المواطن الغربي.. قدرة الشعوب على تحويل التعاطف لفعل*محمود خطاطبة
الغد
لماذا خرجت الملايين في شوارع لندن وباريس وملبورن تضامنًا مع غزة؟ بينما اكتفت الشعوب العربية بالتغريد خلف شاشات الفضائيات، أو إصدار بيانات تنديد واستنكار، كثير منها على استحياء، كي لا أقول على “جُبن”.
سؤال يُثير الدهشة، ويفتح الباب أمام تأمل عميق في طبيعة الضمير الإنساني، وفي حدود الجغرافيا والثقافة، حين يتعلق الأمر بالعدل والظلم، ففي مُدن الغرب، البعيدة ثقافيًا ودينيًا، عن فلسطين، خرجت جموع غفيرة تحمل لافتات وترفع شعارات مُطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وبإنهاء الحصار.. وفي المُقابل ظل الشارع العربي، القريب وجدانيًا وتاريخيًا، صامتًا أو مُكتفيًا بتعبير رمزي عبر الفضاء الرقمي، وكأن البُعد عن غزة لا يُقاس بالكيلومترات، بل بمدى قدرة الشعوب على تحويل التعاطف إلى فعل.
قد يُفسر البعض هذه المُفارقة، بوجود تقاليد راسخة في المُجتمعات الغربية، تقوم على حُرية التعبير وحق التظاهر، بينما يُقابلها في العالم العربي واقع سياسي واجتماعي، يحد من الحراك الجماهيري، ويكبح اندفاع الناس نحو الشارع.
لكن التفسير لا يقف عند هذا الحد، فثمة أيضًا مسألة الضمير الجمعي الذي يرى في المأساة الفلسطينية، قضية إنسانية، قبل أن تكون دينية أو قومية، وهو ما يجعل الغربي العادي يراها امتدادًا لمعركته الخاصة ضد الظلم في أي مكان.. في المُقابل يعكس المشهد العربي حالة من الانقسام والتردد، فالقضية الفلسطينية، التي يُفترض أن تكون بوصلة مُشتركة، تحولت إلى مساحة تجاذب سياسي، بينما النخب الثقافية والدينية عاجزة عن استنهاض الطاقات، وتحويل الغضب إلى فعل ملموس.
هكذا تتجمد المشاعر في حدود التغريد والمنشورات، وتفقد زخمها مع مرور الوقت.. هذا التباين المؤلم يضعنا أمام مرآة قاسية، فنحن نرى الغرب يرفع صوته في مواجهة حُكوماته ويضغط في مراكز القرار، بينما يظل الصوت العربي خافتًا ومُشتتًا.
إن غزة اليوم لا تحتاج إلى تعاطف رمزي، بل إلى موقف صلب يوازي حجم التضحيات التي يُقدمها أهلها على الأرض.. لقد أظهرت التظاهرات الغربية أن التضامن الإنساني لا يعرف حدودًا، وأن العدل يظل قيمة عالمية تفرض نفسها متى ما وُجد الضمير.
إنها لحظة تستدعي منا وقفة صادقة مع الذات، ليس فقط كي نُسائل عجزنا، بل كي نُعيد ترتيب أولوياتنا، ونفهم أن القضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل هي قضية كرامة ووجود، تحتاج إلى فعل يتجاوز الشاشات، ويعود إلى الشوارع، حيث تصنع الشعوب تاريخها.