عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jul-2026

نظرة على حبة سكر وشظايا حرير للأديبة ميرنا حتقوة

 الدستور-الروائية عنان محروس

 
تُعدّ المقاربة الانطباعية بين الإصدارين جائزة؛ إذ تماثلت المنهجية الفكرية القائمة على التحليل العميق للمواقف الإنسانية، مع رفض قبولها بوصفها مسلّمات حياتية في المجتمع المعاصر.
 
كما تطابقت الاتجاهات السلوكية في الإصدارين، إذ هدفت إلى تفكيك العواطف البشرية، وكشف خلفياتها وبنيتها، واستخلاص مكامن العافية والقوة، ومقارنتها بالتعب والضعف، بموضوعية وحياد. ولعل الغاية والمقصد المتجانسان يجعلان من الممكن جمع الكتابين في إصدار واحد، تتراوح سرديته بين اليوميات والأقاصيص.
 
امتاز الإصداران النثريان بالعفوية والبساطة، متنقلين بين الخاطرة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا. وأنا مؤمنة إيمانًا تامًا بأن بصمة الكاتب الأدبية لا تتغير، مهما تطورت أساليبه السردية، واختلفت لغته وصوغ عباراته، فهي كالجينات الوراثية تلازمه ما دام القلم بين أنامله، يخطّ حرفًا هادفًا لا يتبدل مبدؤه.
 
مشاهد الحدث في القصص والخواطر أفضت إلى تعدد في التأويل، عبر الالتزام بحركة معينة وزمن محدد، مع قفلات نهائية غلب فيها الواقعُ توليفةَ الخيال.
 
ففي «حبّة سكر»، ص25: «عندما تنتهي الحكاية، لن يبقى منها إلا وهج ابتسامة، كانت جميلة جدًا».
 
وفي «شظايا حرير»، ص15: «أغمض عينيه حتى لا يسمع الصوت الذي يتردد في صدره قائلًا: أنت أسوأ عاشق، تُوقع الحبيبة في شراكك بفخ ذكي، ثم تتركها تتلوى. الحب الحقيقي شجاعة أيها الجبان».
 
نصوص ميرنا متميزة، تجمع بين تكثيف الفكرة، وخفة ظل الموقف، وعمق المعنى، والبحث النفسي، والسيميولوجيا، أي دراسة الرموز والدلالات.
 
ومن الأمثلة: في «حبّة سكر»، ص25: «كلما سطّرنا حروف النهاية، غلبنا حنين البدايات».
 
وفي «شظايا حرير»، ص19: «ما زلت قلقة، هل أبيع الخاتم أم أبيع لحظة شغفي بذلك الرجل؟».
 
إنها رموز ودلالات تحمل في بنيتها البلاغية والمنطقية كثيرًا من الألم الحقيقي؛ ذلك الوجع الناعم الذي كسر التابو المتعارف عليه في التجديد والانزياح والتجريب. فجرحت الروح حبّةُ سكر ذابت بمنتهى الهدوء، فيما بدت شظايا الحرير، على نعومتها، خيوطًا حادة متناثرة، فاقت الألغام اختراقًا للنفس البشرية، لتصنع تصويرات تنطلق من واقع متشابه العتبات، رغم اختلاف الألوان.
 
وفي خضم السردية في الإصدارين، نتيقن أن السهل الممتنع أدب صعب المراس، يترافق مع السمات الفنية والجمالية التي لا تغيب عن أي موقف، ولا عن أي من شخوص الخواطر والقصص.
 
ففي «شظايا حرير»، ص7: «لفت انتباهه أن بطل روايته «شوكة الوردة» يخرج من داخل الكرتونة، بينما النار تندلع من جسده».
 
وفي «حبّة سكر»، ص33: «تسأله: كم خطًا أصبح في وجهك؟ فيبتسم ويقول: اقتربي وابدئي بالعدّ».
 
الأسئلة القلقة رحلة في مخاض المشاعر، والرؤى تضعك عند الحد الفاصل بين الدهشة والرغبة في الإقدام، مثقلة بحروف لم تُكتب، بل نسجت رؤيا تستنطق العبرات الصامتة، فيما يعلو في الأعماق صهيل صارخ.
 
ففي «حبّة سكر»، ص43: «أي تعويذة سيلقي على عينيها ليعود الفرح إليها؟ وكيف يغادر الحزن عيني امرأة تغار؟».
 
وفي «شظايا حرير»، ص28: «لماذا لم يحاول إيقافها؟». وفي ص33: «هل أنا زوجة أم سوق تجاري متنقل؟».
 
خلقت حفيدة ستناي من شخوصها أرواحًا متسامحة، تغفر لنفسها قبل أن تغفر للآخرين، وتسترق النظر إلى قسوة التلاعب بالمشاعر.
 
وتقلب الكاتبة الصفحات بهدوء، لتراقب بطلاتها وأبطالها في مشاهدهم، مختلسة عبراتهم، وداعية لهم بالقوة، ومانحة الحكمة.
 
ففي «حبّة سكر»، ص56: «ساذجة من تعتقد أنها ستكون الأخيرة في حياة رجل يعشق الكتابة والشعر».
 
وفي «شظايا حرير»، ص50: «الحب أن لا تضعي أحمر شفاه لتعجبيه، الحب أن لا تستجدي منه وقتًا لترافقيه، أو عمرًا قادمًا لتسكنيه».
 
ورغم المنهجية الفكرية الواضحة في الإصدارين، فإن ميرنا استبعدت أي تحيز شخصي أو استنتاجات غير مثبتة، وتركت مساحة التأويل والربط لمخيلة القارئ.
 
ففي «حبّة سكر»، ص75: «لم أشعر بفقدكِ إلا بعد أن رأيتكِ تتأبطين ذراعه».
 
وفي «شظايا حرير»، ص56: «وحدها من يدرك سر الكون بذات المرايا».
 
ويستولي على انتباه القارئ، في مجمل النسيج الخطابي والبنية السردية للنصوص، منابتُ إصغاء تُروى عبر استخدام لغة شاعرية، أضافت بعدًا جماليًا متميزًا، يُدخلك في غمار النص، فلا تخرج منه قبل أن تتورط في أعماقه، لتصبح أنت القارئ والكاتب والشخصية الفاعلة، ممتطيًا صهوة الانصهار، ودائرًا في فلك الحكاية، حتى تستقيم الخواطر ذات التدفق المتسلسل، كما أرادت لها الأديبة ميرنا أن تكون.