوان الشعري" تتمتع بمكانة خاصة بين نصوص الديوان، إذ إنها القصيدة التي اختار الشاعر عنوانها ليكون عنوانا للمجموعة الشعرية بأكملها. ويكشف هذا الاختيار عن مركزيتها بوصفها بؤرة دلالية وفنية تتصل بها بقية النصوص على نحو مباشر أو غير مباشر.
ومن هنا، لا يمكن فهم الديوان الشعري وكشف الروابط الخفية بين مكوناته، أو تفسير كثير من ظواهره الفنية والدلالية، من دون التوقف عند "قصيدة الديوان الشعري" بوصفها مدخلا أساسيا لقراءة بقية النصوص، بغض النظر عن موقعها داخل الديوان أو ترتيبها فيه.
ويلفت الكوفحي إلى أن عددا من النقاد والباحثين لا يلتفتون إلى أهمية هذه القصيدة، ويتعاملون معها كسائر نصوص الديوان، وكأن اختيار الشاعر لها عنوانا للمجموعة لا يحمل دلالة خاصة أو تمييزا فنيا.
ويعدّ هذا الأمر مثيرا للاستغراب، إذ كان من الطبيعي أن يثير اختيار الشاعر لهذا العنوان انتباه القارئ والناقد معا، وأن يطرح سؤالا جوهريا: لماذا اختار الشاعر عنوان هذه القصيدة تحديدا دون غيرها؟ ومن المؤكد أن هذا الاختيار لا يأتي عبثا أو من دون قصد، بل يشكّل مدخلا مهما لفهم العمل الشعري وتأويله، خاصة أن العنوان هو أول ما يواجه القارئ في النص.
وتتعدد الأمثلة على "قصيدة الديوان الشعري" في الشعر العربي الحديث، إذ تُعد هذه الظاهرة واسعة الانتشار في كثير من الدواوين الشعرية المعاصرة. وفي هذه الدراسة يتوقف المؤلف عند نموذج واحد منها، هو قصيدة "عشيات وادي اليابس" للشاعر الأردني مصطفى وهبي التل، المعروف باسمه الفني "عرار"، الذي كان يوقّع به كتاباته الشعرية والنثرية.
ويشير المؤلف إلى أن الاقتصار على هذا النموذج يعود إلى طبيعة هذا النوع من الدراسات، التي تتطلب قراءة شاملة لمكونات الديوان وعلاقاته الداخلية، وهو ما يصعب استقصاؤه في مساحة محدودة.
وفي خاتمة الدراسة، يشير الكوفحي إلى أنه انطلق في هذا البحث من أطروحته المتعلقة بمفهوم "قصيدة الديوان الشعري"، مقاربا هذا المفهوم تطبيقيا من خلال دراسة مجموعة مصطفى وهبي التل الشعرية "عشيات وادي اليابس".
ويؤكد أن الدراسة خلصت إلى عدد من النتائج الأساسية، على المستويين النظري والتطبيقي، أبرزها أن مفهوم "قصيدة الديوان الشعري" تبلور انطلاقا من ظاهرة شائعة في عنونة الأعمال الشعرية، تتمثل في اختيار الشاعر إحدى قصائد الديوان لتكون عنوانا للمجموعة كاملة. ويكشف هذا الاختيار عن مركزية تلك القصيدة وأهميتها مقارنة ببقية نصوص الديوان، بوصفها الأكثر تعبيرا عن التجربة الشعورية والفكرية التي يسعى الشاعر إلى تجسيدها ونقل أبعادها إلى المتلقي.
ويشير المؤلف إلى أن "قصيدة الديوان الشعري" تشكّل مدخلا أساسيا لقراءة العمل الإبداعي وتلقيه، لما تؤديه من دور في الكشف عن الروابط الخفية بين مكوناته النصية، خاصة أن العنوان يُعد أول ما يواجه القارئ، ويوجهه نحو النص المحوري القادر على إضاءة طبيعة العلاقات بين مكونات الديوان المختلفة.
كما يكتسب عنوان العمل الشعري قيمته الفنية والدلالية حين يكون من اختيار المبدع نفسه، إذ يصبح جزءا من بنية العمل ونسيجه الداخلي، ومرتبطا ارتباطا وثيقا بمضمونه وتجربة صاحبه ورؤيته. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع العنوان بوصفه عنصرا هامشيا أو قابلا للتجاوز في القراءة والتأويل.
وفي المقابل، لا يمنح المؤلف القيمة نفسها للعناوين التي يضعها غير أصحاب الأعمال، كالمحققين أو الناشرين، إذ يرى أن التعويل عليها في تفسير النصوص أو تأويلها قد يؤدي إلى الخطأ والتضليل.
وتتناول الدراسة، بحسب الكوفحي، على المستوى التطبيقي، قصيدة "عشيات وادي اليابس" للشاعر "عرار" مصطفى وهبي التل بوصفها "قصيدة الديوان الشعري"، حيث توقفت عند أبرز القضايا والموضوعات التي طرحها الشاعر، مثل تذمره من الوظيفة الحكومية، ومعاقرته الخمر، وتردده على "خرابيش النور"، إلى جانب نقده الأوضاع السياسية والاجتماعية في بلاده، وتحذيره من مخططات الاستعمار البريطاني الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين وتمكين اليهود من احتلال أرضهم.
وتكشف الدراسة، من خلال استعراض معظم قصائد الديوان، مدى استيعاب قصيدة "عشيات وادي اليابس" لأبرز الهواجس والقضايا التي شغلت عرار على امتداد تجربته الشعرية، سواء على المستوى الفردي أم الجماعي، وهو ما يمنحها خصوصية فنية ودلالية تميزها عن بقية النصوص، ويبرر اختيار الشاعر عنوانها ليكون عنوانا للمجموعة الشعرية بأكملها.
وأبرزت الدراسة أهمية هذه القصيدة في تفسير ظاهرة تعدد الموضوعات داخل القصيدة الواحدة عند مصطفى وهبي التل، والتنقل بين الخاص والعام، وهي سمة قد توحي ظاهريا بتفكك النص، بينما تكشف القراءة المتعمقة عن ترابط داخلي واضح. فقد ربط الشاعر بين سلوكياته الشخصية، مثل شرب الخمر والتردد على "خرابيش النور"، وبين القضايا الوطنية والاجتماعية العامة، بما يعكس طبيعة الصراع الداخلي والخارجي الذي لازمه طوال حياته، حتى غدا حاضرا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم قصائده.
وخلص الكوفحي إلى أن قصيدة "عشيات وادي اليابس" تبدو مفتاحا أساسيا لفهم عالم عرار الشعري، والوقوف على كثير من أبعاده الموضوعية والفنية.