الدستور
لقد وُلدت أمتنا من الإبادة الجماعية - مارتن لوثر كينغ.
في فجر الثالث عشر من شباط عام 1991، قصفت طائرتان أميركيتان ملجأ العامرية في بغداد بقنبلتين موجّهتين شديدتي الانفجار، وكان بداخله مئات المدنيين الذين احتموا به من الغارات الجوية خلال حرب الخليج.
وأسفر القصف عن استشهاد ما يُقدَّر بمئتين إلى ثلاثمئة شخص، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال؛ وأشارت بعض التقديرات إلى أن عدد الأطفال بلغ نحو مئة وثلاثين طفلًا. وبرّرت الولايات المتحدة الضربة بأنها استهدفت مركزًا عسكريًا للقيادة والاتصالات، غير أن منظمات حقوقية أثبتت أن الملجأ لم يشهد أي نشاط عسكري، وأنه كان معروفًا بوصفه ملجأً للدفاع المدني. وبحجم خسائرها وفداحة استهداف مكان لجأ إليه المدنيون طلبًا للحماية، غدت مأساة العامرية واحدةً من أكثر أحداث حرب الخليج الأولى دمويةً.
واليوم، تتداول وسائل الإعلام أخبارًا تفيد بأن كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية يعتزمون إرجاء نشر تقرير نتائج التحقيق في القصف الأميركي لمدرسة «شجرة طيبة» في ميناب، جنوبي إيران، إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي المقرّرة يوم غد. وكان القصف قد وقع في اليوم الأول من الحرب مع إيران، وأسفر عن استشهاد ما لا يقل عن مئة وعشرين طفلًا.
في الثامن عشر من أيلول الماضي، نشرت وكالة بلومبيرغ تحقيقًا بعنوان داخل سلسلة القتل الأميركية التي دمّرت مدرسة إيرانية Inside the US ‘Kill Chain’ That Destroyed an Iranian School، استند إلى شهادات مسؤولين شاركوا مباشرةً في التحقيق الداخلي للبنتاغون، وإلى مراجعة صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستهداف ومواده وسجلات الحاسوب.
وبحسب التحقيق، ظلّ موقع المدرسة مُدرجًا في قاعدة بيانات قديمة منذ سنوات طويلة سبقت الحرب؛ إذ كان في الأصل منشأةً تابعةً للحرس الثوري، قبل أن يتحوّل عام 2017 إلى مدرسة. وأظهرت صور عام 2018 هذا التحوّل بوضوح، بما تضمّنته من علامات تدلّ على نشاط مدرسي. وقد رصدت الاستخبارات الأميركية ذلك عام 2019، لكن المعلومات المحدَّثة حُفظت في موضع آخر، ولم تمحى من بنك الأهداف.
وقبيل الحرب، أُدرج الموقع بوصفه هدفًا عسكريًا في نظام «مارفن»، الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي لتنظيم الأهداف وتحليلها. وبعد دقائق من اتخاذ قرار الحرب، قُصفت المدرسة.
كان يُفترض أن يمرّ قرار القصف بسلسلة من المراجعات البشرية، تبدأ بمحلّلي الاستخبارات ومتخصّصي تحليل الصور، مرورًا بمخطّطي الأهداف وخبراء الأسلحة والمحامين العسكريين وقادة العمليات، وصولًا إلى الجهات المنفّذة. لكن أحدًا، بحسب مسؤولي التحقيق، لم يراجع المعلومات المحدَّثة. وحتى عند طرح الأسئلة الثلاثة الأخيرة: هل الهدف قانوني؟ وهل تتوافر معلومات استخباراتية كافية؟ وهل اتُّخذت احتياطات معقولة لتقليل الضرر على المدنيين؟ جاءت الإجابات جميعها: نعم.
وممّا زاد الطين بلّة أن وزير الحرب هيغسيت كان قد فكّك وحدات الحدّ من الأضرار التي تلحق بالمدنيين Civilian Harm Mitigation، وخفّض عدد العاملين إلى نحو تسعين في المئة من قوامهم السابق، وقلّص فريق القيادة من عشرة أشخاص إلى شخص واحد. ولم يراجع قسم حماية المدنيين الهدف قبل قصفه.
ثم نُفِّذت الضربة؛ فأصاب صاروخان من طراز «توماهوك» مبنى المدرسة وساحتها، ولجأ الأطفال إلى غرفة الصلاة يحتمون بها، فقُصفت هي الأخرى. لتعد هذه الجريمة الأبشع منذ حرب فيتنام.
في العامرية، كذّبت الولايات المتحدة جميع التقارير، وادّعت أن الملجأ كان مركزًا للاتصالات. وفي ميناب، لم تعترف حتى الآن رسميًا بأن المدرسة قُصفت بصواريخ أميركية. وسيصدر التقرير، ثم تُلقي الولايات المتحدة باللوم على الذكاء الاصطناعي!
لا أستغرب جرائم الولايات المتحدة أبدًا؛ فهي إمبراطورية قامت على جماجم سبعين مليونًا من السكان الأصليين، وهي التي قتلت في اليابان ربع مليون إنسان.
سيبرّر الرئيس ترامب لاحقًا جريمة قصف المدرسة، كما برّر سلفه بوش جريمة العامرية، وكما برّر قبلهما الرئيس ترومان إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي، بالقول إنهما كانتا ضروريتين لإحلال السلام ومنع إراقة المزيد من الدماء!